315
فتوح الشام ( للواقدي )
فلما وقفت بين يديه قدمت له الهدايا وهمت أن تسجد له فنهاها وقال: إن الله قد أعزنا بالإسلام وأنقذنا من الضلال بمحمد صلى الله عليه وسلم فأزال عن قلوبنا الغل والحسد واتباع الهوى وشرفنا بالتحية ونزهنا أن يسجد بعضنا لبعض وما يرغب في ذلك إلا الجبابرة من ملوك الأرض وإن الله يقول: العظمة ردائي والكبرياء إزاري فمن نازعني فيها قصدته ولا أبالي ومارية تفهم ما يقوله فلما انتهى قالت: أيها الملك إن الله بهذا نصركم علينا.
قال لها: فمن أنت.
قالت: أنا مارية بنت أرسوس بن جارس صاحب ماردين وإن الذي بأيديكم أسيرًا هو بعلي ولا صبر عليه وهو عمودا فلما كثرت فكرتي فيه واشتد شوقي إليه رأيت المسيح في نومي والحواريين وقد أمرني باتباعكم وقد أتيت إليكم بهذه النية بأن أتبع دينكم وأسلم لكم القلعتين قلعتي وقلعة أبي على شرط أن تبقوني في قلعتي ولا تغيروا من أمري شيئًا وأقيم أنا وبعلي فيها وأكون الحاكمة على أهل بلدي.
قال فتبسم عياض من قولها وقال: يا مارية أما إنك ما أتيت إلينا إلا لتنصبين علينا بسبب بعلك وكيف يكون هذا بعلك وهو ولدك وحديثه كذا وكذا.
قال فلما سمعت الجارية الحديث من عياض بن غنم امتقع لونها وتغير كونها وقالت له: يا سيدي ومن أين لك هذا وأن عمودا ولدي وهو ولد الملك شهرياض.
قال لها رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة وحدثني بذلك كله.
فقالت: إني أريد أن أراه فإن كان ولدي فإن لي فيه علامة فأمر عياض بن غنم بحضوره فأتى به سعيد بن زيد فلما نظرت إليه ووقعت عينها عليه ورأت الشامة التي على خذه وزيادة أذنه ورأت عصابتها وما فيها من الجواهر صاحت صيحة عظيمة أذهلت من حضر وترامت عليه والتزمته وقالت: لا شك ولدي وقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله.
قال ونظر الغلام إلى أمه فتحرك الدم في بدنه فغشي عليه من البكاء فلما أفاق بكى بكاء شديدًا هو وأمه فلما سكتا قال لهما عياض: قد وجب عليكما أن توحدا الله شكرًا على ما أنعم عليكما فإنه يزيد الشاكرين ورحمته قريب من المحسنين ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ليس له حد ولا قبل ولا بعد هو الأول وعليه المعول وهو الأخر وله المفاخر.
قال فلما سمع عمودا ما قاله عياض قال: والله ما في قولك زور ولا محال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله.
قال فلما نظرت مارية أمه إليه وقد أسلم وافقته في الحال وعرجت عن طريق المحال وشهدت لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة.
فقال عياض بن غنم ومن حضر من المسلمين: تقبل الله منكما إسلامكما ووفقكما واعلما أن الله قد طهر قلوبكما وغفر ذنوبكما فاستأنفا العمل ولكن كيف السبيل إلى هذه القلعة المنيعة.
فقالت: أبشر فإن أصحابكم أسروا عند حران وقد وجههم شهرياض إلي لأفدي بهم منكم هذا الغلام عمودا وقد سيرتهم إلى قلعتي وها أنا أسير إليهم وأحصلهم في قلعة أبي وأفك أسرهم وأملك بهم القلعة إن شاء الله تعالى.
فقال لها عياض: لقد وفقك الله في كل حال وصرف وجهك عن المحال ولقد صعب علي أسر أصحابي ولكن قد طاب قلبي بما قلت من الصواب فدعي ولدك عندنا وارجعي إلى أبيك فإذا رأيتيه فقولي له: قد تفت حيلتك علينا فإذا حصلت عند أصحابنا فافعلي ما فيه الصلاح.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق