3143
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد السابع
القسم الأول
صفحة 3 -150
دولة بني عبد الواد
الخبر عن دولة بني عبد الواد من هذه الطبقة الثانية
وما كان لهم بتلمسان وبلاد المغرب الأوسط
من الملك والسلطان وكيف كان
مبدأ أمرهم ومصائر أحوالهم
قد تقدم لنا في أول هذه الطبقة الثانية من زناتة ذكر بني عبد الواد هؤلاء، وأنهم من ولد بادين بن محمد إخوة توجين ومصاب وزردال وبني راشد، وأن نسبهم يرتفع إلى زحيك بن واسين بن ورشيك بن جانا، وذكرنا كيف كانت حالهم قبل الملك في مواطنهم تلك. وكان إخوانهم بمصاب وجبل راشد وفيكيك وملوية، ووصفنا من حال فتنتهم مع بني مرين إخوانهم المجتمعين معهم بالنسب في زحيك بن واسين.
ولم يزل بنو عبد الواد هؤلاء بمواطنهم تلك، وكان إخوانهم بنو راشد وبنو زردال وبنو مصاب منجدين إليهم بالنسب والحلف، وبنو توجين منابذين لهم أكثر أزمانهم، ولم يزالوا جميعا متغلبين على ضاحية المغرب الأوسط عامة الأزمان، وكانوا تبعا فيه لبني ومانوا وبني يلومي حين كان لهم التغلب فيه. وربما يقال إن شيخهم لذلك العهد كان يعرف بيوسف بن تكفا، حتى إذا نزل عبد المؤمن والموحدون نواحي تلمسان، وسارت عساكرهم إلى بلاد زناتة تحت راية الشيخ أبي حفص، فأوقعوا بهم كما ذكرناه، حسنت بعد ذلك طاعة بني عبد الواد وانحياشهم إلى الموحدين، وكانت بطونهم وشعوبهم كثيرة أظهرها فيما يذكرون ستة: بنو ياتكين وبنو وللو وبنو ورصطف ومصموحة وبنو تومرت وبنو القاسم. ويقولون بلسانهم ايت القاسم، وايت حرف الإضافة النسبية عندهم. ويزعم بنو القاسم هؤلاء أنهم من ولد القاسم بن إدريس. وربما قالوا في هذا القاسم أنه ابن محمد بن إدريس أو ابن محمد بن عبد الله أو ابن محمد بن القاسم، وكلهم من أعقاب إدريس، مزعماً لا مستند له إلا اتفاق بني القاسم هؤلاء عليه، مع أن البادية بعداء عن معرفة مثل هذه الأنساب. والله أعلم بصحة ذلك.
وقد قال يغمراسن بن زيان أبو ملوكهم لهذا العهد لما رفع نسبهم إلى إدريس كما يذكرونه، فقال برطانتهم ما معناه: إن كان هذا صحيحا فينفعنا عند الله. وأما الدنيا فإنما نلناها بسيوفنا. ولم تزل رياسة بني عبد الواد في بني القاسم لشدة شوكتهم، واعتزاز
عصبتهم، وكانوا بطونا كثيرة: فمنهم بنو يكنيمن بن القاسم. وكان منهم ويغرن بن مسعود بن يكنيمن وأخواه يكنيمن وعمر، وكان أيضا أعدوي بن يكنيمن الأكبر، ويقال الأصغر. ومنهم أيضا عبد الحق بن منغفاد من ولد ويغرن. وكانت الرياسة عليهم لعهد عبد المؤمن لعبد الحق بن منغفاد واعدوى بن يكنيمن. وعبد الحق بن منغفاد هو الذي استنفد الغنائم من يد بني مرين، وقتل المخضب بمسوف حين بعثه عبد المؤمن مع الموحدين لذلك. والمؤرخون يقولون عبد الحق بن معاد بميم وعين مهملة مفتوحتين وألف بعدها دال؟ وهو غلط، وليس هذا اللفظ بهذا الضبط من لغة زناتة، وإنما هو تصحيف منغفاد بميم ونون بعدها مفتوحتين، وغين بعدهما معجمة ساكنة وفاء مفتوحة، والله أعلم.
ومن بطون بني القاسم بنو مطهر بن يمل بن يزكن بن القاسم. وكان حمامة بن مطهر من شيوخهم لعهد عبد المؤمن، وأبلى في حروب زناتة مع الموحدين، ثم حست طاعته وانحياشه ومن بطون بني القاسم أيضا بنو علي؛ وإليهم انتهت رياستهم، وهم أشدهم عصبية وأكثرهم جمعا، وهم أربعة أفخاذ: بنو طاع الله وبنو دلول وبنو كمي وبنو معطي بن جوهر، والأربعة بنو علي. ونصاب الرياسة في بني طاع الله لبني محمد بن زكدان بن تيدوكسن بن طاع الله. هذا ملخص الكلام في نسبهم.
ولما ملك الموحدون بلاد المغرب الأوسط وبلوا من طاعتهم وأنحياشهم ما كان سببا لاستخلاصهم؛ فأقطعوهم عامة بلاد بني يلومي وبني ومانوا، وأقاموا بتلك المواطن، وحدثت الفتنة بين بني طاع الله وبني كمي إلى أن قتل كندوز سن بني كمي زيان بن ثابت كبير بني محمد بن زكدان وشيخهم. وقام بأمرهم بعده جابر ابن عمه يوسف بن محمد؟ فثار من كندوز بزيان ابن عمه، وقتله به في بعض أيامهم وحروبهم.
ويقال قتله غيلة، وبعث برأسه ورؤوس أصحابه إلى يغمراسن بن زيان بن ثابت، فنصبت عليها القدور أثافي شفاية لنفوسهم من شأن أبيه زيان.
وافترق بنو كفي، وفر بهم عبدالله ن كندوز كبيرهم، فلحقوا بتونس. ونزل على الأمير أبي زكرياء كما سنذكره بعد. واستبد جابر بن يوسف بن محمد برياسة بني عبد الواد. وأقام هذا الحي من بني عبد الواد بضواحي المغرب الأوسط، حتى إذا فشل ريح بني عبد المؤمن، وانتزى يحيى بن غانية على جهات قابس وطرابلس، وردد الغزو والغارات على بسائط إفريقية والمغرب الأوسط فاكتسحها وعاث فيها، وكبس الأمصار فاقتحمها، وانتهب بلاد زناتة، وقتل أمراءهم ، ودخل تلمسان ووهران واستباحهما وغيرهما من بلاد المغرب الأوسط، وألح على تاهرت بالغارة وإفساد السابلة وانتهاب الزرع، وحطم النعم، إلى أن خربت وعفى رسمها لسني الثلاثين من الماية السابعة. وكانت تلمسان لذلك العهد نزلا للحامية ومناخا للسيد من القرابة الذي يضم نثرها، وبذب عن أنحائها. وكان المأمون استعمل على تلمسان أخاه السيد أبا سعيد، وكان غفلا ضعيف التدبير. وغلب الحسن بن حبون من مشيخة قومه كومية، وكان عاملا على الوطن، وكانت في نفسه من بني عبد الواد ضغائن جرها ما كان حدث لهم من التغلب على الضاحية وأهلها، فأغرى السيد أبا سعيد بجماعة مشيخة منهم وفدوا عليه، فتقبض عليهم واعتقلهم.
وكان في حامية تلمسان لمة من بقايا لمتونة تجافت الدولة عنهم، وأثبتهم عبد المؤمن في الديوان، وجعلهم مع الحامية. وكان زعيمهم في ذلك العهد إبراهيم بن إسماعيل بن علان، وشفع عندهم في المشيخة المعتقلين من بني عبد الواد، فردوه فغضب وحمى أنفه، وأجمع الانتقاض والقيام بدعوة ابن غانية، فجدد ملك المرابطين من قومه بقاصية الشرق، فاغتار الحسن بن حبون لحينه، وتقبض على السيد أبي سعيد، وأطلق المشيخة من بني عبد الواد، ونقض طاعة المأمون، وذلك سنة أربع وعشرين. فطير الخبر إلى ابن غانية فأغذ إليه السير. ثم بدا له في أمر بني عبد الواد، ورأى أن ملاك أمره في خضد شوكتهم وخفض جناحهم، فحدث نفسه بالفتك بمشيختهم، ومكر بهم في دعوة واعدهم لها. وفطن لتدبير ذلك جابر بن يوسف شيخ بني عبد الواد، فواعده اللقاء والمؤازرة، وطوى له على النث، وخرج إبراهيم بن علان إلى لقائه، ففتك به جابر. وبادر إلى البلد فنادى بدعوة المأمون
وطاعته، وكشف لأهلها القناع عن مكر ابن علان بهم، وما أوقعهم فيه من ورطة ابن غانية، فحمدوا رأيه وشكروا جابراً على صنيعه، وجددوا البيعة للمأمون. واجتمع إلى جابر في أمره هذا كافة بني عبد الواد وأحلافهم من بني راشد، وبعث إلى المأمون بطاعته واعتماله في القيام بدعوته، فخاطبه بالشكر، وكتب له العهد على تطمسان وسائر بلاد زناتة على رسم السادة الذين كانوا يلون ذلك من القرابة، فاضطلع بأمر المغرب الأوسط، وكانت هذه الولاية ركابا إلى صهوة الملك الذي اقتعدوه. ثم انتقض عليه أهل ندرومة بعد ذلك، فنازلهم، وهلك في حصارها بسهم غرب أثبته سنة تسع وعشرين.
وقام بالأمر من بعده ابنه الحسن، وجدد له المأمون عهده بالولاية، ثم ضعف عن الأمر وتخفى عنه لستة أشهر من ولايته. ودفع إليه عمه عثمان بن يوسف، وكان سيء الملكة كثير العسف والجور، فثارت به الرعايا بتلمسان وأخرجوه سنة إحدى وثلاثين، وارتضوا لمكانه ابن عمه زكران بن زيان بن ثابت الملقب بأبي عزة فاستدعوه لها، وولوه على أنفسهم وبلدهم، وسلموا له أمرهم. وكان مضطلعا بأمر زناتة مستبداً برياستهم ومستوليا على سائر الضواحي، فنفس أبو مطهر عليه وعلى قومه بني علي إخوانهم ما آتاهم الله من الملك، وأكرمهم به من السلطان. وجسدوا زكران وسلفه فيما صار لهم من الملك، فشاقوه ودعوا إلى الخروج عليه. واتبعهم بنو راشد بن محمد أحلافهم منذ عهد الصحراء، وجمع لهم أبو عزة سائر قبائل بني عبد الواد، فكانت بينه وبينهم حرب سجال هلك في بعض أيامها سنة ثلاث وثلاثين. وقام بالأمر من بعده أخوه يغمراسن بن زيان، فوقع التسليم والرضى به من سائر القبائل، ودان له بالطاعة جميع الأمصار. وكتب له الخليفة الرشيد بالعهد على عمله، وكان له ذلك سلما إلى الملك الذي أورثه بنيه سائر الأيام.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق