187
فتوح الشام ( للواقدي )
قال الواقدي: وأقام عمر في بيت المقدس عشرة أيام.
قال شهر بن حوشب: سمعت كعب الأحبار يقول: إن عمر بن الخطاب لما صالح أهل بيت المقدس ودخلها أقام فيها عشرة أيام فأقبلت إليه وكنت في قرية من فلسطين وتقدمت إليه لأسلم عليه وأسلم على يديه وذلك أن أبي كان أعلم الناس بما أنزل الله على موسى بن عمران وأنه كان لي محبًا وعلي مشفقًا ولم يكتم علي شيئًا إلا أعلمني إياه مما كان يعلم الناس فلما حضرته الوفاة دعاني إليه وقال لي: يا بني إنك تعلم أني ما ادخرت عنك شيئًا مما كنت أعلمه لأني خشيت أن يخرج بعض هؤلاء الكاذبين وتتبعهم وقد جعلت هاتين الورقتين في هذه الكرة التي ترى فلا تتعرض لهما ولا تنظر فيهما إلى أن تسمع بخبر نبي يبعث في آخر الزمان اسمه محمد فإن يرد الله بك خيرًا فأنت تتبعه ثم مات بعد وصيته إياي.
قال كعب: فدفنته فما كان شيء أحب إلي بعد انقضاء العزاء من النظر في الورقتين وقراءة ما فيهما ففتحهما فإذا فيهما: لا إله إلا الله محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ودار هجرته طيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب أمته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال ألسنتهم رطبة بالتهليل والتكبير وهم منصورون على كل من عاداهم من أعدائهم أجمعين يغسلون وجوههم ويسترون أوساطهم أناجيلهم في صدورهم تراحمهم بينهم تراحم الأنبياء بين الأمم وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.
قال كعب الأحبار: فلما قرأت ذلك قلت في نفسي: وهل علمني أبي شيئًا أعظم من هذا ثم مكثت بعد وفاة والدي ما شاء الله إلى أن بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم الموصوف قد ظهر بمكة وهو يظهر مرة بعد أخرى.
فقلت: هو والله لا محالة ولم أزل أبحث عن أمره حتى قيل إنه خرج وتزل بيثرب فجعلت أترقب أمره حتى غزا غزوات ونصر على أعدائه فتجهزت أريد المسير إليه فبلغني أنه قد قبض صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي.
فقلت في نفسي: لعله ليس الذي كنت أنتظره حتى رأيت في منامي كأن أبواب السماء قد فتحت والملائكة تنزل زمرة بعد زمرة وقائل يقول: قد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي عن أهل الأرض فرجعت إلى دار قومي وجاءنا الخبر أنه تقدم أمته خليفة اسمه أبو بكر فقلت: أقدم عليه فلم ألبث حتى جاءتنا جنوده إلى الشام ثم جاءتنا وفاته ثم قيل إنه استخلف عليهم رجل اسمه عمر.
فقلت: لا أدخل هذا الدين حتى أحققه ولم أزل متوقفًا حتى قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببيت المقدس وصالح أهلها ونظرت إلى وفائهم بعهدهم وما صنع الله بأعدائهم وقلت: إنهم أمة النبي الأمي فحدثت نفسي بالدخول في هذا الدين فوالله إني كنت ذات ليلة على سطحي وإذا أنا برجل من المسلمين يقول {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا } [النساء: 47].
قال كعب: فلما سمعت هذه الآية خفت والله أن لا أصبح حتى يحول وجهي فما كان شيء أحب إلي من الصباح أن يرد فلما أصبحت غدوت من منزلي وسألت عن عمر فقيل لي إنه ببيت المقدس فقصدت إليه وإذا به قد صلى بأصحابه صلاة الفجر عند الصخرة فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: من أنت فقلت له: أنا كعب الأحبار وإنني جئت أريد الإسلام والدخول فيه فإني وجدت صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في الكتب المنزلة وإن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام أني ما خلقت خلقًا أكرم علي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولولاه ما خلقت جنة ولا نارًا ولا سماء ولا أرضًا وأمته خير الأمم ودينه خير الأديان بعثته آخر الزمان أمته مرحومة وهو نبي الرحمة وهو النبي الأمي التهامي القرشي الرحيم بالمؤمنين الشديد على الكافرين سريرته مثل علانيته وقوله لا يخالف فعله القريب والبعيد عنده سواء أصحابه متراحمون متواصلون فقال عمر: أحقًا ما تقول يا كعب.
قال: أي والله والله يسمع ما أقول ويعلم ما تخفي الصدور فقال عمر: الحمد لله الذي أعزنا وأكرمنا وشرفنا ورحمنا برحمته التي وسعت كل شيء وهدانا بمحمد صلى الله عليه وسلم فهل لك يا كعب في الدخول في ديننا.
فقال كعب: يا أمير المؤمنين في كتابكم الذي أنزل إليكم في أمر دينكم ذكر إبراهيم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق