131
فتوح الشام ( للواقدي )
فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أبشروا رحمكم الله تعالى فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله تعالى يختبر بها عباده المؤمنين لينظر أفعالهم وصبرهم فمن صبر واحتسب كان عند الله من الصابرين واعلموا أن هذه الوقعة هي التي ذكرها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يبقى ذكرها إلى الأبد هذه الدائرة المهلكة فقال العباس: على من هي يا ابن أخي فقال: يا عماه على من كفر بالله واتخذ معه ولذا فثقوا بنصر الله عز وجل ثم قال لعمر: يا أمير المؤمنين اكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتابًا وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا فيوشك أنه في أمر عظيم فقام عمر ورقى المنبر وخطب خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وذكر فضل الجهاد ثم نزل وصلى بالمسلمين فلما فرغ من صلاته كتب إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح ومن معه من المهاجرين والأنصار سلام عليكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد فإن نصر الله خير لكم من معونتنا واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير يهزم الجمع القليل وإنما يهزم بما أنزل الله من النصر وأن الله عز وجل يقول: {ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين}. [الأنفال: 19]. وربما ينصر الله العصابة القليل عددها على العصابة الكثيرة وما النصر إلا من عند الله وقد قال تعالى: {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} [الأحزاب: 23] الآية يا طوبى للشهداء ويا طوبى لمن يتكل على الله.
فالق العدو بمن معك من المسلمين ولا تيأس بمن صرع من المسلمين فقد رأيت من صرع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عجزوا عن عدوهم في مواطن كثيرة حتى قتلوا في سبيل الله ولم يهابوا لقاء الموت في جنب الله تعالى بل جاهدوا في سبيل الله حق جهاده {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 148]. فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين وأمرهم أن يقاتلوا العدو في سبيل الله عز وجل واقرأ عليهم {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [البقرة: 189]. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم طوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن قرط وقال له: يا ابن قرط إذا أشرفت على المسلمين وقد استوت الصفوف فسر بين صفوف الموحدين وقف على أصحاب الرايات منهم وخبرهم أنك رسولي إليهم وقل لهم إن عمر بن الخطاب يسلم عليكم ويقول لكم: يا أهل الإيمان اصدقوهم الحرب عند اللقاء وشدوا عليهم شد الليوث واضربوا هاماتهم بالسيوف وليكونوا عليكم أهون من الذباب فإنكم المنصورون عليهم إن شاء الله تعالى ثم اقرأ عليهم {ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المائدة: 56].
قال عبد الله بن قرط: قلت له: يا أمير المؤمنين ادع الله تعالى لي بالسلامة والسرعة في السير.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم ارحمه وسلمه واطو له البعيد إنك على كل شيء قدير.
قال عبد الله بن قرط وخرجت من المسجد من باب الحبشة فقلت في نفسي: لقد أخطأت في الرأي إذ لم أسلم على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أدري أراه بعد اليوم أم لا قال عبد الله: فقصدت حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنه جالسة عند قبره وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه والعباس جالسان عند القبر والحسين في حجر علي والحسن في حجر العباس رضي الله عنه وهم يتلون سورة الأنعام وعلي رضي الله عنه يتلو سورة هود فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه: يا ابن قرط عولت على المسير إلى الشام.
فقلت: نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أظن أن أصلى إليهم إلا والجيش قد التقى والحرب دائرة وإذا أشرفت عليهم لا يرون معي مدادًا ولا نجدة خشيت عليهم أن يهنوا ويجزعوا وكنت أحب أن أصل إليهم قبل التقائهم بعدوهم حتى أعظهم وأصبرهم.
فقال علي رضي الله عنه: فما منعك أن تسأل عمر بن الخطاب أن يدعو لك أما علمت يا ابن قرط أن دعاءه لا يرد ولا يحجب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: (لو كان نبي ثان بعدي لكان عمر بن الخطاب). أليس هو الذي يوافق حكمه حكم الكتاب حتى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلا عمر بن الخطاب). أما علمت أن الله تعالى أنزل فيه آيات بينات أما هو الزاهد التقي: أما هو العابد أما هو المشبه بنوح النبي فإن كان هو قد دعا لك فقد قرن دعاؤه بالإجابة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق