3128
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد السابع
القسم الأول
صفحة 3 -150
آل زيري بن عطية ملوك فاس
الخبر عن آل زيري بن طية ملوك فاس وأعمالها
من الطبقة الأولي من مغراوة وما كان لهم بالمغرب الأقصى
من الملك والدولة ومبادىء ذلك وتصاريفه
كان زيري هذا أمير آل خزر في وقته، ووارث ملكهم البدوي، وهو الذي مهد الدولة بفاس والمغرب الأقصى وأورثها بنيه إلى عهد لمتونة حسبما نستوفي شرحه. واسمه زيري بن عطية بن عبد الله بن خزر وجده عبد الله أخو محمد داعية الناصر الذي هلك بالقيروان كما ذكرناه، وكانوا أربعة إخوة: محمد ومعبد الذي قتله إسمعيل، وفلفول الذي خالف محمدا إلى ولاية الشيعة وعبد الله هذا وكان يعرف بأمه واسمها تبادلت. وقد قيل إن عبد الله هذا هو ابن محمد بن خزر، وأخوه حمزة بن محمد الهالك في حربه مع ميسور عند فتح تاهرت. ولما هلك بن محمد كما قلناه بيد بلكين سنة إحدى وستين، وارتحلت زناتة إلى ما وراء ملوية من المغرب الأقصى، وصار المغرب الأوسط كله لصنهاجة واجتمع مغراوة إلى بقية آل خزر وأمراؤهم يومئذ محمد بن خير المذكور ومقاتل وزيري ابنا مقاتل بن عطية بن عبد الله، وخزرون بن فلفول.
ثم كان ما ذكرناه من ولاية بلكين بن زيري على إفريقية، وزحف إلى المغرب الأقصى زحفه المشهور سنة تسع وستين، وأجفلت أمامه ملوك زناتة من بني خزر وبني محمد بن صالح، وانحازوا جميعا إلى سبتة. وأجاز محمد بن الخير البحر إلى المنصور بن أبي عامر صريخا؟ فخرج المنصور في عساكره إلى الجزيرة ممدا لهم بنفسه. وعقد لجعفر بن علي على حرب بلكين، وأجازه البحر وأمده بمائة حمل من المال فاجتمعت إليه ملوك زناتة، وضربوا مصافهم بساحة سبتة، وأظل عليهم بلكين من جبل تطاون فرأى ما لا قبل له به فارتحل عنهم، وأشغل نفسه بجهاد برغواطة إلى أن هلك منصرفا من المغرب سنة اثنتين وسبعين كما ذكرناه.
وعاد جعفر بن علي إلى مكانه من الحضرة، وساهمه المنصور في حمل الرياسة، وبقي
المغرب غفلا من الولاية، واقتصر المنصور على ضبط سبتة، ووكل إلى ملوك زناتة دفاع صنهاجة وسائر اولياء الشيعة. وقام يبلو طاعتهم إلى أن قام بالمغرب الحسن بن كنون من الأدارسة، بعثه العزيز نزار من مصر لاسترجاع ملكه بالمغرب، وأمده بلكين بعسكر من صنهاجة وهلك على تفيئة ذلك بلكين، ودعا الحسن إلى أمره بالمغرب. وانضم إليه بدوي بن يعلى بن محمد اليفرني وأخوه زيري وابن عمه أبو يداس فيمن إليهم من بني يفرن فسرح المنصور لحربه ابن عمه أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر الملقب عسكلاجة، وبعثه بالعساكر والأموال فأجاز البحر، وانحاش إليه ملوك آل خزر محمد بن الخير، ومقاتل وزيري ابنا عطية، وخزرون بن فلفول في جمع مغراوة، وظاهروه على شأنه.
وزحف بهم أبو الحكم بن أبي عامر إلى الحسن بن كنون حتى ألجأوه إلى الطاعة، وسأل الأمان على نفسه؟ فعقد له عمرو بن أبي عامر ما رضيه من ذلك، وأمكن به من قياده، وأشخصه إلى الحضرة فكان من قتله وإخفار ذمة أبي الحكم بن أبي عامر، وقتله بعده ما تقدم حسبما ذكرنا ذلك من قبل.
وكان مقاتل وزيري ابنا عطية من بين ملوك زناتة أشد الناس انحياشا للمنصور وقياما بطاعة المروانية. وكان بدوي بن يعلى وقومه بنو يفرن منحرفين عن طاعتهم. ولما انصرف أبو الحكم بن أبي عامر عن المغرب عقد المنصور عليه للوزير حسن بن أحمد عبد الودود السلمي، وأطلق يده في انتقاء الرجال والأموال فأنفذه إلى عمله سنة ست وسبعين، وأوصاه بملوك مغراوة من زناتة، واستبلغ بمقاتل وزيري من بنيهم لحسن انحياشهم وطاعتهم، وأغراه ببدوي بن يعلى المضطرب الطاعة الشديد المراوغة، فنفذ لعمله ونزل بفاس، وضبط أعمال المغرب، واجتمعت إليه ملوك زناتة.
وهلك مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين، واستقل برياسة الظواعن البدو عن مغراوة أخوه زيري بن عطية وحسنت مخاللته لابن عبد الودود صاحب المغرب وانحياشه بقومه إليه. واستدعاه المنصور من محله بفاس سنة إحدى وثمانين إشادة بتكريمه، وأغراه ببدوي بن يعلى بمنافسته في الخط وإيثار الطاعة فبادر
إلى إجابته بعد أن استخلف على المغرب ابنه المعز، وأنزله بتلمسان ثغر المغرب، وولى عن عدوة القرويين من فاس علي بن حمي بن أبي علي قشوش، وعلى عدوة الأندلسيين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن ثعلبة. وقدم بين يديه هدية إلى المنصور، ووفد عليه فاستقبله بالجيش والعدة واحتفل للقائه، وأوسع نزله وجرايته ونوه باسمه في الوزارة وأقطعه رزقها. واثبت رجاله في الديوان ووصله بقيمة هديته وأسنى فيها، وأعظم جائزة وفده وعجل تسريحه إلى عمله فقفل إلى إمارته من المغرب. ونمي عنه خلاف ما احتسب فيه من غمط المعروف وإنكار الصنيع، والاستنكاف من لقب الوزارة التي نوه به حتى أنه قال لبعض حشمه، وقد دعاه بالوزير: وزير من يا لكع، لا والله إلا أمير ابن أمير، واعجبا من ابن أبي عامر وخرفته والله لو كان بالأندلس رجل ما تركه على حاله وإن له منا ليوما، والله لقد تأجرني فيما أهديت
إليه حطا للقيم، ثم غالطني بما بدله تبتيتاً للكرم إلا أن يحتسب بثمن الوزارة التي حطني بها عن رتبتي.
ونمي ذلك إلى ابن أبي عامر فصر عليها أذنه وزاد في اصطناعه وبعث إلى يدو بن يعلى اليفرني قريعه في ملك زناتة يدعوه إلى الوفادة فأساء إجابته وقال: متى عهد المنصور حفر الوحش تنقاد إلى البياطرة. وأخذ في إفساد السابلة والأجلاب على الأحياء والعيث في العمالة، فأوعز المنصور إلى عامله على المغرب الوزير حسن بن عبد الودود بنبذ العهد إليه، ومظاهرة عدوه زيري بن عطية عليه، فجمحوا له سنة إحدى وثمانين ولقوه فكانت الدائرة عليهم، وتخرم العسكر، وأثبتت الوزير ابن عبد الودود جراحة كان فيها حتفه. وبلغ الخبر إلى المنصور فشق عليه وأهمه شأن المغرب، وعقد عليه لوقته لزيري بن عطية، وكتب إليه بعهده وأمره بضبط المغرب ومكاتبة جند السلطان وأصحاب حسن بن عبد الودود، فاضطلع بأعبائه وأحسن الغناء في عمله.
واستفحل شأن يدو بن يعلى وبني يفرن، واستغلظوا على زيري بن عطية وأصلوه نار الفتنة، وكانت حربهم سجالا. وسيمت الرعايا بفاس كثرة تعاقبهم عليها وانتزائهم على عملها. وبعث الله لزيري بن عطية ومغراوة مددا من أبي البهار بن زيري بن مناد بما كان انتقص لذلك العهد على أخيه منصور بن بلكين صاحب القيروان وإفريقية، ونزع عن دعوة الشيعة إلى المروانية. واقتفى أثره في ذلك خلوف بن أبي بكر صاحب تيهرت وأخوه عطية لصهر كان بينهما وبين زيري، فاقتطعوا أعمال المغرب الأوسط ما بين الزاب ووانشريش ووهران، وخطبوا في سائر منابرها باسم هشام المؤيد.
وخاطب أبو البهار من وراء البحر المنصور بن أبي عامر، وأوفد عليه أبا بكر ابن أخيه حبوس بن زيري في طائفة من أهل بيته ووجوه قومه، فاستقبلوا بالجيش ولقاه رحبا وتسهيلا، وأعظم موصله وأسنى جوائز وفده وصلاتهم، وأنفذ معه إلى عمه أبي البهار بخمسماية قطعة من صنوف الثياب الخز والعبيد، وقيمة عشرة آلاف درهم من الانية والحلي، وبخمسة وعشرين ألفا من الدنانير ودعاه إلى مظاهرة زيري بن عطية على يدو بن يعلى، وقسم بينهما عمل المغرب شق الابلمة حتى لقد اقتسما مدينة فاس عدوة بعدوة فلم يرع ذلك يدو ولا وزعه عن شأنه من الفتنة والأجلاب على البدو والحاضرة، وشق عصا الجماعة. وانتقض خلوف بن أبي بكر على المنصور لوقف 4، وراجع ولاية المنصور بن بلكين.
ومرض أبو البهار في المظاهرة عليه للوصلة بينهما، وقعد عما قام له زيري بن عطية من حرب خلوف بن أبي بكر، وأوقع به زيري في رمضان سنة إحدى وثمانين، واستلحمه وكثيرا من أوليائه، وأستولى على عسكره، وانحاش إليه عامة أصحابه.
وفر عطية شريدا إلى الصحراء، ثم نهض على أثرها ليدو بن يعلى وقومه فكانت بينهما لقاءة صعبة انكشف فيها أصحاب يدو واستلحم منهم زهاء ثلاثة آلاف، واكتسح معسكره وسبيت حرمه التي كانت منهن أمه وأخته، وتحيز سائر أصحابه إلى فئة زيري، وخرج شريدا إلى الصحراء إلى أن اغتاله ابن عمه أبو يداس بن دوناس حسبما ذكرناه. وورد خبر الفتحين متعاقبين على المنصور فعظم موقعهما لديه. قيل إن مقتل يذو إنما كان عند إياب زيري من الوفادة، وذلك أنه لما استقدمه المنصور
ووفد عليه كما ذكرناه خالفه يذو إلى فاس ودخلها، وقتل بها من مغراوة خلقا واستمكن بها أمره. فلما رجع زيري من وفادته امتنع به يدو فنازله زيري وطال الحصار وهلك من الفريقين خلق. ثم اقتحمها عليه عنوة فقتل وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة. إلا أن راوي هذا الخبر يجعل وفادة زيري على المنصور وقتله ليدو سنة ثلاث وثمانين فالله أعلم أي ذلك كان.
ثم إن زيري فسد ما بينه وبين أبي البهار الصنهاجي وتزاحفا فأوقع به زيري وانهزم أبو البهار إلى سبتة موريا بالعبور إلى المنصور فبادر بكاتبه عيسى بن سعيد بن القطاع في قطعة من الجند إلى تلقيه فحاد عن لقائه. وصعد إلى قلعة جراوة، وقد قدم الرسل على ابن أخيه المنصور صاحب القيروان مستميلا إلى أن التحم ذات بينهما. ثم تحيز إليه وعاد إلى مكانه من عمله، وخلع ما تمسك به من طاعة الأموية، وراجع طاعة الشيعة، فجمع المنصور لزيري بن عطية أعمال المغرب. واستكفى به في سد الثغر، وعول عليه من بين ملوك المغرب في الذب عن الدعوة، وعهد إليه بمناجزة أبي البهار. وزحف إليه زيري في أمم عديدة من قبائل زناتة وحشود البربر وفر أمامه، ولحق بالقيروان. واستولى زيري على تلمسان وسائر أعمال أبي البهار. وملك ما بين السوس الأقصى والزاب، فاتسع ملكه وانبسط سلطانه واشتدت شوكته، وكتب بالفتح إلى المنصور. وبعث إليه بمايتين من عتاق الخيل وخمسين جملا من المهارى السبق، وألف دوقة من جلود اللمط وأحمال من قسي الزان وقطوط الغالية، والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وغيره، وألف حمل من التمر وأحمال من ثياب الصوف الرفيعة كثيرة، فجدد له عهده على المغرب سنة إحدى وثمانين، وأنزل أحياءه بأنحاء فاس في قياطنهم.
واستفحل أمر زيري بالمغرب، ودفع بني يفرن عن فاس إلى نواحي سلا، واختط مدينة وجدة سنة أربع وثمانين وأنزلها عساكره وحشمه، واستعمل عليها ذويه ونقل إليها ذخيرته وأعدها معتصما، فكانت ثغرا لعمله بين المغرب الأقصى والأوسط.
ثم فسد ما بينه وبين المنصور سنة ست وثمانين بما نمي عنه من التأنف لهشام باستبداد المنصور عليه،
فسامه المنصور الهضيمة. وأبى منها، فبعث كاتبه ابن القطاع في العسكر، فاستعصى عليه. وأمكنه قائد قلعة حجر النسر منها، فأشخصه إلى الحضرة. وأحسن إليه المنصور وسقاه الناصح، وكشف زيري وجهه في عداوة ابن أبي عامر والإغراء به والتشيع لهشام المؤيد، والامتعاض له من هضيمته وحجره، فسخط ابن أبي عامر وقطع عنه رزق الوزارة، ومحا اسمه من ديوانها ونادى بالبراءة منه.
وعقد لواضح مولاه على المغرب وعلى حرب زيري بن عطية، وانتقى له الحماة من سائر الطبقات، وأزاح عللهم. وأمكنه من الأموال للنفقات وأحمال السلاح والكسى، وأصحبه طائفة من ملوك العدوة كانوا بالحضرة، منهم: محمد بن الخير بن محمد بن الخير، وزيري بن خزر وابن عفهما بكساس بن سيد الناس. ومن بني يفرن أبو نوبخت بن عبد الله بن بكار. ومن مكناسة إسماعيل بن البوري ومحمد بن عبد الله بن مدين، ومن ازداجة خزرون بن محمد وأمده بوجوه الجند. وفصل من الحضرة سنة سبع وثمانين، وسار في التعبية. وأجاز البحر إلى طنجة فعسكر بوادي ركاب وزحف زيري بن عطية في قومه، فعسكر إزاءه وتواقفا ثلاثة أشهر. واتهم واضح رجالات بني برزال بالأدهان فأشخصهم إلى الحضرة. وأغرى بهم المنصور فوبخهم. وتنصلوا فصفح عنهم، وبعثهم في غير ذلك الوجه. ثم تناول واضح حصن أصيلا ونكور فضبطهما. واتصلت الوقائع بينه وبين زيري، وبيت واضح معسكر زيري بنواحي أصيلا وهم غارون فأوقع بهم. وخرج ابن أبي عامر من الحضرة لاستشراف أحوال واضح وإمداده، فسار في التعبئة واحتل بالجزيرة عند فرضة المجاز. ثم بعث عن ابنه المظفر من مكان استخلافه بالزاهرة، وأجازه إلى العدوة واستكمل معه أكابر أهل الخدمة وجلة القواد. وقفل المنصور إلى قرطبة، واستذاع خبر عبد الملك بالمغرب فرجع إليه عامة أصحاب زيري من ملوك البربر، وتناولهم من إحسانه وبره ما لم يعهدوا مثله.
وزحف عبد الملك إلى طنجة واجتمع مع واضح، وتلوم هنالك مزيحا لعلل العسكر، فلما
استتم تدبيره زحف في جمع لا كفاء له. ولقيه زيري بوادي منى من أحواز طنجة في شوال من سنة ثمان وثمانين، فدارت بينهما حرب شديدة هم فيها أصحاب عبد الملك وثبت هو. وبينما هم في حومة الحرب إذا طعن زيري بعض الموتورين من أتباعه اهتبل الغرة في ذلك الموقف فطعنه ثلاثا في نحره وأشواه بها، ومر يشتد نحو المظفر، وبشره فاستكذبه به لثبوت رايته. ثم سقط إليه الصحيح فشد عليهم فاستوت الهزيمة وأثخن فيهم بالقتل، واستولى على ما كان في معسكرهم مما يذهب فيه الوصف. ولحق زيري بفاس جريحا في قلة، فامتنع عليه أهلها ودافعه بحرمه، فاحتملهن وفر أمام العسكر إلى الصحراء، وأسلم جميع أعماله. وطير عبد الملك بالفتح إلى أبيه فعظم موقعه عنده، وأعلن بالشكر لله والدعاء وبث الصدقات وأعتق الموالي، وكتب إلى ابنه عبد الملك بعهده على المغرب فأصلح نواحيه وسد ثغوره، وبعث العمال في جهاته: فأنفذ محمد بن حسن بن عبد الودود في جند كثيف إلى تادلا، واستعمل حميد بن يصل الكتامي على سجلماسة فخرج كل لوجهه، واقتضوا الطاعة وحملوا إليه الخراج، فأقفل المنصور ابنه عبد الملك في جمادى من سنة تسع وثمانين، وعقد على المغرب لواضح فضبطه واستقام على تدبيره. ثم عزله في رمضان من سنته بعبيد الله ابن أخيه يحيى، ثم ولى عليه من بعده إسماعيل بن البوري، ثم من بعده أبا الأحوص مقن بن عبد العزيز التجيبي إلى أن هلك المنصور.
وأعاد المظفر المعز بن زيري من منتبذه الأوسط إلى ولاية أبيه بالمغرب فنزل بفاس، وكان من خبر زيري أنه لما استقل من نكبته وهزيمة عبد الملك إياه، واجتمع إليه بالصحراء من مغراوة، وبلغه اضطراب صنهاجة واختلافهم على باديس بن المنصور عند مهلك أبيه، وأنه خرج عليه عمومته مع ماكسن بن زيري، فصرف وجهه حينئذ إلى أعمال صنهاجة ينتهز فيها الفرصة. واقتحم المغرب الأوسط ونازل تاهرت وحاصر بها يطوفت بن بلكين. وخرج باديس من القيروان صريخاً له. فلما مر بطبنة امتنع عليه فلفول بن خزرون، وخالفه إلى إفريقية فشغل بحربه. وقد كان
أبو سعيد بن خزرون لحق بإفريقية، وولاه المنصور بن بلكين على طبنة كما نذكره، فلما انتقض سار إليه باديس ودفع حماد بن بلكين في عساكر صنهاجة إلى مدافعة زيري بن عطية فالتقيا بوادي مناس قرب تاهرت، فكانت الدبرة على صنهاجة، واحتوى زيري على معسكرهم واستلحم ألوفاً منهم-. وفتح مدينة تاهرت وتلمسان وشلف وتنس والمسيلة. وأقام الدعوة فيها كلها للمؤيد هشام ولحاجبه المنصور من بعده.
ثم اتبع آثار صنهاجة إلى أشير قاعدة ملكهم، فأناخ عليها. واستأمن إليه زاوي بن زيري ومن معه من أكابر أهل بيته المنازعين لباديس فأعطاه منه ما سأل. وكتب إلى المنصور بذلك يسترضيه ويشترطه على نفسه الرهن والاستقامة أن أعيد إلى الولاية، ويستأذن في قدوم زاوي وأخيه خلال، وأذن لهما فقدما سنة تسعين، وسأل أخوهما أبو البهار مثل ذلك، وأنفذ رسله تذكر بقديمه فسوفه المنصور لما سبق من نكثه. واعتل زيري بن عطية وهو بمكانه من حصار أشير فأفرج عنها. وهلك في منصرفه سنة إحدى وتسعين، واجتمع إلى خزر وكافة مغراوة من بعده على ابنه المعز بن زيري فبايعوه، وضبط أمرهم وأقصر على محاربة صنهاجة. ثم استجدى للمنصور واعلق بالدعوة العامرية وصلحت حاله عندهم. وهلك المنصور خلال ذلك ورغب المعز من ابنه عبد الملك المظفر أن يعيده إلى عمله على مال يحمله إليه، وعلى أن يكون ولده معنصر رهينة بقرطبة فأجابه إلى ذلك وكتب له عهده، وأنفذ به وزيره أبا محمد علي بن جدلم ونسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد. من الحاجب المظفر سيف دولة الإمام الخليفة هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر إلى كافة قد نسي فاس وكافة أهل المغرب سلمهم الله. أما بعد أصلح الله شأنكم وسلم أنفسكم وأديانكم، فالحمد لله علام الغيوب وغفار الذنوب ومقلب القلوب ذي البطش الشديد المبدي المعيد الفعال لما يريد، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، بل له الملك والأمر، وبيده الخير والشر. إياه نعبد وإياه نستعين، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون،. وصلى الله على محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين، وعلى جميع النبيين والمرسلين والسلام عليكم أجمعين.
وإن المعز بن زيري بن عطية أكرمه الله تابع لدينا رسله وكتبه متنصلا من هنات دفعته إليها ضرورات، ومستغفرا من سيئات حطمها من توبته حسنات، والتوبة محاء للذنب، والاستغفار منقذ من العتب. وإذا أذن الله بشيء يسره، وعسى أن تكرهوا شيئا ولكم فيه خير. وقد وعد من نفسه استشعار الطاعة، ولزوم الجادة، واعتقاد الاستقامة، وحسن المعونة وخفة انمونة، فونيناه ما لبلكم، وعهدنا إليه أن يعمل بالعدل فيكم، وأن يرفع أحكام الجور عنكم. وأن يعمر سبلكم، وأن يقبل من محسنكم ويتجاوز عن مسيئكم إلا في حدود الله تبارك وتعالى. وأشهدنا الله عليه بذلك وكفى بالله شهيدا. وقد وجهنا الوزير أبا محمد علي بن جدلم أكرمه الله، وهو من ثقاتنا ووجوه رجالنا ليأخذ ميثاقه، ويؤكد العهد فيه عليه بذلك، وأمرناه بإشراككم فيه؛ ونحن بأمركم معتنون ولأحوالكم مطالعون، وأن يقضي على الأعلى للأدنى، ولا يرتضي فيكم بشيء من الأذى فثقوا بذلك واسكنوا إليه. وليمض القاضي أبو عبد الله أحكامه مشدودا ظهره بنا، معقودا سلطانه بسلطاننا، ولا تأخذه في الله لومة لائم، فلذلك طبنا به إذ وليناه، وأملنا فيه إذ قلدناه، والله المستعين، وعليه التكلان لا إنه إلا هو. تبلغوا منا سلاما طيبا جزيلا ورحمة الله وبركته. كتب في ذي القعدة من سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
ولما وصل إلى المعز بن زيري عهد المظفر إليه بولايته على المغرب ما عدا كورة سجلماسة فإن واضحاً مولى المنصور عهد بها في ولايته على المغرب لوانودين بن خزرون بن فلفول حسبما نذكر بعد، فلم تدخل في ولاية المعز هذه. فلما وصله عهد المظفر ضم نشره، وثاب إليه نشاطه، وبث عماله في جميع كور المغرب وجبا خراجها. ولم تزل ولايته متسعة، وطاعة رعاياه منتظمة. ولما افترق أمر الجماعة بالأندلس، واختل رسم الخلافة وصار الملك فيها طوائف استحدث المعز رأيا في التغلب على سجلماسة وانتزاعها من أيدي بني وانودين بن خزرون فأجمع لذلك. ونهض إليه سنة سبع وأربعمائة، وبرزوا إليه في جموعهم فهزموه. ورجع إلى فاس في فل من قومه. وأقام على الاضطراب من أمره إلى أن هلك سنة سبع عثرة، وولي من بعده ابن عمه حماه ة بن المعز بن عطية، وليس كما يزعم
بعض المؤرخين أنه ابنه وإنما هو اتفاق في الأسماء أوجب هذا الغلط، فاستولى حمامة هذا على عملهم واستفحل ملكه، وقصده الأمراء والعلماء وانتابته الوفود، ومدحه الشعراء. ثم نازعه الأمر أبو كمال تميم بن زيري بن يعلى اليفرني في سنة أربع وعشرين من بني يذو بن يعلى المتغلبين على نواحي سلا، وزحف إلى فاس في قبائل بني يفرن ومن انضاف إليهم من زناتة.
وبرز إليه حمامة في جموع مغراوة ومن إليهم فكانت بينهم حرب شديدة أجلت عن هزيمة حمامة. وهلك من مغراوة أمم، واستولى تميم وبنو يفرن على فاس وأعمال المغرب. ولما دخل فاس استبح يهود وسبا حرمهم واصطلم نعمتهم. ولحق حمامة بوجدة فاحتشد من هنالك من قبائل مغراوة من أنجاد مديونه وملوية. وزحف إلى فاس فدخلها سنة تسع وعشرين، وتحيز تميم إلى موضع إمارته من سلا، وأقام حمامة في سلطان المغرب، وزحف إليه سنة ثلاثين وأربعمائة صاحب القلعة القائد ابن حماد في جموع صنهاجة. وخرج إليه حمامة مجمعا حربه، وبث القائد عطاءه في زناتة واستفسدهم على صاحبهم حمامة، فأقصر عن لقائه، ولاذ منه بالسلم والطاعة، فرجع القائد عنه، ورجع هو إلى فاس. وهلك سنة إحدى وثلاثين فولي من بعده ابنه دوناس ويكنى أبا العطاف، فاستولى على فاس وسائر عمل أبيه، وخرج إليه لأول أمره حماد ابن عمه معنصر بن المعز فكانت له معه حروب ووقائع، وكثرت جموع حماد فغلب دوناس على الضواحي وأحجره بمدينة فاس، وخندق دوناس على نفسه الخندق المعروف بسياج حماد.
وقطع حماد جرية الوادي عن عدوة القرويين إلى أن هلك محاصرا لها سنة خمس وثلاثين، فاستقامت دولة دوناس وانفسحت أيامه، وكثر العمران ببلده. واحتفل في تشييد المصانع وأدار السور على أرباضها، وبنى بها الحمامات والفنادق، فاستبحر عمرانها ورحل التجار بالبضائع إليها. وهلك دوناس سنة إحدى وخمسين فولي من بعده ابنه الفتوح، ونزل بعدوة الأندلس. ونازعه الأمر أخوه الاصغر عجيسة، وامتنع بعدوة القرويين، وافترق أمرهم بافتراقهما. وكانت الحرب بينهما سجالا، ومجالها بين المدينتين حيث يفضي باب النقبة لعدوة القرويين لهذا العهد. وشيد الفتوح باب عدوة الأندلسيين وهو مسمى به إلى الآن. واختط عجيسة
باب الجيسة وهو أيضا مسمى به إلى الآن، وإنما حذفت عينه لكثرة الدوران في استعمالهم، وأقاموا على ذلك إلى أن غدر الفتوح بعجيسة أخيه سنة ثلاث وخمسين فظفر به وقتله، ودهم المغرب إثر ذلك على ما دهمه من أمر المرابطين من لمتونة، وخشي الفتوح مغبة أحوالهم فأفرج عن فاس.
وزحف صاحب القلعة بلكين بن محمد بن حماد إلى المغرب سنة أربع وخمسين على عادتهم في غزوه، ودخل فاس واحتمل من أكابرهم وأشرافهم رهنا على الطاعة، وقفل إلى قلعته. وولي على المغرب بعد الفتوح معنصر بن حماد بن منصور، وشغل بحروب لمتونة. وكانت لهم عليه الواقعة المشهورة سنة خمس وخمسين، ولحق بصدينة. وملك يوسف بن تاشفين والمرابطون فاس، وخلف عليها عامله وارتحل إلى غمارة فخالفه معنصر إلى فاس وملكها وقتل العامل ومن معه من لمتونة، ومثل بهم بالحرق والصلب. ثم زحف إلى مهدي بن يوسف الكزنائي صاحب مدينة مكناسة، وقد كان دخل في دعوة المرابطين فهزمه وبعث برأسه إلى سكون البرغواطي الحاجب صاحب سبتة. وبلغ الخبر إلى يوسف بن تاشفين فسرح عساكر المرابطين لحصار فاس فأخذوا بمخنقها، وقطعوا المرافق عنها حتى اشتد بأهلها الحصار ومسهم الجهد. وبرز معنصر لإحدى الراحتين فكانت الدبرة عليه، وفقد في الملحمة ذلك اليوم سنة ستين، وبايع أهل فاس من بعده ابن تميم بن معنصر فكانت أيامه أيام حصار وفتنة وجهد وغلاء. وشغل يوسف بن تاشفين عنهم بفتح بلاد غمارة، حتى إذا كانت سنة اثنتين وستين وفرغ من فتح غمارة صمد إلى فاس فحاصرها أياما، ثم اقتحمها عنوة وقتل بها زهاء ثلاثة آلاف من مغراوة وبني يفرن ومكناسة وقبائل زناتة. وهلك تميم في جملتهم حتى أعوزت مزاراتهم فرادى، فاتخذت لهم الأخاديد وقبروا جماعات. وخلص من نجا من القتل منهم إلى تلمسان، وأمر يوسف بن تاشفين بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين العدوتين وصيرها مصرا، وأدار عليهما سورا واحدا، وانقرض أمر مغراوة من فاس والبقاء لله سبحانه وتعالى.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق