158
فتوح الشام ( للواقدي )
فقال: يا بني إن أحسنت أحسن الله إليك عليك بتقوى الله والصبر فاتق الله حق تقاته وانصر دين الله وشرع نبيه صلى الله عليه وسلم وإياك والجزع فما قضاه ربنا قد أمضاه فاصبر مع أصحابك صبر أولي العزم وإياك ثم إياك أن يراك الله منهزمًا فتبوء بغضب من الله.
قال يزيد: سأصبر جهدي وطاقتي والله أسأله أن يكون معينًا لي وناصرًا.
ثم صاح يزيد برجاله وهز الراية وندبهم إلى القتال وحمل على من يليه من الروم فقاتلوا قتالًا عظيمًا ولم يزالوا حتى نكوا العدو نكاية عظيمة وأبلوا بلاء حسنًا وكان قتالهم من جانب القلب ولم يزالوا كذلك حتى برز إليهم بطريق من البطارقة وبيده رمح عظيم وعليه صليب من الذهب وحوله زهاء من عشرة آلاف فارس من الروم فحملوا على الميمنة وكان فيهم عمرو بن العاص ومن معه فرجعوا على أعقابهم منهزمين حتى دخلت الروم في أوائل عسكر المسلمين مما يلي عمرًا ومن معه وهم يتراجعون على الرجال فيكرون تارة ويرجعون تارة حتى تكاثرت عليهم الروم فكشفوهم حتى ألصقوهم بالتل الذي عليه النساء وأحاطوا بالتل فصاحت امرأة: أين أنصار الدين أين حماة المسلمين وكان الزبير بن العوام جالسًا عند زوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق يداوي عينه وكان أرمد فلما سمع صوت المرأة وهي تنادي: أين أنصار الدين.
قال: يا أسماء ما لهذه المرأة تصيح أين أنصار الدين.
فقالت له عفرة ابنة عثمان: يا ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم انهزمت ميمنة المسلمين حتى ألجأهم الروم إلينا وأحاط بنا الأعلاج وهذه نساء الأنصار مستصرخة بأنصار الدين.
فقال الزبير: والله إني أنا من أنصار الدين ولا يراني الله جالسًا في مثل هذا الوقت.
قال ثم طرح الخرقة عن عينه واستوى جالسًا على متن جواده فأخذ قناته وتسمى باسمه وقال في حملته: أنا الزبير بن العوام أنا ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يطعن فيهم طعنًا متداركًا حتى ردهم على أعقابهم وخيلهم تنكص بأذنابها.
قال ليث بن جابر: فلله در الزبير بن العوام لقد رد الروم بنفسه وحما إذ حمل عليهم وما كان معه من العرب أحد حتى ردهم إلى عسكرهم وتراجعت خيل عمرو ورجاله وهو ينادي: الرجعة الرجعة الحزم الحزم يا أهل الإسلام الصبر الصبر فتراجعوا بعد إدبارهم.
قال الواقدي: وحمل جرجير الأرمني في ثلاثين ألفًا من الأرمن على شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكشف أصحاب شرحبيل بن حسنة ولم يثبت غير لقتال الروم في عصبة من قومه دون الخمسمائة فجعل شرحبيل يحمل على الأرمن وهو يقول: يا أهل الإسلام لا فرار من الموت الصبر الصبر.
قال فتراجع أصحابه إليه وحملوا على الأرمن فردوهم على أعقابهم وجعلوا يضربون فيهم حتى أصابوا من الأرمن مال يصبه الأرمن منهم فرجع شرحبيل إلى مكانه ودار به أصحابه فجعل يعنفهم بالقتال ويقول لهم: ما الذي أصابكم حتى انهزمتم أمام هؤلاء الكفرة وأنتم الحماة البررة وأهل القرآن وعباد الرحمن أما سمعتم قوله عز وجل: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 16]. وقال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111]. وأنتم تهربون.
فقالوا: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم زلة من الشيطان مثل يوم أحد وحنين وها نحن معك فاحمل حتى نحمل معك فجزاهم خيرًا ووقف مكانه وكان موقفه مما يلي سعيد بن زيد وقد لزموا مواقفهم لم يتحركوا التماسًا للحفيظة ونظر قيس بن هبيرة إلى خيل شرحبيل وقد تراجعت فحمل بمن معه ونادى هو وأصحابه بشعارهم وكان شعارهم يا نصر الله انزل يا منصور أمت أمت وكان هذا شعارهم يوم بدر وأحد وحمل خالد بن الوليد بمن معه ذات اليمين وحمل قيس من ذات الشمال فقاتلوهم قتالًا شديدًا ولله در الزبير بن العوام وهاشم بن المرقال وخالد بن الوليد: لقد حملوا حملة عظيمة حتى قربوا من سرادقات ماهان وتواقعت الروم على سرادقات ماهان وخيامه فلما نظر ماهان إلى ذلك نزل عن سريره هاربًا وصاح بالروم وعنفهم فتراجعوا يطلبون القتال وصاح أبو عبيدة بسعيد بن زيد فحمل بمن معه وهو ينادي: لا إله إلا الله يا منصور أمت أمت فأقبلوا يقتلون في الروم قتلًا ذريعًا فبينما المسلمون في حملتهم إذ سمعوا قائلًا يقول: يا نصر الله انزل يا نصر الله اقرب أيها الناس الثبات الثبات.
قال عامر بن أسلم: فتأملنا الصارخ فإذا هو أبو سفيان وتحت رايته ابنه يزيد.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق