إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 20 فبراير 2015

3142 تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون ) من تاريخ العلامة ابن خلدون المجلد السابع القسم الأول صفحة 3 -150 أولاد منديل الخبر عن أولاد منديل من الطبقة الثانية وما أعادوا لقومهم من مغراوة من الملك بموطنهم الأول من شلف وما إليه من نواحي المغرب الأوسط



3142

تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
  
من تاريخ العلامة ابن خلدون
  
المجلد السابع

القسم الأول

صفحة 3  -150


أولاد منديل

الخبر عن أولاد منديل من الطبقة الثانية وما أعادوا

لقومهم من مغراوة من الملك بموطنهم الأول من

شلف وما إليه من نواحي المغرب الأوسط

لما ذهب الملك عن مغراوة بانقراض ملوكهم آل خزر، واضمحلت دولهم بتلمسان وسجلماسة وفاس وطرابلس وبقية قبائل مغراوة متفرقة في مواطنهم الأولى بنواحي المغربين وإفريقية والصحراء والتلول، والكثير منهم بعنصرهم ومركزهم الأول بوطن



شلف وما إليه، فكان به بنو ورسيفان وبنو ورتزمان وبنو أيليت، ويقال إنهم من ورتزمان، وبنو سعيد وبنو زجاك وبنو سنجاس، وربما يقال إنهم من زناتة وليسوا من مغراوة وكان بنو خزرون الملوك بطرابلس لما انقرض أمرهم، وافترقوا في البلاد، لحق منهم عبد الصمد بن محمد بن خزرون بجبل أوراس فرارا من أهل بيته هنالك، الذين استولوا على الأمر وجده خزرون بن خليفة هو السادس من ملوكهم بطرابلس، فأقام بجبل اوراس مدة، ثم انتقل إلى زواوة، فأقام بينهم أعواما. ثم ارتحل عنهم، فنزل على بقايا قومه مغراوة بشلف من بني ورسيفان وبني ورتزمين وبني بو سعيد وغيرهم، فتلقوه بالمبرة والكرامة، وأوجبوا له حق البيت الذي ينتسب إليه. وأصهر إليهم، فأنكحوه وكثر ولده وعرفوا بينهم ببني محمد، ثم بالخزرية نسبة إلى سلفه الأول. وكان من ولده الملقب أبو ناس بن عبد الصمد بن وارجيع بن عبد الصمد، وكان منتحلا للعبادة والخيرية، وأصهر إليه بعض ولد ماخوخ ملوك بني ومانوا بابنته، فأنكحه إياها، فعظم أمره عندهم بقومه ونسبه وصهره. وجاءت دولة الموحدين على إثر ذلك، فرمقوه بعين التجلة لما كان عليه من طرق الخير، فأقطعوه بوادي شلف، وأقام على ذلك. وكان له من الولد وارجيع وهو كبيرهم، وعزيز ويغريان وماكور، ومن بنت ابن ماخوخ عبد الرحمن، وكان أجلهم شأنا عنده وعند قومه عبد الرحمن هذا، لما يوجبون له بولادة ماخوخ لأمه، ويتفرسون فيه أن له ولعقبه ملكا.

ويزعمون أنه لما ولد خرجت به أمه إلى الصحراء فألقته إلى شجرة، وذهبت في بعض حاجتها، فأطاف به يعسوب من النحل متواقعين عليه. وبصرت به على البعد، فجاءت تعدو لما أدركها من الشفقة، وقال لها بعض العرافين احتفظي عليه، فوالله ليكونن له شأن. ونشأ عبد الرحمن هذا في حق هذه التجلة مدلا بنسبه وبأسه. وكثر عشيره من بني أبيه، واعصوصب عليه قبائل مغراوة، فكان له بذلك شوكة، وفي دولة الموحدين تقدمة، لما كان يوجب لهم عيى نفسه من الانحياش والمخالطة والتقدم في مذاهب الطاعة. وكان السادة منهم يمرون به في غزواتهم إلى إفريقية ذاهبين وراجعين، فينزلون منه خير نزل، وهم ينقلبون بحمده والشكر لمذهبه،



فيزيد خلفاؤهم اغتباطا به. وأدرك بعض السادة وهو بأرض قومه الخبر بمهلك الخليفة بمراكش، فخلف الذخيرة والظهر، أسلمها إلى عبد الرحمن هذا، فنجا بدمائه بعد أن صحبه إلى تخم وطنه، فكانت له فيها ثروة أكسبته قوة وكثرة، فاستركب من قومه، واستكثر من عصابته وعشيره. وهلك خلال ذلك، وقد فشل ريح بني عبد المؤمن، وضعف أمر الخلافة بمراكش.

وكان له من الولد منديل وتهيم، وكان أكبرهما منديل، فقام بأمر قومه على حين عصفت رياح الفتنة، وأجلب ابن غانية على أعمال المغرب الأوسط. وسما لمنديل أمل في التغلب على ما يليه فاستأسد في عرينه، وحمى عن أشباله. ثم فسح خطوته إلى ما جاوره من البلاد، فملك جبل وانشريش والمرية وما إلى ذلك، واختط قصبة مرات. وكان بسيط متيجة لهذا العهد مستبحرا بالعمران آهلا بالقرى والأمصار.

ونقل الإخباريون أن أهل متيجة لذلك العهد كانوا يجمعون في ثلاثين مصراً؛ فجاس خلالها، وأوطأ الغارات ساحتها وخرب عمرانها حتى تركها خاوية على عروشها. وهو في ذلك يوهم التمسك بطاعة الموحدين، وأنه سلم لمن سالمهم، وحرب على من عاداهم. وكان ابن غانية منذ غلبه الموحدون على إفريقية قد أزاحوه إلى قابس وما إليها، ونزل الشيخ أبو محمد بن أبي حفص بتونس، فدفعه عن إفريقية إلى أن هلك سنة ثمان عشرة؛ فطمع يحيى بن غانية في استرجاع أمره، وأسف إلى الثغور والأمصار يعيث فيها ويخربها، ثم تجاوز إفريقية إلى بلاد زناتة، وشن عليها الغارات واكتسح ا البسائط، وتكررت الوقائع بينه وبينهم. وجمع له منديل بن عبد الرحمن، ولقيه بمتيجة، وكانت الدبرة عليه، وانفضت عنه مغراوة، فقتله ابن غانية صبرا سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين. وتغلب على الجزائر إثر نكبته، فصلب بها شلوه، وصيره مثلا للآخرين. وقام بأمره في قومه بنوه، وكانوا نجباء فكان لهم العدة والشرف، وكانوا يرجعون في أمرهم إلى كبيرهم العباس، فتقبل مذاهب أبيه وأقصر عن بلاد متيجة.

ثم غلبهم بنو توجين على جبل وانشريش وضواحي المرية وما إلى ذلك. وانقبضوا

إلى مراكزهم الأولى بشلف، وأقاموا بها ملكاً بدويا لم يفارقوا فيه الظعن والخيام والضواحي والبسائط. واستولوا على مدينة مليانة وتنس وبرشك وشرشال



مقيمين فيها الدعوة الحفصية، واختطوا قرية مازونة.

ولما استوسق الملك بتلمسان ليغمراسن بن زيان، واستفحل سلطانه بها، وعقد له عليها ولأخيه من قبله بنو عبد المؤمن، سما إلى التغلب على أمصار المغرب الأوسط، وزاحم بني توجين وبني منديل هؤلاء بمناكبه، فلفتوا وجوههم جميعا إلى الأمير أبي زكريا بن أبي حفص مديل الدولة بإفريقية من آل عبد المؤمن، وبعثوا إليه الصريخ على يغمراسن، فاحتشد لها جموع الموحدين والعرب، وغزا تلمسان وافتتحها كما ذكرناه.

ولما قفل إلى الحضرة عقد مرجعه لأمراء زناتة كل على قومه ووطنه: فعقد للعباس بن منديل على مغراوة، ولعبد القوي على توجين ولأولاد حبورة على ملكيش، وسوغ لهم اتخاذ الآلة فاتخذوها بمشهد منه. وعقد العباس السلم مع يغمراسن، ووفد عليه بتلمسان فلقاه مبرة وتكريما، وذهب عنه بعدها مغاضباً. يقال إنه تحدث بمجلسه يوما، فزعم أنه رأى فارسا واحدا يقاتل مايتين من الفرسان، فنكر ذلك من سمعه من بني عبد الواد، وعرضوا تكذيبه، فخرج العباس لها مغاضبا حتى أتى قومه، وأتى يغمراسن مصداق قوله، فإنه كان يعني بذلك الفارس نفسه.

وهلك العباس لخمس وعشرين سنة من بعد أبيه سنة سبع وأربعين، وقام بالأمر بعده أخوه محمد بن منديل، وصلحت الحال بينه وبين يغمراسن وصاروا إلى الاتفاق والمهادنة. ونفر معه بقومه مغراوة إلى غزو المغرب سنة كلدمان، وهي سنة سبع وأربعين وستماية، وهزمهم فيها يعقوب بن عبد الحق، فرجعوا إلى أوطانهم، وعاودوا شأنهم في العداوة. وانتقض عليهم أهل مليانة وخلعوا الطاعة الحفصية. وكان من خبر هذا الانتقاض أن أبا العباس أحمد الملياني كان كبير وقته علما ودينا ورواية، وكان عالي السند في الحديث، فرحل إليه بالأعلام، وأخذ عنه الأئمة، وأوفت به الشهرة على ثنايا السيادة، فانتهت إليه رياسة بلده على عهد يعقوب المنصور وبنيه. ونشأ ابنه أبو علي في جو هذه العناية، وكان جموحا للرياسة طامحا إلى الاستبداد، وهو مع ذلك خلو من المغارم. فلما هلك أبوه جرى في شاو رئاسته طلقا، ثم رأى ما بين مغراوة وبني عبد الواد من الفتنة، فحدثته نفسه بالاستبداد ببلده، فجمع لها



جراميزه، وقطع الدعاء للخليفة المستنصر سنة تسع وخمسين. وبلغ الخبر إلى تونس، فسرح الخليفة أخاه أبا حفص في عسكر من الموحدين في جملته "دون الريك بن هراندة" من آل أذفونشر ملوك الجلالقة، وكان نازعا إليه عن أبيه في طائفة من قومه، فنازلوا مليانة أياما. وداخل السلطان طائفة مر مشيخة البلد المنحرفين عن أبي علي الملياني، فسرب إليهم جندا بالليل، وافتحموها من بعض المداخل، وفر أبو علي الملياني تحت الليل. وخرج من بعض قنوات البلد، فلحق بأحياء العرب، ونزل على يعقوب بن موسى أمير العطاف من بطون زغبة، فأجاره إلى أن لحق بعدها بيعقوب بن عبد الحق، فكان من أمره ما ذكرناه في أخبارهم. وانصرف عسكر الموحدين والأمير أبو حفص إلى الحضرة، وعقدوا لمحمد بن منديل على مليانة، فأقام فيها الدعوة الحفصية على سنن قومه. ثم هلك محمد بن منديل سنة اثنتين وستين لخمس عشرة من ولايته، قتله أخواه ثابت وعياد بمنزل ظواعنهم بالخميس من بسيط بلادهم، وقتل معه عطية ابن أخيه منيف. وشاركه ثابت في الأمر واجتمع إليه قومه، وتقطع بين أولاد منديل، وخشنت صدورهم. واستغلظ يغمراسن بن زيان عليهم، وداخله عمر بن منديل أخوهم في أن يمكنه من مليانة، ويشد عضده على رياسة قومه، فشارطه على ذلك وأمكنه من أزمة البلد سنة ثمان وستين، ونادى بعزل ثابت ومؤازرة عمر عمى الأمر، فتم لهما ما أحكماه من أمرهما في مغراوة. واستمكن بها يغمراسن من قياد قومه. ثم تناغى أولاد منديل في الازدلاف إلى يغمراسن بمثلها نكاية لعمر، فاتفق ثابت وعايد أولاد منديل على أن يحكماه في تنس، فأمكناه منها سنة اثنتين وسبعين على اثني عشر ألفا من الذهب.

واستمرت ولاية عمر إلى أن هلك لحنة ست وسبعين، فاستقل ثابت بن منديل برياسة مغراوة، وأجاز عايد أخوه إلى الأندلس للرباط والجهاد مع صاحبه زيان بن محمد بن عبد القوي، وعبد الملك بن يغمراسن فحول زناتة واسترجع ثابت بلاد تنس ومليانة من يد يغمراسن، ونبذ إليه العهد. ثم استغلظ يغمراسن عليهم واسترد تنس سنة إحدى وثمانين بين يدي مهلكه.



ولما هلك يغمراسن وقام بالأمر ابنه عثمان انتقضت عليه تنس؛ ثم ردد الغزو إلى بلاد توجين ومغراوة حتى غلبهم آخرا على ما بأيديهم، وملك المرية بمداخلة بني لمدية أهلها سنة سبع وثمانين.

وغلب ثابت بن منديل على مازونة، فاستولى عليها، ثم نزل له عن تنس أيضاً فملكها. ولم يزل عثمان مراغماً لهم إلى أن زحف إليهم سنة ثلاث وتسعين، فاستولى على أمصارهم وضواحيهم، وأخرجهم عنها، وألجأهم إلى الجبال. ودخل ثابت بن منديل إلى برشك ممانعا دونها، فزحف إليه عثمان وحاصره بها، حتى إذا استيقن أنه احيط به، ركب البحر إلى المغرب، ونزل على يوسف بن يعقوب سلطان بني مرين صريخا سنة أربع وتسعين، فأكرمه ووعده بالنصرة من عدوه، وأقام بفاس. وكانت بينه وبين ابن الأشهب من رجالات بني عسكر صحابة ومداخلة، فجاء بعض الأيام إلى منزله، ودخل عليه من غير استئذان؟ وكان ابن الأشهب تملا، فسطا به وقتله. وثار السلطان به منه، وانفجع لموته. وكان ثابت بن منديل قد أقام ابنه محمدا للأمر في قومه، وولاه عليهم لعهده، واستبد بملك مغراوة دونه، ولما انصرف أبوه ثابت إلى المغرب أقام هو بأمارته على مغراوة. وهلك قريبا من مهلك أبيه، فقام بأمرهم من بعده شقيقه علي. ونازعه الأمر أخواه رحمون ومنيف، فقتله منيف، ونكر ذلك هو منهم، وأبوا من أمارتهما علبهم، فلحقا بعثمان بن يغمراسن، فأجازهما إلى الأندلس. وكان أخوهما معمر بن ثابت قائدا على الغزاة بالبغيرة فنزل لمنيف عنها، فكانت أول ولاية وليها بالأندلس. ولحق بهم أخوهم عبد المؤمن، فكانوا جميعا هنالك. ومن أعقاب عبد المؤمن يعقوب بن زيان بن عبد المؤمن، ومن أعقاب منيف بن عمر بن منيف، وجماعة منهم هم لهذا العهد بوطن الأندلس. ولما هلك ثابت بن منديل سنة أربع وتسعين كما قلناه، كفل السلطان ولده "وأهله، وكان فيهم حافده راشد بن محمد، فأصهر إليه في أخته فأنكحه إياها.

ونهض إلى تلمسان سنة ثمان وتسعين، فأناخ عليها واختط مدينة لحصارها



وسرح عساكر في نواحيها. وعقد على مغراوة وشلف لعمر بن ويغرن بن منديل، وبعث معه جيشا فافتتح مليانة وتنس ومازونة سنة تسع وتسعين، ووجد راشد في نفسه إذ لم يوليه على قومه، وكان يرى أنه الأحق بنسبه وصهره، فنزع عن السلطان، ولحق بجبال متيجة، ودس إلى أوليائه في مغراوة حتى وجد فيهم الدخلة، فأغذ السير ولحق بهم، فافترق أمر مغراوة. وداخل أهل مازونة، فانتقضوا على السلطان وبيت عمر بن ويغرن بأزمور من ضواحي بلادهم فقتله. واجتمع عليه قومه، وسرح السلطان إليه الكتائب من بني عسكر لنظر الحسن بن علي بن أبي الطلاق، ومن بني ورتاجن لنظر علي بن محمد الخيري، ومن بني توجين لنظر أبي بكر بن إبراهيم بن عبد القوي، ومن الجند لنظر علي بن حسان الصبحي من صنائعه. وعقد على مغراوة لمحمد بن عمر بن منديل، وزحفوا إلى مازونة، وقد ضبطها راشد، وخلف عليها عليا وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت. ولحق هو ببني بو سعيد مطلا عليهم وأناخت العساكر بمازونة، ووالوا عليها الحصار سنتين حتى أجهدوهم. وبعث علي بن يحيى أخاه حمو إلى السلطان من غير عهد، فتقبض عليه. ثم اضطره الجهد إلى مركب الغرور، فخرج إليهم ملقيا بيده سنة ثلاث. وأشخصه إلى السلطان فعفا عنه، واستبقاه، واحتسبهما تأنيسا واستمالة لراشد.

ثم سرح العساكر إلى قاصية الشرق لنظر أخيه أبي يحيى بن يعقوب، فنازل راشد بن محمد في معقل بني بو سعيد، وطال حصاره إياه، وأمكنته الغرة بعض الأيام في العساكر، وقد تعلقوا بأوعار الجبل زاحفين إليه، فهزمهم. وهلك في تلك الواقعة خلق حن بني مرين وعساكر السلطان، وذلك سنة أربع وسبعماية. وبلغ الخبر إلى السلطان، فأحفظه ذلك عليهم، وأمر بابن عمه علي بن يحيى وأخيه حمو ومن معهم من قومهم، فقتلوا رشقا بالسهام واستلحمهم.



ثم سرح أخاه أبا يحيى بن يعقوب ثانية سنة أربع، فاستولى على بلاد مغراوة، ولحق راشد بجبال صنهاجة من متيجة، ومعه عفه منيف بن ثابت، ومن اجتمع إليهم من الثعالبة، فنازلهم أبو يحنى بن يعقوب. وراسل راشد يوسف بن يعقوب فانعقدت بينهما السلم، ورجعت العساكر عنهم. وأجاز منيف بن ثابت مع بنيه وعشيرته إلى الأندلس، فاستقروا هنالك آخر الأيام. ولما هلك يوسف بن يعقوب بمناخه على تلمسان آخر سنة ست، وانعقدت السلم بين حافده أبي ثابت، وبين أبي زيان بن عثمان سلطان بني عبد الواد على أن يخلي له بنو مرين عن جميع ما ملكوه من أمصارهم وأعمالهم وثغورهم، وبعثوا في حاميتهم وعمالهم وأسلموها لعمال أبي زيان. وكان راشد قد طمع في استرجاع بلاده، وزحف إلى مليانة فأحاط بها. فلما نزل عنها بنو مرين لأبي زيان وصارت مليانة وتنس له، أخفق سعي راشد وأفرج عن البلد.

ثم كان مهلك أبي زيان قريبا، وولى أخوه أبو حمو موسى بن عثمان. واستولى على المغرب الأوسط، فملك تافر كينت سنة سبع، وملك بعدها مليانة والمرية، ثم ملك ننس وعقد عليها لمسامح مولاه، وقارن ذلك حركة صاحب بجاية السلطان أبي البقاء خالد ابن مولانا الأمير أبي زكرياء ابن السلطان أبي إسحاق إلى متيجة لاسترجاع الجزائر من بد ابن علان الثائر عليهم، فلقيه هنالك راشد بن محمد، وصار في جملته، وظاهره على شأنه. ولقاه السلطان تكرمة وبرأ، وعقد له ولقومه حلفا مع صنهاجة أولياء الدولة والمتغلبين على ضاحية بجاية وجبال زواوة، فاتصلت يد راشد بيد زعيمهم يعقوب بن خلوف أحد وزراء الدولة.

ولما نهض السلطان خالد للاستئثار بملك الحضرة تونس استعمل يعقوب بن خلوف على بجاية، وعسكر راشد معه بقومه، وأبلى في الحروب بين يديه وأغنى في مظاهرة أوليائه، حتى إذا ملك حضرتهم، واستولى على تراث سلفهم، أسف حاجب الدولة راشد هذا وقومه بإمضاء الحكم في بعض حشمه، تعرض للخرابة في السابلة فنقبض عليه، ورفع إلى سدة السلطان، فأمضى فيه حكم الله. وذهب راشد مغاضبا، ولحق بوليه ابن خلوف ومضطر به من زواوة. وكان يعقوب بن خلوف قد هلك، وولى السلطان مكانه  

ابنه عبد الرحمن، فلم يرع حق أبيه في إكرام صديقه راشد. وتشاجر معه في بعض الأيام مشاجرة نكر عبد الرحمن فيها ملاحاة راشد له، وأنف منها، وأدل فيها راشد بمكانه من الدولة وببأس قومه، فلذعه بالقول، وتناوله عبد الرحمن وحشمه وخزاً  بالرماح إلى أن أقعصوه. وانذعر جميع مغراوة، ولحقوا بالثغور القاصية، فأقفر منهم شلف وما إليه كأن لم يكونوا به. وأجاز منهم بنو منيف وبنو ويغرن إلى الأندلس للمرابطة بثغور المسلمين، فكانت منهم حامية موطنة هنالك أعقابهم لهذا العهد. وأقام في جوار الموحدين فل آخر من أوساط قومهم كانوا شوكة في عساكر الدولة إلى أن انقرضوا. ولحق علي بن راشد طفلا بعمته في قصر بني يعقوب بن عبد الحق فكفلته، وصار أولاد منديل عصبا إلى وطن بني مرين، فتولوهم وأحسنوا جوارهم، وأصهروا إليهم سائر الدولة، إلى أن تغلب السلطان أبو الحسن على المغرب الأوسط ومحا دولة آل زيان، وجمع كلمة زناتة، وانتظم مع بلادهم بلاد إفريقية وعمل الموحدين، وكانت نكبته على القيروان صدر سنة تسع وأربعين كما شرحناه قبل.

وانتقضت العمالات والأطراف، وانتزى أعياص الملك بمواطنهم الأولى، فتوثب علي بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل على بلاد شلف، وتملكها وتغلب على أمصارها: مليانة وتنس وبرشك وشرشال، وأعاد ما كان لسلفه فيها من الملك على طريقتهم البدوية، وأرهفوا حدهم لمن طالبهم من القبائل. وخلص السلطان أبو الحسن من ورطته بإفريقية، ثم من ورطة البحر بمرسى بجاية إلى الجزائر يحاول استرجاع ملكه المفترق، فبعث إلى علي بن راشد وذكره ذمته فتذكر وحن، واشترط لنفسه التجافي عن ملك قومه بشلف، على أن يظاهره على بني عبد الواد فأبى السلطان أبو الحسن من اشتراط ذلك له، فتحيز عنه إلى فيئة بني عبد الواد الناجمين بتلمسان كما ذكرناه قبل، وظاهرهم عليه. وبرز إليهم السلطان أبو الحسن من الجزائر، والتقى الجمعان بشربوبة سنة إحدى وخمسين، فاختل مصاف السلطان أبي الحسن، وانهزم جمعه، وهلك ابنه الناصر، طاح دمه في مغراوة هؤلاء. وخرج إلى الصحراء ولحق منها بالمغرب الأقصى كما نذكره بعد. وتطاول الناجمون بتلمسان من آل يغمراسن إلى انتظام بلاد مغراوة في ملكهم كما كان



لسلفهم؛ فنهض إليهم بعساكر بني عبد الواد رديف سلطانهم وأخوه أبو ثابت الزعيم بن عبد الرحمن بن يغمراسن فأوطأ قومه بلاد مغراوة سنة اثنتين وخمسين، وفل جموعهم، وغلبهم على الضاحية والأمصار. وأحجر علي بن راشد بتنس في شرذمة من قومه، وأناخ بعساكره عليه وطال الحصار ووقع الغلب. ولما رأى علي بن راشد أن قد احيط به دخل إلى زاوية من زوايا قصره، وانتبذ فيها عن الناس، وذبح نفسه بحد حسامه وصار مثلا وحديثا للأخرين. واقتحم البلد لحينه، واستلحم من عثر عليه من مغراوة، ونجا الآخرون إلى أطراف الأرض، ولحقوا بأهل الدول، فاستركبوا واستلحقوا وصاروا جندا للدول، وحشما واتباعا، وانقرض أمرهم من بلاد شلف.

ثم كانت لبني مرين الكرة الثانية إلى تلمسان، وغلبوا آل زيان، ومحوا آثارهم. ثم فاء ظلهم بملك السلطان أبي عنان، وحسر تيارهم. وجدد الناجمون من آل يغمراسن دولة ثالثة بمكان عملهم على يد أبي حمو الأخير ابن موسى بن يوسف كما نذكره في أخبارهم. ثم كانت لبني مرين الكرة الثالثة إلى بلد تلمسان ونهض السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن إليها فاتح سنة اثنتين وسبعين، وسرح عساكره في أتباع أبي حمو الناجم بها من آل يغمراسن حين فر أمامه في قومه وأشياعه من العرب كما يأتي ذلك كله. ولما انتهت العساكر إلى البطحاء تلوموا هنالك أياما لإزاحة عللهم. وكان في جملتهم صبي من ولد علي بن راشد الذبيح اسمه حمزة، ربي يتيما في حجر دولتهم لذمام الصهر الذي لقومه فيهم، فكفلته نعمتهم وكنفه جوهم، حتى شب واستوى وسخط رزقه في ديوانهم وحاله بين ولدانهم. واعترض بعض الأيام قائد الجيوش الوزير أبا بكر بن غازي شاكيا، فجبهه وأساء رده، فركب الليل، ولحق بمعقل بني بو سعيد من بلد شلف، فأجاروه ومنعوه، ونادى بدعوة قومه فأجابوه. وسرح إليهم السلطان عبد العزيز وزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة كبير تيربيغين في جيش كثيف من بني مرين والجند، فنزل بساحة ذلك الجبل، فحاصرهم حولا كريتا ينال منهم وينالون منه وامتنعوا عليه وانهم السلطان وزيره بالمداهنة، وسعى به منافسوه، فتقبض عليه، وسرح وزيره الأخر أبا بكر بن غازي، فنهض يجر العساكر الضخمة والجيوش الكثيفة إلى أن نزل



بهم وصبجهم القتال، فقذف الله في قلوبهم الرعب وأنزلهم من معقلهم. وفر حمزة بن علي في فل من قومه، فلحق ببلاد خصين المنتقضين كانوا على الدولة مع أبي زيان بن أبي سعيد الناجم من آل يغمراسن حسبما نذكر. وأتى بنو أبي سعيد طاعتهم، وأخلصوا الضمائر في مغيبهم، وحسن موقعها. وبدا لحمزة في الرجوع إليهم، فأغذ السير في لمة من قومه، حتى إذا ألم بهم نكروه لمكان ما اعتقلوا به صت حبل الطاعة، فتسهل إلى البسائط وقصد تيمزوغت يظز بها غرة ينتهزها. وبرزت إليه حاميتها ففلوا حده وردوه على عقبه، وتسابقوا في أتباعه إلى أن تقبضوا عليه، وقادوه إلى الوزير ابن غازي بن الكاس.

فأوعز إليه السلطان بقتله في جملة أصحابه، فضرب أعناقهم، وبعث بها إلى سدة السلطان. وصلب أشلاءهم على خشب مسندة نصبها لهم ظاهر مليانة، وامحى أثر مغراوة، وانقرض أمرهم، وأصبحوا خولا للأمراء، وجندا في الدول، وأوزاعا في الأقطار كما كانوا قبل هذه الدولة الأخيرة لهم. والبقاء لله وحده، وكل شيء هالك إلا وجهه.






يتبع 

يارب الموضوع يعجبكم 
تسلموا ودمتم بود 
عاشق الوطن 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق