205
فتوح الشام ( للواقدي )
فأجابهم أهل العسكر بالتكبير من كل جانب واستقبلهم أبو عبيدة وسلم عليهم وسلموا عليه ونزل كل قوم عند بني عمهم وعشيرتهم ويوقنا ما زال في كل ليلة ينشط إليهم برجاله ويناوشهم وذلك أنه كان لا يقاتلهم إلا قليلًا ولا يظهر من القلعة نهارًا أبدًا وكان أكثر خروجه في وقت خروج الناس فلما بات المسلمون القادمون في تلك الليلة ونظرت طيء وشنبس ونبهان وكندة وحضرموت إلى شدة الحرس وعظم حرسهم وحفرهم أقبل دامس أبو الهول على أهله الذين نزل عليهم من طريف وكندة فقال لهم دامس: والله ما أنتم محاصرون لا محالة فقالوا له: وكيف ذلك.
قال: لأن العدو في رأس قلعة وأنتم قدام العدو من الأرض لقربكم ولا عسكر بإزائكم تخافونه فما هذا الخوف.
قالوا: يا أبا الهول إن صاحب هو القلعة علج ميشوم يرتقب غفلتنا ويغير على أطرافنا ويأتينا من مأمننا فبينما دامس يخاطب القوم وإذا بالضجة قد وقعت في طرف عسكر المسلمين ولها جلبة عظيمة فوقف دامس منتضيًا حسامه متنكبًا حجفته وطلب الناحية التي سمع منها الصوت حمى بلغ إليها وإذا بيوقنا في خمسمائة رجل أبطال أنجاد وليوث شداد وقد وجد فرقة من القوم فلما نظر دامس إلى الروم وقع في وسطهم وجعل يقول: ليث هزبر بطل ممارس مدمر كل عدو ناكس قال: وجعل يضرب في أعراضهم بسيفه ومعه طائفة من بني طريف من شجعان وفرسانهم فلما نظر يوقنا ما نزل به تقهقر إلى ورائه وقد قتل من رجاله مائتان ودامس يكر عليهم ويتبعهم إلى رأس لحرب القلعة وكندة من ورائه فناداهم أبو عبيدة: عزيمة مني عليكم أن لا يتبعهم منكم أحد في ظلمة هذا الليل فقال الناس: يا أبا الهول إن الأمير يعزم علينا وعليك بالرجوع فارجع رحمك الله فرجع دامس إلى رحله وتراجع القوم رحالهم وقد أبليت كندة بلاء حسنًا والناس قد خرجوا فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة مع أبي عبيدة فلما قضيت الصلاة تفرقوا ولم يبق إلا نفر يسير من أمراء المسلمين فجعلوا يذكرون ليلتهم.
فقال خالد: أصلح الله الأمير لقد رأيت كندة وقد أبليت بلاء حسنًا وقد تقدمت رجالها وثبتت أبطالها وما زالت تضرب حتى أزالت عنا حامية الكفر والعدو فقال أبو عبيدة: صدقت والله يا أبا سليمان والله لقد أسعدت الناس كندة بثباتها والله لقد سمعتهم يقولون: أحسن دامس وأجاد أبو الهول فقام إلى أبي عبيدة رجل من رؤساء كندة يقال له سراقة بن موداس بن يكرب فقال: أصلح الله الأمير دامس هو أبو الهول وهو مولى ظريف قدم مع هذا الوفد الذي ورد بالأمس وهو رجل يفجر ويهول على الأبطال وبفضح الشجعان ويذل الأقران لا يهوله جمع ولا يصعب عليه غارة فقال أبو عبيدة لخالد: أما تسمع كلام سراقة في عبدهم دامس فقال خالد: يوشك أن يكون صادقًا في قوله ولقد سمعت بذكره وحديثة وشجاعته وبراعته ولقد أخبرني رجل يقال له النعمان بن عشيرة المهري أن دامسًا قد أغار وحده وهم على ساحل البحر في سبعين رجلًا من أهل مهرة وكان دامس هذا يطلبهم لأجل ثأر كان له عند القوم وكانوا يخافون منه ومن شره وبأسه فكانوا مع ذلك يفتدون بأموالهم ودوابهم ويهربون إلى أطراف الجبال وسواحل البحر حذرًا منه وكان مع ذلك يسأل عن أخبارهم ويطلع على آثارهم فلما صح عنده نزولهم على ساحل البحر استصرخ قومه للغزو فتشاغلوا ولم ينفر منهم أحد معه وكان خبيرًا بالبلاد سهلها ووعرها برها وبحرها فلما أيس من قومه دخل إلى خبايته واحتمل رزمة على عاتقه فأتاه أناس من قومه وقالوا له: إلى أين تريد وما هذا الذي معك.
فقال: يا قوم أنا أريد الغارة على بني الشعر وآخذ بالثأر وأكشف العار فقال له مشايخ الحي: ما رأينا أعجب من أمرك وأنمت تعلم أن بني الشعر سبعون فمن يريد أن يغير عليهم وحده ويأخذ منهم بالثأر وما سمعنا بهذا أبدًا وإنا نرى أن تقصد جواد وكانت جواد هذه أمة لبني حياس من الحضارمة وكانت بقرية من قرى حضرموت يقال لها أسفل وكان دامس هذا يهواها وكل ما يأخذه من الأموال والخيل والإبل يدفعه إليها ولا يعظم عليه كثرته وكان لا يرضى لها بالقليل ولا يشبع لها بالكثير فظن القوم أنه مضى إليها وقصد نحوها بحملته التي معه من رزمته فقال لهم: وأيم الله إني بطل فما تظنون.
وسوف تعلمون أن ما أفعله الحق واليقين.
قال: فرجع قومه وتركوه وسار إلى أن أتى إلى مرعى قومه فأخذ راحلته من إبلهم ورحلها وأخذ سيفه وحجفته وجعل الرزمة تحته وسار بقيه يومه وليلته حتى إذا كان آخر الليل عطف بالراحلة إلى بعض الأودية فأبركها وحل رحلها وعقلها ودورها ترعى معقولة ثم كمن بين حجرين وكان قريبًا من القوم ويخاف أن يدوروا به فلما مضى عليه نهاره وأقبل ليله أتى إلى راحلته وأبركها ورحلها واستوى في كورها وسار حتى أشرف على نار القوم فعدل بناقته حتى اشرف على الحي وكان في ذلك الشرف شجر من الطلح فأبراك ناقته وزم شدقها لئلا ترغو فيسمع القوم رغاء.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق