133
فتوح الشام ( للواقدي )
ثم أقبل عمر بن الخطاب يمشي راجلًا ومعه عثمان بن عفان والعباس وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف فلما قربوا من الجيش وقف عمر والناس حوله وقال لسعيد بن عامر: يا سعيد إني وليتك على هذا الجيش ولست بخير رجل منهم إلا أن تتقي الله فإذا سرت فارفق بهم ما استطعت ولا تشتم أعراضهم ولا تحتقر صغيرهم ولا تؤثر قويهم ولا تتبع هواك ولا تسلك بهم المفاوز واقطع بهم السهل ولا ترقد بهم على جادة الطريق والله تعالى خليفتي عليك وعلى من معك من المسلمين فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: اسمع وصية إمامك أمير المؤمنين الذي ختم الله تعالى به الأربعين وسميت به الأمة مؤمنين وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن تطيعوه تهتدوا وترشدوا). فسر يا سعيد وإذا وصلت إلى أبي عبيدة والتقى بكم
الجيش الذي لا تلقون مثله وصعب عليكم أمره فاكتبوا إلى أمير المؤمنين عمر حتى يوجهني إليكم حتى أقلب أرض الشام على من فيها من المشركين إن شاء الله تعالى.
قال فسار ابن عامر وهو يقول: نسير بجيش من رجال أعزة على كل عجعاج من الخيل يصبر إلى شبل جراح وصحب نبينا لننصره والله للدين ينصر على كل كفار لعين معاند تراه على الصلبان بالله يكفر قال: وسار يجد السير.
قال سعيد بن عامر: وكنت عارفًا ببلاد الشام وطرقه وكنت أسير إليه في السنة مرة أو مرتين عسفًا من غير جادة طريق أسير على الكواكب فلما سرت من المدينة وأنا بين يدي المسلمين سلكت بهم على طريق بصرى فضللت عن الطريق وعدلت عن الجادة وأنا محترز من العدو وخائف على المسلمين فجعلت أحيد عن العمارات وأسلك الفلاة توفيقًا من الله وإكرامًا ولطفًا بعباده المؤمنين فلما ضللت أشكل علي الطريق كأني ما سلكته يومًا قط فوقفت حائرًا حتى تلاحق بي المسلمون فلم أعلمهم بأمري ولا أني ضللت عن الطريق وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسرت يومين وليلتين وأنا أتيه بالناس والمسلمون يسألونني كن ذلك وأنا أقول لهم إني على طريق فلما كان في اليوم العاشر من مسيرنا من المدينة لاح لي جبل عظيم فنظرت إليه وحققته فلم أعرفه فقلت: غررت والله بالمسلمين وأنا أقول في نفسي: أترى هذا جبل بعلبك وقد سهل علينا الطريق وكان الجبل قد لاح لنا من بعيد من أول النهار وما أدركناه إلا والليل قد أقبل فلما صرنا بقربه اعترضنا واد عظيم فيه شجرة عظيمة كبيرة قال فلما تأملت الشجرة عرفتها وقلت لأصحابي: أبشروا فقد وصلنا إلى بلاد الشام وفتح المسلمين ودخلنا الوادي وإذا به وعر ليس فيه جادة ولا طريق فلحق المسلمين من هوله تعب عظيم.
قال سعيد بن عامر وكان أكثر المسلمين رجالة وإنما كان يحمل بعضهم بعضًا ويتعقبون على ظهور الخيل والإبل.
فلما نظرت المسلمون إلى وحشة ذلك الوادي ووعورة مسلكه قالوا: يا سعيد إنا نظن أنك قد أخطأت الطريق وسلكت بنا غير طريقنا فأرحنا في هذا الوادي قليلًا فقد أضر بنا المسير قال فأجبتهم إلى ذلك وكان في الوادي عين ماء غزيرة فنزل المسلمون عليها فشربوا وسقوا خيلهم وإبلهم ورعت الخيل والجمال ورق الشجر ونام أكثر الناس وبعضهم يصلي على محمد.
قال سعيد بن عامر: وكنت جلست في آخر الناس أحرسهم وأنا أتلو القرآن العظيم وأدعو الله لنا بالسلامة إذ غلبتني عيني فنمت فرأيت في منامي كأني في جنة خضراء كثيرة الأشجار والثمار وكأني آكل من ثمرها وأشرب من أنهارها وأجني من ثمرها وأناول أصحابي وهم يأكلون وأنا فرح مسرور.
فبينما أنا كذلك إذ خرج من بين تلك الشجر أسد عظيم فزأر في وجهي وهم أن يفترسني.
وأنا من ذلك فزع مرعوب إذ خرج على الأسد أسدان عظيمان فصرعاه في موضعه فسمعت له خوارًا عظيمًا فانتبهت من نومي وحلاوة ذلك الثمر في فمي والأسود تتمثل بين يدي.
قال سعيد بن عامر: ففسرتها أنها غنيمة يأخذها المسلمون ويمنعنا منها مانع ونظفر به.
فقلت في نفسي: الجنة هي الشهادة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق