3123
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد السابع
القسم الأول
صفحة 3 -150
الخبر عن الدولة الأولى لبني يفرن بالمغرب الأوسط والأقصي ومبادىء أمورهم ومصايرهم:
كان لبني يفرن من زناتة بطون كثيرة وكانوا متفرقين بالمواطن، فكان منهم بإفريقية بنو واركوا ومرنجيصة وغيرهم كما قدمناه، وكان منهم بنواحي تلمسان ما بينها وبين تاهرس أمم كثير عددهم وهم الذين اختطوا مدينة تلمسان كما نذكره بعد. ومنهم أبو قرة المنتزي بتلك الناحية لأول الدولة العباسية، وهو الذي حاصر عمر بن حفص بطبنة كما تقدم. ولما انقرض أمر أبي يزيد وأثخن المنصور فيمن كان بإفريقية من بني يفرن أقام هؤلاء الذين كانوا بنواحي تلمسان على وفودهم. وكان رئيسهم لعهد أبي يزيد محمد بن صالح. ولما تولى المنصور محمد بن خزر وقومه مغراوة، وكان بينه وبين بني يفرن هؤلاء فتنة هلك فيها محمد بن صالح على يد عبد الله بن بكار من بني يفرن، كان متحيزا إلى مغراوة. وولي أمره في بني يفرن من بعده ابنه يعلى فعظم صيته، واختط مدينة إيفكان.
ولما خطب عبد الرحمن الناصر طاعة الأموية من زناتة أهل العدوة واستالف ملوكهم، سارع يعلى لإجابته واجتمع عليها مع الخير بن محمد بن خزر وقومه مغراوة، وأجلب على وهران؛ فملكها سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة من يد محمد بن عون، وكان ولاه عليها صولات اللميطي أحد رجالات كتامة سنة ثمان وتسعين ومائتين فدخلها يعلى
عنوة على بنيه وخربها. وكان يعلى قد زحف مع الخير بن محمد إلى تاهرت، وبرز إليه ميسور الخصي في شيعته من لماية؛ فهزموهم وملكوا تاهرت، وتقبضوا على ميسور وعبدالله بن بكار؛ فبعث به الخير إلى يعلى بن محمد ليثأر به فلم يرضه كفؤا لدمه، ودفعه إلى من ثأر به من بني يفرن. واستفحل سلطان يعلى في ناحية المغرب، وخطب على منابرها لعبد الرحمن الناصر ما بين تاهرت إلى طنجة.
واستدعى من الناصر تولية رجال بيته على أمصار المغرب: فعقد على فاس لمحمد بن
الخير بن محمد بن عشيرة، ونسك محمد لسنة من ولايته، واستأذن في الجهاد والرباط بالأندلس فأجاز لذلك واستخلف على عمله ابن عمه أحمد بن عثمان بن سعيد، وهو الذي اختط مأذنة القرويين سنة أربع وأربعين كما ذكرناه. ولم يزل سلطان يعلى بن محمد بالمغرب عظيماً إلى أن أغزى المعز لدين الله كاتبه جوهر الصقلي من القيروان إلى المغرب سنة سبع وأربعين. فلما فصل جوهر بالجنود عن تخوم إفريقية بادر أمير زناتة بالمغرب يعلى بن محمد اليفرني إلى لقائه والإذعان لطاعته والانحياش إليه، ونبذ عهد الأموية، وأعمل إلى لقيه الرحلة من بلده إيفكان وأعطاه يد الانقياد. وعهد البيعة عن قوص بني يفرن وزناتة، فتقبلها جوهر وأضمر الفتك به، وتخير لذلك يوم فصوله من بلده.
وأسر إلى بعض مستخلصيه من الأتباع؛ فأوقعوا نفرة في أعقاب العسكر طار إليها الزعماء من كتامة وصنهاجة وزناتة، وتقيض على يعلى فهلك في وطيس تلك الهيعة فغص بالرماح على أيدي رجالات كتامة وصنهاجة، وذهب دمه هدرا في القبائل. وخرب جوهر مدينة إيفكان، وفرت زناتة أمامه، وكشف القناع في مطالبتهم. وقد ذكر بعض المؤرخين أن يعلى إنما لقي جوهرا عند منصرفه من الغزاة بمدينة تاهرت، وهنالك كان فتكه به بناحية شلف، فتفرقت بعدها جماعة بني يفرن وذهب ملكهم فلم يجتمعوا إلا بعد حين على ابنه بدوي بالمغرب كما نذكره. ولحق الكثير منهم بالأندلس كما يأتي خبره في موضعه، وانقرضت دولة بني يفرن هؤلاء إلى أن عادت بعد مدة على يد يعلى بفاس. ثم استقرت آخراً بسلا وتعاقبت فيهم هنالك إلى آخرها كما نذكره إن شاء الله تعالى.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق