3130
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد السابع
القسم الأول
صفحة 3 -150
الخبر عن ملوك طرابلس من بني خزرون بن فلفول من
أهل الطبقة الأولي و أولية أمرهم وتصاريف أحوالهم
كان مغراوة وبنو خزر ملوكهم قد تحيزوا إلى المغرب الأقصى أمام بلكين؛ ثم اتبعهم سنة تسع وستين في زحفه المشهور، وأحجرهم بساحة سبتة حتى بعثوا صريخهم إلى المنصور. وجاءهم إلى الجزيرة مشارفا لأحوالهم وأمدهم بجعفر بن يحيى ومن كان معه من ملوك البربر وزناتة، فامتنعوا على بلكين، ورجع عنهم فتقرى أعمال المغرب، وعلك في منصرفه سنة اثنتين وسبعين، ورجع أحياء مغراوة وبين يفرن إلى مكانهم منه. وبعث المنصور الوزير حسن بن عبد الودود عاملا
على المغرب، وقدم سنة ست وسبعين، واختمى مقاتلا وزيري ابني عطية بن عبد الله بن خزر بمزيد التكرمة، ولحق نظراؤهما من أهل بيتهما الغيرة من ذلك، فنزع سعيد بن خزرون بن فلفول بن خزر إلى صنهاجة سنة سبع وسبعين منحرفا عن طاعة الأموية. ووافى المنصور بن بلكين بأشير منصرفه من إحدى غزواته، فتلقاه بالقبول والمساهمة، واستبلغ في ترك الإحن. وعقد له على عمل طبنة، وعقد لابنه وزو بن سعيد على إحدى بناته إحكاما للمخالصة، فنزل سعيد وأهل بيته بمكان أمارته من طبنة. ووفد على المنصور ثانية بالقيروان سنة إحدى وثمانين، وخرج للقائه، واحتفل في تكرمته ونزله. وأدركه الموت بالقيروان فهلك لسنته. ووفد ابنه فلول من مكان عمله، فعقد له على عمل أبيه وخلع عليه، وزف إليه ابنته، وسوغه ثلاثين حملا. من المال، وثلاثين تختا من الثياب، وقرب إليه مراكب بسروج مثقلة، وأعطاه عشرة من البنود مذهبة، وانصرف إلى عمله.
وهلك المنصور بن بلكين سنة خمس وثمانين، وولي ابنه باديس فعقد لفلفول على عمله بطبنة. ولما انتقض زيري بن عطية على المنصور بن أبي عامر، وسرح إليه ابنه المظفر في العساكر كما قلناه؟ فغلبه على أعمال المغرب. ولحق زيري بالقفر؛ ثم عرج على المغرب الأوسط، ونازل ثغور صنهاجة، وحاصر تيهرت، وبها يطوفت بن بلكين. وزحف إليه حماد بن بلكين من أشير في العساكر من تلكانة، ومعه محمد بن أبي العرب قائد باديس، بعثه في عساكر صنهاجة من القيروان ممدا ليطوفت. وأوعز إلى حماد بن بلكين، وهو باشير أن يكون معه. ولقيهم زيري بن عطية ففض جموعهم، واستولى على معسكرهم؛ واضطرمت إفريقية فتنة، وتنكرت صنهاجة لمن كان بجهاتها من قبائل زناتة. وخرج باديس بن المنصور من رقادة في العساكر إلى المغرب. ولما مر بطبنة استقدم فلفول بن سعيد بن خزرون ليستظهر به على حربه، فاستراب واعتذر عن الوصول. وسأل تجديد العهد إلى مقدم السلطان فأسعف. ثم اشتدت استرابته ومن كان معه من مغراوة، فارتحلوا عن طبنة وتركوها. ولما أبعد باديس رجع فلفول إلى طبنة فعاث في نواحيها، ثم فعل في تيجس كذلك، ثم حاصر باغاية. وانتهى باديس
إلى أشير، وفر زيري بن عطية إلى صحراء المغرب، ورجع على باديس بعد أن ولى على تاهرت واشير عمه يطوفت بن بلكين. وانتهى إلى المسيلة، فبلغه خروج عمومته ماكسن وزاوي وعزم ومغنين، فخاف أبو البهار إحن زيري، ولحق بهم من معسكره. وبعث باديس في أثرهم عمه حماد بن بلكين، ورحل هو إلى فلفول بمن سعيد بعد أن كان سرح عساكره إليه، وهو محاصر باغاية، وهزمهم وقتل قائدهم أبا زعيل. ثم بلغه وصول باديس فأفرج عنها، واتبعه باديس إلى مرماجنة، فتزاحفوا وقد اجتمع لفلفول من قبائل زناتة والبربر أمم، فلم يثبتوا للقاء، وانكشفوا عنه. وانهزم إلى جبل الحناش، وترك القيطون بما فيه. وكتب باديس بالفتح إلى القيروان، وقد كان الأرجاف أخذ منهم المأخذ، وفر كثير منهم إلى المهدية، وشرعوا في عمل الدروب لما كانوا يتوقعون من فلفول بن سعيد حين قتل أبا زعيل، وهزم جيوش صنهاجة، وكانت الواقعة آخر سنة تسع وثمانين. وانصرف باديس إلى القيروان، ثم بلغه أن أولاد زيري اجتمعوا مع فلفول بن سعيد وعاقدوه، ونزلوا جميعا بحصن تبسة، فخرج باديس من القيروان إليهم، فافترقوا ولحق العمومة بزيري بن عطية ما خلا ماكسن وابنه محسن، فإنهما أقاما مع فلفول. ورحل باديس في أثره سنة إحدى وتسعين، وانتهى إلى بسكرة ففر فلفول إلى الرمال. وكان زيري بن عطية محاصرا لأشير أثناء هذه الفتنة، فأفرج عنها، ورجع عنه أبو البهار بن زيري إلى باديس، وقفل معه إلى القيروان. وتقدم فلفول بن سعيد إلى نواحي قابس وطرابلس، فاجتمع إليه من هنالك من زناتة، وملك طرابلس على ما نذكر.
وذلك أن طرابلس كانت من أعمال مصر، وكان العامل عليها بعد رحيل معد إلى القاهرة عبد الله بن يخلف الكتامي. ولما هلك معد رغب بلكين من نزار العزيز إضافتها إلى عمله، فأسعفه بها، وولى عليها تمصولت بن بكار من خواص مواليه. نقله إليها من ولاية بونة، فأقام واليا عليها عشرين سنة إلى أيام باديس، فتنكرت له الأحوال عما عهد، وبعث إلى الحاكم بمصر يرغب الكون في حضرته، وأن يتسلم منه عمل طرابلس. وكان برجوان الصقليي يستبد على
الدولة، وكان يغص بمكان يأنس الصقلبي منها؛ فأبعده عن الحضرة لولاية برقة. ثم لما تتابعت رغبة تمصولت صاحب طرابلس، أشار برجوان ببعث يأنس إليها، فعقد له الحاكم عليها، وأمره بالنهوض إلى عملها فوصلها سنة تسعين. ولحق تمصولت بمصر، وبلغ الخبر إلى باديس، فسرح القائد جعفر بن حبيب في العساكر ليصده عنها. وزحف إليه يأنس فكانت عليه الهزيمة ولمحتل. ولحق فتوح بن علي من قواده بطرابلس، فامتنع بها ونازله جعفر بن حبيب، وأقام عليها مدة. وبينما هو محاصر لها إذ وصله كتاب يوسف بن عامر عامل قابس يذكر أن فلفول بن سعيد نزل على قابس، وأنه قاصد إلى طرابلس، فرحل جعفر عن البلد إى ناحية الجبل. وجاء فلفول فنزل بمكانه، وضاقت الحال بجعفر وأصحابه فارتحلوا مصممين على المناجزة وقاصدين قابس، فتخلى فلفول عن طريقهم، وانصرفوا إلى قابس.
وقصد فلفول مدينة طرابلس قتلقاه أهلها، ونزل له فتوح بن علي عن إمارتها، فملكها وأوطنها من يومئذ، وذلك سنة إحدى وتسعين، وبعث بطاعته إلى الحاكم، فسرح الحاكم يحيى بن علي بن حمدون، وعقد له على أعمال طرابلس وقابس، فوصل إلى طرابلس، وارتحل معه فلفول بن سعيد وفتوح بن علي بن غفيانان في عساكر زناتة إلى حصار قابس، فحصروها مدة، ورجعوا إلى طرابلس. ثم رجع يحيى بن علي إلى مصر، واستبد فلفول بعمل طرابلس، وطالت الفتنة بينه وبين باديس. ويئس من صريخ مصر، فبعث بطاعته إلى المهدي محمد بن عبد الجبار بقرطبة، وأوفد عليه رسله في الصريخ والمدد، وهلك فلفول قبل رجوعهم إليه سنة أربعماية، واجتمعت زناتة على أخيه ورو بن سعيد.
وزحف باديس إلى طرابلس، وأجفل ورو ومن معه من زناتة عنها، ولحق بباديس من كان بها من الحند، فلقوه في طريقه، وتمادى إلى طرابلس فدخلها ونزل قصر فلفول. وبعث إليه ورو بن سعيد يسأل الأمان له ولقومه، فبعث إليه محمد بن حسن من صنائعه، فاستقدم وفدهم بأمانه فوصلهم، وولى ورو على نفزاوة والنعيم بن كنون على قسطيلية، وشرط عليهم أن يرحلوا بقومهم عن أعمال طرابلس، ورجعوا إلى أصحابهم. وارتحل باديس إلى القيروان، وولى على طرابلس محمد بن حسن. ونزل ورو بنفزاوة والنعيم بقسطيلية.
ثم انتقض ورو سنة إحدى وأربعماية، ولحق بجبال إيدمر، فتعاقدوا على
الخلاف. واستضاف النعيم بن كنون نفزاوة إلى عمله. ورجع خزرون بن سعيد عن أخيه ورو إلى السلطان باديس، وقدم عليه بالقيروان سنة اثنتين وأربعماية، فتقبله ووصله، وولاه عمل أخيه نفزاوة وولى بنيب مجلية من لومه على قفصة، وصارت مدن الماء كلها لزناتة. وزحف ورو بن سعيد فيمن معه من زناتة إلى طرابلس. وبرز إليه عاملها محمد بن حسن فتواقفوا ودارت بينهم حرب شديدة انهزم فيها ورو، وهلك كثير من قومه. ثم راجع حصارها وضيق على أهلها، فبعث باديس إلى خزرون أخيه وإلى النعيم بن كنون أمراء الجريد من زناتة بأن يخرجوا لحرب صاحبهم، فخرجوا إليه وتواقفوا بصبرة ما بين قابس وطرابلس. ثم اتفقوا ولحق أصحاب خزرون بأخيه ورو. ورجع خزرون إلى عمله، واتهمه السلطان بالمداهنة في شأن أخيه ورو، واستقدمه من نفزاوة فاستراب وأظهر الخلاف. وسرح السلطان إليه فتوح بن أحمد في العساكر فأجفل عن عمله. واتبعه النعيم وسائر زناته، ولحقواً جميعا بورو بن سعيد سنة أربع وتظاهروا على الخلاف، ونصبوا الحرب على مدينة طرابلس.
واشتد فساد زناتة، فقتل السلطان من كان عنده رهن زناتة. واتفق وصول مقاتل بن سعيد نازعا عن أخيه ورو في طائفة من أبنائه وإخوانه، فقتلوا معهم جميعا. وشغل السلطان بحرب عمه حماد. ولما غلبه بشلف وانصرف إلى القيروان، بعث إليه ورو بطاعته. ثم كان مهلك ورو سنة خمس وأربعماية، وانقسم قومه على ابنه خليفة وأخيه خزرون بن سعيد، واختلفت كلمتهم. ودس محمد بن حسن عامل طرابلس في التضريب بينهم. ثم صار أكثر زناتة إلى خليفة، وناجز عنه خزرون الحرب فغلبه على القيطون، وضبط زناتة، وقام فيهم بأمر أبيه، وبعث بطاعته إلى السلطان باديس بمكانه من حصار القلعة فتقبلها. تم هلك باديس، وولي أبنه المعز سنة ست، وانتقض خليفة بن ورو عليه، وكان أخوه حماد بن ورو يضرب على أعمال طرابلس وقابس، ويواصل عليها الغارة والنهب إلى سنة ثلاث عشرة، فانتقض عبد الله بن حسن صاحب طرابلس على السلطان وأمكنه من طرابلس. وكان
سبب ذلك أن المعز بن باديست لأول ولايته استقدم محمد بن حسن من طرابلس فاستخلف عليها آخاه عبد إلله بن حسن، وقدم على المعز، وفوق إليه تدبير مملكته، وأقام على ذلك سبعا، وتمكنت حاله عند السلطان، وكثرت السعاية فيه، فنكبه وقتله. وبلغ الخبر إلى أخيه، فانتقض كما قلناه، وأمكن خليفة بن ورو وقومه من مدينة طرابلس، وقتلوا الصنهاجيين واستولوا عليهم. ونزل خليفه بقصر عبد الله وأخرجه عنه، واستصفى أمواله وحرمه. واتصل ملك خليفة بن ورو وقومه بني خزرون بطرابلس. وخاطب الخليفة بالقاهرة الظاهر بن الحاكم سنة سبع عشرة بالطاعة وضمان السابلة وتشييع الرفاق، ويخطب عهده على طرابلس فأجابه إلى ذلك، وانتظم في عمله. وأوفد في هذه السنة أخاه حمادا على المعز بهدية، فتقبلها وكافأه عليها.
هذا آخر ما حدث ابن الرقيق من أخبارهم. ونقل ابن حماد وغيره أن المعز زحف أعوام ثلاثين وأربعماية إلى زناتة بجهات طرابلس، فبرزوا إليه وهزموه وقتلوا عبد الله بن حماد، وسبوا أخته أم العلو بنت باديس، ومنوا عليها بعد حين وأطلقوها إلى أخيها. ثم زحف إليهم ثانية؛ فهزموه. ثم اتيحت به الكرة عليهم فغلبهم وأذعنوا لسلطانه، واتقوه بالمهادنة؟ فاستقام أمرهم على ذلك. كان خزرون بن سعيد لما غلبه خليفة بن ورو على زناتة لحق بمصر، فأقام فيها بدار الخلافة، ونشأ بنوه بها، وكان منهم المنتصر بن خزرون وأخوه سعيد. ولما وقعت الفتنة بين الترك والمغاربة بمصر، وغلبهم الترك وأجلوهم عنها، لحق المنتصر وسعيد بطرابلس وأقاما في نواحيها. ثم ولي سعيد أمر طرابلس، ولم يزل بها واليا إلى أن هلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
وقال أبو محمد التيجاني في رحلته عند ذكر طرابلس: ولما قتلت زغبة سعيد بن خزرون سنة تسع وعشرين، وقدم خزرون بن خليفة من القيطون بقومه إلى ولايتها، فأمكنه رئيس الشورى بها يومئذ من الفقهاء أبو الحسن بن المنمر المشهور بعلم الفرائض وبايع له، وأقام بها خزرون إلى سنة ثلاثين بعدها، فقدم المنتصر بن خزرون في ربيع الأول منها، ومعه عساكر زناتة، ففر خزرون بن خليفة من طرابلس مختفيا، وملكها المنتصر بن خزرون، وأوقع بابن المنتصر ونفاه،
واتصلت بها إمارته. انتهى ما نقله التجاني.
وهذا الخبر مشكل من جهة أن زغبة من العرب الهلاليين، وإنما جاءوا إلى أفريقية من مصر بعد الأربعين من تلك الماية، فلا يكون وجودهم بطرابلس سنة تسع وعشرين إلا أن كان تقدم بعض أحياهم إلى إفريقية من قبل ذلك. وقد كان بنو قرة ببرقة وبعثهم الحاكم مع يحيى بن علي بن حمدون، إلا أن ذلك لم ينقله أحد.
ولم تزل طرابلس بأيدي بني خزرون الزناتيين. ولما وصل العرب الهلاليون وغلبوا المعز بن باديس على أعمال إفريقية واقتسموها كانت قابس وطرابلس في قسمة زغبة والبلد لبني خزرون. ثم استولى بنو سليم على الضاحية، وغلبوا عليها زغبة ورحلوهم عن تلك المواطن. ولم تزل البلد لبني خزرون. وزحف المنتصر بن خزرون مع بنى عدي من قبائل هلال مجلبا على أعمال بني حماد، حتى نزل المسيلة ونزل أشير. ثم خرج إليهم الناصر، ففروا أمامه إلى الصحراء، ورجع إلى القلعة، فرجعوا إلى الأجلاب على أعماله فراسله الناصر في الصلح وأقطعه ضواحي الزاب وريغة. وأوعز إلى عروس بن سندي رئيس بسكرة لعهده أن يمكر به. فلما وصل المنتصر إلى بسكرة أنز عروس، ثم قتله غيلة أعوام ستين وأربعمائة وولي طرابلس واحد من قومه بني خزرون يحضرني اسمه واختل ملك صنهاجة، واتصل فيهم ملك تلك الأعمال إلى سنة أربعين وخمسماية.
ثم نزل بطرابلس ونواحيها في هذه السنة مجاعة، وأصابتهم منها شدة هلك فيها الناس، وفروا عنها، وظهر اختلال أحوالها وفناء حاميتها، فجهز إليها رجاهـ طاغية صقلية أسطولا لحصارها بعد استيلائه على المهدية وصفاقس واستقرار ولاته فيهما. ووقع بين أهل طرابلس الخلاف، فغلب عليهم جرجي بن ميخائيل قائد الأسطول وملكها، وأخرج منها بني خزرون، وولى على البلد شيخه أبا يحيى بن مطروح التميمي، فانقرض أمر بني خزرون منها. وبقي منهم من بقي بالضاحية إلى أن افتتح الموحدون إفريقية. وكانت ثورة المسلمين بهم، وإخراج النصارى من بين أظهرهم كما ذكرناه في أخبار إفريقية آخر الدولة الصنهاجية. والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده، سبحانه لا اله غيره.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق