207
فتوح الشام ( للواقدي )
أما رؤياك هذه فإنها للمسلمين بشارة ولعدونا خسارة ثم قال له: اجلس مكانك وأمر أبو عبيدة أن ينادي المسلمين فحضر رؤساء المسلمين وأعيانهم فلما حضروا قال أبو عبيدة: الله أكبر فتح الله ونصر وحبانا بالظفر وخذل من كفر ثم قال: يا معاشر المسلمين اسمعوا رؤيا أخيكم دامس فإنها عبرة لمن اعتبر وموعظة لمن افتكر.
قال فأقبلوا يسمعون له فعندها قام أبو عبيدة على قدميه وقال: الحمد لله وصلى الله على رسوله وسلم ثم قال: يا معاشر الناس إن الله سبحانه وتعالى له الحمد قد وعدنا في كتابه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الغلبة على أعدائنا والظفر بمرادنا وما كان الله ليخلف وعده وإني نذرت إن فتح الله هذه القلعة على يدي أصنع من البر ما استطعت والآن قد هجس في نفسي ووقع في قلبي أنا ظافرون بهذه القلعة ومن فيها إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لأنه قد دلني على ذلك رؤيا هذا الغلام.
ثم قبض بكفه على زند أبي الهول وقال له: رحمك الله حدث إخوانك بما رأيت في منامك فقام دامس قائمًا وقال: اعلموا أني رأيت في منامي كذا وكذا وجعل يقص على الناس رؤياه من أولها إلى آخرها فلما فرغ منها أقبل المسلمون على أبي عبيدة قالوا له: أيها الأمير قد سمعنا قوله وحفظنا شرحه فما تأويل رؤياه.
قال أبو عبيدة: اعلموا رحمكم الله أما الجبل الذي رآه عاليًا شامخًا شديد الامتناع بين الشعاب والقلاع فذلك دين الإسلام بلا شك وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وأما الثعبان الذي رآه وقد منع الناس وقد هجم عليه بسيفه فأمر حسن هو أن يفرج الله على يديه على المسلمين ففرح الناس بتأويل أبي عبيدة.
وقالوا: أيها الأمير فما الذي تأمرنا به فقال: آمركم بتقوى الله سرًا وجهرًا.
ثم المكيدة على الأعداء طوعًا وصبرًا فارجعوا إلى رحالكم حفظكم الله وأصلحوا شأنكم وآلة حربكم وما تحتاجون إليه فإني أقدمكم غداة غد إلى أعاديكم إلى أن يحدث لي رأي غير هذا فإني لست أدع الاجتهاد في الرأي والمشاورة لمن أثق به وبرأيه من المسلمين فقالوا بأجمعهم: وفق رأيك أيها الأمير وظفرك بأعدائك إنه سيمع عليما فقال لما يريد ومضوا إلى رحالهم فجعل هذا يحد سيفه وهذا يصلح آلة حربه وفرسه وهذا يتفقد درعه وهذا قوسه ونشابه وما زالوا كذلك بقية يومهم فلما أصبحوا دعا أبو عبيدة بدامس فقال له: أيها الولد المبارك.
ماذا ترى في أمر هذه القلعة وما عندك من الحيلة فقال دامس: اعلم أيها الأمير أنها قلعة منيعة شامخة حصينة تعجز الوافد وتمنع القاصد في أهلها محاصرة ولا تضيق صدورهم من قتال غير أني أفكر في حيلة أحتالها أو بلية أعملها وأرجو من الله أن يتم ذلك عليهم فيكون تبديدهم ونملك بمشيئة الله ديارهم ونقلع آثارهم فقال أبو عبيدة: يا دامس وما هي فقال: أصلح الله الأمير أنت تعلم ما في إذاعة الأسرار من الشر والإضرار ومن كتم سره كانت فيما لديه ويقال إن دامسًا هذا أول من تكلم بهذه الكلمة فصارت مثلًا فقال أبو عبيدة: فما الذي تشير إليه وما الذي تعتمد عليه.
قال: تزحف بعسكرك وجملة من معك من أصحابك حتى تنزلوا بازاء القلعة ليظهر لهم منك الحرص والهيبة واعلم أن في ذلك عن الحيل ما أرجو من الله أن يتمها إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأمر أبو عبيدة عسكره بالرحيل فارتحلوا ونزلوا تحت القلعة وهللوا وكبروا وأظهروا سلاحهم وأرهبوا أعداء الله تعالى قال فأشرف عليهم الروم ونظروا إلى جمعهم فهأبوهم وألقى الله الرعب في قلوبهم حتى أنهم اضطربوا في قلعتهم وماجوا وجعل كبراؤهم يستشيرون فيما بينهم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق