231
فتوح الشام ( للواقدي )
بأبي والله من الكائنات تحفظه والسباع تحرسه والملائكة تصفه والجن تعرفه ثم حدثه بأمره وأسلم على يديه.
حدثنا أبو محمد قال: أخبرني أبي عن حسان عن السدي عن يحيى الواقدي عن شهر بن عباس البيروتي أن عمر حدثه عن نزول أبي عبيدة بالمسلمين على أنطاكية.
قال: وعظ هرقل قومه بكنيسة القيسان واستحلفهم أنهم لا ينهزمون أو يموتوا عن دم واحد فحلفوا وخرجوا مع الملك إلى عسكره وقد رفعت الصلبان وقرأت القسوس والرهبان وارتفع الضجيج من أهل الكفر والطغيان واصطفوا للقتال وكان المسلمون قد رتبوا صفوفهم وأوقفوا كل أمير في مكانه ونشرت الرايات والأعلام وأشار أبو عبيدة إلى ربيعة بن معمر الشاعر وكان لسنًا فصيحًا لا يتكلم إلا بالكلام المنظوم.
فقال له: يا ربيعة فوق سهام لفظك ووعظك إلى المجاهدين وحرض المسلمين على قتال المشركين قالت فتقدم ربيعة أمام الصفوف وكان جهوري الصوت يسمعه القريب والبعيد.
فقال: أيها الناس إلى متى هذه المهلة فتأهبوا للحملة فهذه طيور الأرواح قد عولت على فراق أقفاص الأشباح وقد ارتاحت إلى باريها وأجابت صوت مناديها وها هي تخاطبنا بلسان إشارتها عن نطق عبارتها ما هذا الوقوف على بذل أنفسكم وقد اشتراها مؤيدكم أفركنتم إلى حب الحياة الفانية والأنفس الدانية وهذه أوقاتكم بالنصر مؤيدة وهمتكم عن طلب زينة الدنيا متحيدة والمواعظ الصادقة بكلام الحق مقيدة: أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وهذه طوالع سعودنا بالإقبال طالعة وشجرة آمالنا بالتأييد يانعة فلله درهم فلقد ظهرت زهرة نجوم المحبة في أفلاك راياتهم وتبلج فجر العشق في سماء سماتهم وأشرقت شموس المعرفة في مشارق عشقهم فلما هموا بالحملة بأجمعهم واصطفوا وقدموا همم النفوس في رضا الملك القدوس واستبقوا وزاحموا بعضهم بعضًا ولم يرفقوا نودوا من صفاء أسرارهم {من المؤمنين رجال صدقوا} [الأحزاب: 23].
قال الواقدي
رحمه الله: حدثني زيد بن إسماعيل الصائغ عن جعفر بن عون عن عياش بن أبان عن جابر بن أوس.
قال: كنت حاضرًا في مصاف أبي عبيدة على أنطاكية حين وعظنا بسجعه ربيعة بن معمر فكان أول من خرج من الروم للبراز شجاع الروم نسطاروس بن روبيل وهو كأنه برج من حديد فلما توسط الميدان طلب البراز فخرج إليه دامس أبو الهول مولى بني طريف فاتح قلعة حلب وهو يومئذ فارس غطريف فحملا على بعضهما فلما اشتعلت نار الحرب بينهما عثر جواد دامس فسقط على ظهره فانقض عليه نسطاروس وأخذه أسيرًا وقاده ذليلًا ورجع إلى الميدان فخرج عليه الضحاك بن حسان الطائي وكان يشبه خالدًا في حملاته وخفته فلما برز.
قال قائل من الروم ممن شاهد قتال خالد في المواطن وعرفه هذا فارس الشام والمسلمين الذي فتح بلادنا فصار كل من في أنطاكية ينظر إليه وهم يظنون أنه خالد فازدحمت خيل المشركين من كثرة النظر إليه فقطعت حبال السرادقات التي لنسطاروس وغيروا سريره فخاف الغلمان على أنفسهم وسرادقاته على ذلك وإذا رآها على تلك الحالة قتلهم ولم يجدوا أحدًا يعينهم على رفع السرادق لأن كل من في العسكر مشغول بالفرجة على نسطاروس مع خصمه فاتفق اثنان من الفراشين وكانوا ثلاثة على حل دامس أبي الهول وقالوا له: نحن نحلك من وثاقك وتعيننا على شيل عمود هذا السرادق ونعيدك إلى الوثاق.
فإذا جاء البطريق نشفع فيك فإنه يخلي سبيلك.
فقال: نعم فحلوه من وثاقه فعندها قبض على الاثنين كل واحد بيد وضرب واحد بواحد فصرعهما فماتا فهجم على الثالث فقتله وفتح صندوقًا من الصناديق فوجد فيه ثياب نسطاروس فلبسها وركب من الطوالة جوادًا من خيارها وأخذ بيده قنطارية وسيفًا ولثم وجهه وقصد عسكر المتنصرة ووقف إلى جانب حازم بن عبد يغوث وهو ابن عم جبلة وكان قدمه على عسكر المتنصرة وجبلة وولده وبنو عمه في موكب الملك.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق