212
فتوح الشام ( للواقدي )
فقال: لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وإنك تعجب أيها الأمير من هذا الأمر قال: نعم قال له: اعلم أيها الأمير إني كنت البارحة مفكرًا في أمركم وقد وصلتم إلى قلعتنا ونصرتم علينا وإنه لم يكن عندنا أمة أضعف منكم وتوسوست في ذلك فلما نمت رأيت شخصًا أبهى من القمر وأطيب رائحة من المسك الأذفر ومعه جماعة فسألت عنه فقيل لي: هذا محمد رسول الله فكأني أقول إن كان نبيًا حقًا فليسأل ربه أن يعلمني العربي وكان يشير إلي وهو يقول: يا يوقنا أنا محمد الذي بشر بي المسيح وأنا لا نبي بعدي وإن أردت فقل لا إله إلا الله وإني محمد رسول الله فأخذت يده فقبلتها وأسلمت على يديه واستيقظت وفمي من تلك الليلة كالمسك الأذفر وأنا أتكلم بالعربية ثم إني قمت إلى منزل أخي يوحنا وفتحت خزانة كتب فوجدت في بعض الكتب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وما يكون من أمره ووجدت كل الصفات صحيحة وإن أبغض الخلق إليه اليهود أكان ذلك أيها الأمير أم لا فقال أبو عبيدة: نعم كانت اليهود تطلبنا أشد الطلب حتى نصرنا الله عليهم وأخذ حصونهم وقتلنا أبطالهم.
قال يوقنا: وجدت هذا في سيرته وجملة أخباره وأن الله تعالى كان يوصيه بأصحابه وبالمسلمين وبالأيتام والمساكين أكان ذلك أم لا.
قال أبو عبيدة نعم أما وصيته من الله على أصحابه.
فقد قال الله تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] وقال في حق اليتيم والمسكين: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} [الضحى: 9 - 10].
فقال يوقنا: كيف قال: {ووجدك ضالًا فهدى} [الضحى: 7] فما معنى وصفه بالضلال وهو عند الله كريم.
فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: وجدناك ضالًا في تيه صحبتنا فهديناك إلى مشاهدتنا وأيضًا سهل لك الوصول إلى سبل المكاشفة ووفقك للوقوف في مقام المشاهدة ووجدك ضالًا في بحار الطلب على مركب العطب فهداك إلى سواحل الحق وقربك إلى ظل حقائق الصدق لتكون بقلبك مائلًا عن الأغيار أو تهيم في قيعان الاختيار متمنيًا ساعات الوصول والتلاق وليس لك منا خبر ولا معك منا أثر ألحنا لك لوائح الرضا وكشفنا لك عن واضح القضا أما علمت يا يوقنا أنه لا شيء عند المؤمن أوفى من العلم ولا أربح من الحلم ولا حسب أوضح من الدين ولا قرين أزين من العقل ولا رفيق أشر من الجهل ولا شيء أعز من التقوى ولا شيء أوفى من ترك الهوى ولا عمل أفضل من الفكر ولا حسنة أعلى من الصبر ولا سيئة أخزى من الكبر ولا دواء ألين من الرفق ولا داء أوجع من الخرق ولا رسول أعدل من الحق ولا دليل أنصح من الصدق ولا فقر أذل من الطمع ولا غنى أشقى من الجمع ولا حياة أحسن من الصحة ولا معيشة أهنأ من العفة ولا عبادة أفضل من الخشوع ولا زهد خير من القنوع ولا حارس أحفظ من الصمت ولا غائب أقرب من الموت فلما سمع يوقنا هذا الكلام من معاذ تهلل وجهه وقال: هكذا قرأته في كتب أخي يوحنا وهو مذكور في الإنجيل والتوراة ثم خز ساجدًا وقبل الأرض شكرًا وقال: الحمد لله الذي هداني إلى هذا الدين ووالله لقد رسخ هذا الدين في قلبي وعلمت أنه الحق وسأقاتل في الله كما كنت أقاتل في طاعة الشيطان ووالله لأنصرن هذا الدين حتى ألحق بأخي يوحنا ثم إنه بكى بكاء شديدًا على ما فرط في أمر أخيه.
فقال له أبو عبيدة: قال الله في حق إخوة يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 64] وقال له: إن أخاك في عليين مع الحور العين وأما أنت فساعة أسلمت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك فبكى لذلك وقال: أشهد على المسلمين أني كلما جاهدت وقتلت من المشركين فثوابه في صحيفة أخي يوحنا ولا بد أن أقاتل في سبيل الله وأمحو ما سلف من الفعال.
فقال أبو عبيدة: يا عبد الله دلنا أين نسير.
فقال يوقنا: اعلم أيها الأمير أن حصن عزاز حصن منيع وهو قوي بالرجال والعدد والزاد وفيه ابن عم لي اسمه دراس بن جوفناش وهو ذو شدة وبأس وقوة ومراس جلد في الحرب قوي عند الطعن والضرب وإن أنتم تركتموه ومضيتم إلى نحو أنطاكية أغار على حلب وقنسرين وأذاقهم شرًا.
فقال أبو عبيدة: يا عبد الله قد أنطق الله لسانك بالحق والصواب فما عندك من الحيلة.
.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق