إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 1 يوليو 2015

32 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 3 - إثباتُ الأديانِ بالعلم: 1- نفيُ الصدفة:



32


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

3 - إثباتُ الأديانِ بالعلم:

1- نفيُ الصدفة:

يقول العالم الرياضيّ والفلكيّ الإنجليزيّ المعروف (فريد هويل):

"إنّ ظهور خليّة حيّة للوجود عن طريق الصدفة، يشبه ظهور طائرة بوينج ـ 747 عن طريق الصدفة، نتيجة هبوب عاصفة على محلات لأدوات الخردة"!!!!!!!!!!!!!



الصدفةُ هي أيُّ أمرٍ عشوائيٍّ يحدثُ بدونِ قاعدة، أو خروجًا عن قاعدةٍ معروفة، بحيثُ لا يمكنُ التنبّؤُ به قبلَ حدوثِه، ولا يتكرّرُ حدوثُه إلا نادرًا.

وأصدقاؤنا إيّاهم يقولونَ إنّ الكونَ نتجَ بالصدفة.. هنا لا بدَّ أن نتساءل:

-         لماذا صارتِ الطاقةُ لا تفنى ولا تستحدثُ من العدم، رغمَ أنّها نشأت من العدمِ عن طريقِ الصدفة؟

-         لماذا تشرقُ الشمسُ كلَّ يومٍ صدفة؟

-   لماذا تساوي عجلةُ الجاذبيّةِ الأرضيّة 9.8، وسرعةُ الضوء 300 ألف كيلومترا في الثانية، وعددُ ضرباتِ القلبِ 70 ضربةً في الدقيقة، صدفة؟

-   لماذا يحتوي جسدُ الإنسانِ على ملياراتِ الخلايا، كلّ خليّةٍ لها نواة، كلُّ نواةٍ بها صبغيّات، كلُّ صبغيّ عليه شريطٌ من الحمضِ النوويّ، يحتوي على 6.2 مليار قاعدةٍ نيتروجينيّة، تحتاجُ إلى 100 ألف صفحةٍ ضخمةٍ لتدوين تتابعاتِها الموجودة على شريط DNA واحد، في خليّة واحدةٍ من خلايا جسم الإنسان، التي يتجاوزُ مجموعُ أطوالِ ما بها من شرائط DNA في جسم إنسانٍ واحد المسافةَ بينَ الأرضِ والشمس.... صدفة؟!!

-   لماذا يولد أغلبنا أسوياء الجسد، رغم أنّ التشوهات لا تحتاج إلا لخلل بسيط في ترتيب قواعد DNA وهو لا يحتاج إلا.... لأتفه صدفة؟؟!

-         لماذا يميلُ الذكرُ للأنثى صدفةً؟

-         لماذا نحبُ ونشعرُ ونحلمُ ونتألّمُ صدفة؟

-         لماذا يوجدُ لدى كلِّ إنسانٍ مخٌّ صدفة؟

-         لماذا لا تظهرُ الأشياءُ وتختفي صدفة؟

-         لماذا لا يطيرُ الإنسانُ صدفة؟

-         لماذا لا ننسى التاريخَ ونبدأَ من جديدٍ صدفة؟

-         لماذا لا يوجدٌ إنسانٌ خالدٌ لا يموت صدفة؟

-         لقد طالَ انتظاري.. ألن أنتقلَ إلى المرّيخ صدفة؟؟!!

-         ها هاي.. من أينَ نبتَ هذان القرنان في رأسك؟.. طبعا صدفة!

أعتقدُ أنّك قد فهمتَ ما أعنيه.. إنَّ الكونَ يا صديقي مبنيٌّ على "قوانين" دقيقةٍ محكمة، ولا عَلاقَةَ له بهذه الصدفةِ المزعومةِ التي حدثت مرّةً واحدةً ثمّ انتقلتْ إلى رحمةِ الله!!

ثمّ تعالَ نتساءل: لو كانت هذه الصدفةُ موجودةً قبلَ وجودِ الكون، فمن الذي أوجدَها؟.. لا بدّ أنّ هناك إلها أوجدَ هذه الصدفة!!.. أو ربّما هي صدفةٌ أخرى أوجدت هذه الصدفة، عن طريق صدفةٍ ثالثةٍ أوجدتها صدفةٌ رابعة..... إلى ما لا نهاية!!!!

أمّا لو كانت هذه الصدفةُ قد جاءت من تلقاءِ نفسِها وبدون أيّ صدفٍ أخرى، فهذا يعنى أنّها صدفةٌ خالقةٌ مبدعة تتحكّم في الكونِ وتضع القوانين، ولا يتحكّم فيها شيء.. أو بمعنى آخر: إله!!!.. ولو لم تدّعِ هذه الصدفةُ الألوهيّة ـ ولن يلومها أحد لو ادّعتْها ـ لكانَ من واجبِنا نحنُ أن نُقدّرَها حقَّ قدرِها ونعبدَها!!

أليس هذا أدعى ليرفضَه هؤلاءِ الذينَ يدّعونَ التفكيرَ العلميَّ، بدلا من رفضِهم لوجود الله؟!!

يا لهم من سذّجٍ حمقى!!!!

إنّ هؤلاء الذين يدّعونَ المنهجَ العلميَّ في التفكير، رفضوا وجود اللهِ سبحانَه، زعما بأنّنا نهرب لهذه الفكرةِ حتّى نريح أنفسَنا من التفكير في كلّ الأسئلة التي بلا إجابة!

المثير للسخرية ـ بل للشفقة ـ أنّهم لم يحلّوا هذه الأسئلة بدورِهم، بل وتهربوا منها بإجابة مضحكةٍ سخيفةٍ اسمها الصدفة!!!!

كلُّ هذا حتّى يُقنعوا أنفسَهم أنّهم لن يحاسبوا بعدَ الموت؟؟؟؟!!!!!

وبمقارنة بسيطة بين فكرة الله والصدفة، سنجد أنَّ اللهَ قد أرسلَ الرسلَ بنفسِ المنهجِ على مرّ العصور ليؤكّدَ وجودَه ويرشدَ الناس إلى عبادته، بينما الصدفة لم تفعل أيَّ شيءٍ يدلُّ على وجودِها، ولا يوجد أدنى دليلٍ على حدوثِها (مثل قطعةٍ مهملةٍ من العدمِ لم تؤثّر عليها الصدفة، مكتوب عليها بخطوط بارزة: حدث قبل الصدفة!!).

هذا بخلاف أنّ الذين يؤمنون بالله يتّسمونَ بالاتزانِ النفسيِّ وحبّ الحياة والناس والمخلوقات جميعا، يلتزمون بالأخلاقِ التي اتّفقت كلّ الأمّم على أنّها حميدة، ويبتعدون عن الرذائل قدرَ الإمكان، ويضحّونَ بأنفسِهم في سبيلِ أهلهم وأوطانِهم وأديانِهم إذا جدّ الجدّ، لأنّهم يؤمنون بأنّ هناك حياة أخرى.

أمّا الذين يؤمنون بالصدفة، فهم يشعرون بعبثيّةِ الحياة، ويحتقرون الدنيا بل ويحتقرون أنفسهم، ولا ينتمون لأيّ شيءٍ ولا لأيّ شخص، لأنّه لا يوجد ما يمكن أن يضحّوا في سبيله بالحياة الوحيدة التي يمتلكونَها، وإن كانت مشاعر الملل والكآبة والاكتئاب التي تزحف على نفوسهم باطّراد سببا كافيا لإقدامهم على الانتحار، مع أيّ مشكلةٍ معقّدةٍ تواجههم أو أيّ ألمٍ يلمُّ بهم!

أعتقد أنّ على متبنّي نظريّة الصدفة أن يبحثوا عن حلّ آخر بديل، فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أنّها حلٌّ فاشلٌُ شديد الوبال على البشر والمجتمعات!!




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






31 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 3 - إثباتُ الأديانِ بالعلم:


31

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

3 - إثباتُ الأديانِ بالعلم:

إنَّ ما يدهشُكَ أساسًا، هو أنَّ التطوّرَ المذهلَ للمعارفِ البشريّةِ، بدلا من أن يُعيدَ المارقينَ إلى حظيرةِ الدين، نظرًا لما في هذا التطوّرِ من تأكيدٍ على إبداعِ الخالقِ ودقّةِ الكونِ وإحكامِه، تجدُهم يزدادونَ غيًّا!

ما رأيُكَ إذن أن نرى كيفَ تُثبِتُ العلومُ الأديانَ، رغمَ أنفِ الملحدين:

1-  نفيُ الصدفة:
2-  تحجيم العلم:
3-  تحجيم المنطق:
4-  إثباتُ الأديانِ إحصائيّا:
5-  إثباتُ البعث:


وفيما يلى شرح كل على حده



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







30 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 2 - التشكيكُ في الأديان:


30

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

2 - التشكيكُ في الأديان:

عبرَ كلِّ ما سبق، نستطيعُ ملاحظةَ ما يلي:

1- رغمَ أنَّ تلكَ الفلسفاتِ والنظريّاتِ قد أفادتِ العلمَ والفكرَ البشريَّ إفاداتٍ لا تُنكر، وأدّى تنقيحُها وتطويرُها إلى تطوّرِ وتعمّقِ المعرفةِ البشريّة، إلا إنَّ ذلك لا ينفي أنّها بمفردِها نظريّاتٌ قاصرة، حاولتْ كلٌّ منها أن تفسّرَ الإنسانَ ـ ذلك الكائنَ المعقّدَ ـ على ضوءِ عاملٍ واحدٍ فقط من العواملِ المحيطةِ به أو الداخلةِ في تكوينِه.. وبالطبعِ فإنَّ هذا العاملَ مهما كانَ قويًّا مُسيطرًا، لا يمكنُ وحْدَه أن يكونَ التفسير.. فالإنسانُ ليسَ قردًا متطوّرًا، كما أنّه ليس إشراطاتِ الطفولةِ والجنس، لا ولا هو بضعةُ عواملَ وراثيّةٍ، وقطعًا ليسَ لعبةً في يدِ التاريخِ والاقتصادِ والحراكِ الاجتماعيِّ وصراعِ الطبقات.. لقدِ انتشرتْ هذا القناعاتُ على نطاقٍ واسع، وأدّتْ إلى ضياعِ الفروقِ بينَ الإنسانِ والحيوان، مع حماسِ الكثيرينَ للتعويضِ عن فقدانِ مركزِهم الرّوحيِّ بالعودةِ إلى حيوانيّتِهم وسْطَ جوٍّ من الصخبِ والابتهاج، فارتفعَ شأنُ الجسد، وأصبحَ العملُ على استمرارِه عملا مُجزيًا، وراجتْ سوقُ الصّورِ العارية، والموضاتِ الفاضحة، ورُدَّ الاعتبارُ للجنس، وشُرِعَ في استغلالِه، لإبرازِ الروابطِ الواضحةِ التي تربطُنا بإخوانِنا الأدنى مرتبة!، لدرجةِ أنَّ (كنزي) في عامِ 1948 نشرَ تقريرًا أثارَ ضجّةً واسعةً حولَ تطبيقِه أساليبَ العلومِ التجريبيّةِ على دراسةِ السلوكِ الجنسيِّ للإنسان[1].. وليسَ الجنسُ فحسب، بل المعدةُ أيضًا، وكلُّ ما يتّصلُ بالمتعِ السريعةِ والرفاهية، مع طغيانِ الغثِّ والبذيءِ على كلِّ ما له صلةٌ بالفكرِ والرّوح.

2- أدّى فقدانُ النبراسِ الديّنيِّ والروحيِّ للإنسانِ ـ حتّى وإن بلغَ مخُّه ذروةَ الذّكاء ـ إلى أن يدورَ حولَ نفسِه في يأس، ويُحبسَ فكرُه في فقّاعةٍ لا فرارَ منها، ويُثبَّطَ كلُّ طموحٍ له إلى الحرّيّة، الأمرُ الذي يذكّرُنا بالزنبورِ يتخبّطُ بلا هدفٍ على زجاجِ نافذةٍ مغلقة.. إنّه إنسانٌ بلا سببٍ.. إنسانٌ بلا هدف.. أم تُرانا نقولُ: حيوان؟!!

3- من الملاحظِ ـ كما رأيتَ ـ أنَّ التشكيكَ في الأديانِ قد أُقحمَ إقحامًا على أيّةِ نظريّةٍ أو اكتشافٍ جديد، ويبدو أنَّ ذلكَ قد أتى بمفعولِه جيّدًا، فمثلُ تلكَ النظريّاتِ كانتْ تبدأُ بمقدّماتٍ منطقيّة، وتؤدّى إلى استنتاجاتٍ يبدو للوهلةِ الأولى أنّها منطقيّة، وأحيانًا كان تفنيدُها يحتاجُ لسنواتٍ أخرى من البحثِ والدراسة، وضمنَ هذا السياق، كانَ الدينُ يُساقُ ليُذبحَ على مذابحَ وهميّة!.. كما أنّه من الواضحِ أنَّ التحريفَ الذي لحقَ بالمسيحيّةِ عبرَ العصورِ قد جعلَها تصطدمُ مع اكتشافاتِ العلم، ومع عقولِ العلماءِ والمفكّرين، الذينَ بدلا من أن يبحثوا عن مواضعِ التحريفِ فيها، أعلنوا عدمَ وجودِ إلهٍ من أساسِه!.. وبالطبعِ لحقَ بهم من عندِنا كلُّ الأغبياءِ الذينَ يظنّونَ أنَّ كلَّ ما يقولُه الغربُ هو الصوابُ بعينِه، والذينَ يقدّمونَ لنا باستمرارٍ وبمنتهى الحماسِ برازَ الغربِ على أنّه (تورتة) فاخرة، والويلُ كلُّ الويلِ لمن لا يتلمّظُ ويلتهمُ بمنتهى الاشتهاء!

4- إنَّ السؤالَ الذي يستوقفُني كثيرًا هو: إذا كانَ هناكَ من لا يعتقدُ بالأديانِ السماويّةِ ـ وهذه حرّيّةٌ منحتْها له هذه الأديانُ نفسُها مع تحذيرٍ بالعقابِ في الآخرة ـ فما الفائدةُ التي تعودُ عليه من تشكيكِ الناسِ في عقائدِهم؟.. ما الذي ستستفيدُه المجتمعاتُ من بشرٍ كفروا بأديانٍ تدعوا إلى البرِّ والرحمةِ والعدلِ والاعتدالِ واحترامِ حقوقِ الآخرينَ والابتعادِ عنِ الفواحشِ والرذائلِ وكلِّ ما هو ضارٌّ ومدمّر، إلى آخرِ ما تدعو إليه الأديانُ مما يُقيمُ دعائمَ المجتمعِ ويحفظُ حقوقَ الفرد؟.. وهل يكفي القانونُ وحْدَه بديلا للدين، مع ملاحظةِ أنّ دورَه يمثّلُ ردَّ الفعلِ أو العقاب، وليسَ الدافع؟.. وهل يمكنُ أن يؤمنَ بقانونِ الأرضِ مَنْ تمرّدَ وكفرَ بقانونِ السماء؟!.. المجتمعاتُ من حولِنا تُجيب!



[1] سيتساءلُ البعضُ في تعجّب: لماذا هذا التحذيرُ الزائدُ منَ الجنسِ والإباحيّة؟.. وهؤلاءِ ـ بخلافِ أنّهم يُغفلونَ القيمَ الدينيّة ـ ينسونَ أنَّ الحياةَ البشريّةَِ مجموعةً منَ المفاهيمِ، حينما ينفرطُ عقدُها وتفقدُ قيمتَها، يضيعُ الحافزُ للحياةِ نفسِها.. لا غروَ إذن أن تنهارَ الروابطُ الاجتماعيّةُ في الغربِ مع ازديادِ الإباحيّة، وينهارَ الفردُ نفسُه بالانحرافِ إلى الإجرامِ أو الإصابةِ بالأمراضِ النفسيّةِ والعصبيّةِ أو الإقدامِ على الانتحار.. ولمن يريدُ المزيدَ من التفاصيلِ حولَ الأثرِ المدمّرِ للإباحيّةِ على الأطفالِ والمراهقين، فعليه بقراءةِ الفصلِ المعنونِ بـ "خطورةُ الإباحيّة".



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




29 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 9- البنيويّة وما بعد الحداثة:



29


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

9-  البنيويّة وما بعد الحداثة:

بعدَ موتِ الإله، أعلنتِ البنويّةُ موتَ الإنسانِ نفسِه، حيثُ لم يعُدْ إلا فكرةً تخلو من المضمون، ولم يعُدْ باقيًا سوى مجموعاتٍ بنويّةٍ من الثقافاتِ واللغاتِ التي تُعدُّ ظواهرَ موضوعيّة.. أمّا الإنسانُ فهو مجرّدُ ظاهرةٍ عارضةٍ جاءتْ نتاجًا للتّطوّرِ والبيئة، وهو حبيسُ بِنَىً باطنيّةً (عقليّةً)، وبِنَىً خارجيّةً (اجتماعيّة) سبقتْه إلى الوجود، وهي تُشكّلُه وتوقعُ به وتُغرّبُه في كافّةِ شئونِه وأحوالِه.



هذا وتعتبر فلسفة "ما بعد الحداثة" أهم تعبير أيديولوجي عن العولمة.. ويطلق عليها أيضا anti-foundationalism أيّ "ضد الأساس" أو "رفض المرجعيات", مما يعني السقوط في اللاعقلانية الكاملة.

وقد وصف (رورتي) ما بعد الحداثة أنها تعني أن الإنسان لن يقدّس شيئا حتى ولا نفسه, فهي ليست معادية للدين والأخلاق وحسب, بل معادية للإنسان ذاته!

وقد شبه الفيلسوف مابعد الحداثي (ليوتار) علاقة الإنسان بالواقع, بعلاقة الرجل الساذج (أو المشاهد الساذج) بالمرأة اللعوب: يظن أنه أمسك بها, ولكنها تفلت منه دائما!.. الأمر الذي يعني أن علاقة العقل بالواقع غير قائمة.

ويذهب كل من (فريدريك نيتشه) و(رولان بات) و(جاك دريدا) إلي أن تحطيم المقولات العقلية واللغوية هي عملية ذات طابع جنسي: ذوبان وسيولة.

بل إن بعض دعاة ما بعد الحداثة ورفض المرجعيات يرون أن جسد المرأة, هو مرجعية ذاته, ولذا فهو تحدّ للعالم الثابت الذي له مركز ويمكن إدراكه عقليا!!

وفي كتابها الشهير "ضد التفسير" ـ الذي يؤرخ لظهور ما بعد الحداثة بتاريخ نشره ـ قالت (سوزان سونتاج) إن أكبر تحدّ للثوابت والعقل هو الجسد ((ولتلاحظ ما يحدث لعقلك وفهمك حينما تشاهد رقصة مثيرة!!)) وهذا الجسد لا علاقة له بأي خصوصية تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية, ولذا فهو يقوّض الذاكرة الاجتماعية والتاريخية.

وهذا هو جوهر ما بعد الحداثة, أي أن كل إنسان يعيش داخل ما يسمونه قصته الصغرى, أي رؤيته للعالم.. أما القصة الكبرى الاجتماعية التاريخية التي تنضوي تحتها كل القصص الصغرى فلا وجود لها, فتتساقط القيم والمرجعيات ويظهر العري والإباحيّة, والشركات عابرة القارات التي تودّ أن يكون الإنسان حزمة نمطية من الرغبات الاقتصادية والجسمانية التي يمكن التنبؤ بسلوكها, حتى يمكن التحكم في صاحبها وتوظيفه داخل منظومة السوق (والكباريه)[1]!!



وبالطبعِ إذا سلّمنا بكلّ هذا، فإنَّ موتَ الإنسانِ يؤذنُ بموتِ الفنّ، فالفنُّ يولدُ من الإنسان.. ليسَ هذا فحسب، بل إنَّ أشدَّ المفكّرينَ تشاؤمًا يقولُون: إذا كان القرنُ التاسع عشرَ قد قتلَ الإله، وقتلَ القرنُ العشرونَ الإنسان، فقد بقيَ على القرنِ الحادي والعشرينَ أن يقتلَ الطبيعة!



[1] هذا المقطع من مقال د. عبد الوهاب المسيري "الفديو كليب والجسد والعولمة"، وستصادفه كاملا في هذا الكتاب.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ










28 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 8- موتُ الإله:



28


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

8-  موتُ الإله:

عندما أعلنَ الفيلسوفُ (نيتشه) موتَ الإله، لم يكُن هذا أبدًا يمثّلُ رأيَه وحْدَه.. فوسْطَ هذا الضبابِ الشائِه، الذي بدا فيه الإنسانُ مخلوقًا تافهًا بالنسبةِ للكون، تتحكّمُ فيع عواملُ الوراثةِ وتأثيراتُ الطفولةِ والمجتمعُ والبيئةُ والتاريخُ والاقتصاد، تزعزعَ إيمانُ العلماءِ والفلاسفةِ بالغيبيّاتِ والروحانيّاتِ والأديان.. كما كانت ثقةُ العلماءِ بالعلمِ وما يمكنُ أن ينجزَه، دافعًا أساسيًّا لكي يُسوّلَ لهم غرورُهم أنّ ما يعرفونه بالفعلِ كافٍ لكي يقيّموا على أساسِه كلَّ شيء.. كلَّ شيءٍ حتى الخالقَ نفسَه.. وكان التساؤلُ على المنهجِ السببيّ: إذا كانَ اللهُ قد خلقَ الكون، فمن الذي خلقَ الله؟.. وكانَ الاستنتاج: بما أنَّها دائرةٌ مفرّغة، ولا يمكنُ الوصولُ إلى خالقٍ لم يُخلَق، ولا نعرفُ كيفُ وُجد إلهٌ بلا خالق، إذن فليس هناك إله، والكونُ قد جاءَ بالمصادفة.. وهكذا قنعَ العلمُ بأنَّ المصادفةَ التي لا تخضعُ لأيّةِ أسسٍ علميّةٍ هي أساسُ كلِّ هذه العلوم!.. لقد نسيَ هؤلاءِ أن يستنتجوا شيئًا هامًا: بما أنّنا لا نعرفُ كيف وجدتِ الصدفةُ إذن فهي غيرُ موجودة، وبما أنّنا لا نعرفُ كيف وُجدَ الكونُ إذن فهو غيرُ موجود!!


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









27 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 7- كونٌ شاسع:



27


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

7-  كونٌ شاسع:

مع اكتشافاتِ الفضاءِ المذهلة، اكتشفَ الإنسانُ أنّ كوكبَ الأرضِ الذي يعيشُ عليه، ما هو إلا قطرةٌ في محيطٍ شاسعٍ بالنسبةِ للمجموعةِ الشمسيّة، التي هي بدورِها قطرةٌ في محيطِ مجرّةِ دربِ التّبّانة، التي هي بدورِها قطرةٌ في محيطِ تجمّعِ المجرّاتِ المحلّيّ، التي هي بدورِها قطرةٌ في محيطِ الكونِ الذي لا تعرفُ له علومُنا المتطوّرةُ نهايةً.. كلُّ هذا جعلَ بعضَهم يتساءل: إن كانَ هناكَ إلهٌ حقًّا، فلماذا يتركُ كلَّ هذا الكونِ الهائل، ويختصُّ بإدراكِه ورسالاتِه مخلوقًا تافهًا على كوكبٍ تافهٍ في مجموعةٍ تافهةٍ في مجرّةٍ تافهة؟.. هذا إذا استطاعَ هذا الإلهُ المزعومُ أساسًا أن يدركَ أنَّ مثلَ هذا الإنسانِ موجودٌ فعلا!!!

لقد نسىَ مثلُ هؤلاءِ شيئًا صغيرًا جدًّا: إنّ الذي اكتشفَ كلَّ هذه الكشوفِ الفضائيّةِ، واكتشفَ من أبعادِ الكونِ المحيطِ به أكثر من 30 مليار سنة ضوئيّة، هو مخلوقٌ تافهٌ محدودُ العمر، يعيشُ على كوكبٍ تافهٍ في مجموعةٍ تافهةٍ في مجرّةٍ تافهةٍ!.. فما بالنُا إذن بخالقِ هذا الإنسان؟.. هل نستكثرُ عليه أن يقولَ في كتابِه: "لا يعزبُ عنه مثقالُ ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرض "؟.. سبحانَ اللهِ العظيم!


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







26 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 6- معادلاتٌ كيميائيّة:



26


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

6-  معادلاتٌ كيميائيّة:

في عصرِ العلمِ صارَ العقلُ هو كلَّ شيء، فالمشاعرُ عمليةٌ عقليّة، والقلبُ لا يشعُر، والأحاسيسُ تفاعلاتٌ كيميائيّةٌ وإشاراتٌ كهربيّةٌ يُرسلُها المخُّ فتؤثّرُ على معدّلِ نبضاتِ القلب، والحُبُّ يمكنُ أنْ يُتعاطى في كبسولاتٍ بمجرّدِ استخلاصِ الهرموناتِ التي تُثيرُه، ولا يُوجدُ ما يُسمّى مرضًا نفسيًّا، يوجدُ فقط مرضٌ عقليّ، نتيجةً لخللٍ في إفرازٍ هرمونٍ ما وراثيًّا أو نتيجةَ مؤثّرٍ ما!.. وهكذا يستمرُّ مسلسلُ تفريغِ الإنسانِ من روحانيّاتِه، ليصبحَ في النهايةِ مجموعةً من التفاعلاتِ الكيميائيّةِ يتحّكمُ فيها المخُّ!.. وإن كانَ هذا لا يجيبُ على السؤالِ الجوهريّ: ما الذي يتحكّمُ في هذا المخّ؟.. وهل أنا هو المخّ، أمّ أنّه مجرّدُ جزءٍ منّي؟.. بالإضافةِ إلى أنّ أحدًا ـ غيرَ اللهِ سبحانَه ـ لا يعلمُ ما هي الرّوح، ذلك الفارقُ الوحيدُ بينَ الجسدِ الحيِّ والجسدِ الميّت.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







25 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 5- الفرويديّة:



25


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

5-  الفرويديّة:

رغمَ أنَّ (فرويد) يعتبرُ أبا التحليلِ النفسيِّ، ودراستَه لهذا المجالِ قادتْ مَن بعدَه للترحالِ في غاباتِ النفسِ البشريّة، إلا إنَّ فرضيّاتِه كانتْ ذاتَ تأثيرٍ مدمّرٍ على العقائدِ والأديان، بل على نظرةِ الإنسانِ إلى نفسِه، فقدْ ردّت أفعالَ الإنسانِ وأحلامَه وآلامَه، إلى تجاربِ الطفولةِ والرغباتِ الدفينةِ في اللاشعور.. وليتَه اكتفى بهذا التبسيطِ المخلّ، فقد لخّصَ الحياةَ البشريّةَ كلَّها في غريزةِ الجنس، وفسّرَ كلَّ أفعالِ الطفولةِ والمراهقةِ والنضجِ على أساسِها، بل جعلَ التسامي عليها السببَ الرئيسيَّ لإبداعِ الفنانينَ والشعراءِ والأدباءِ والعباقرة.. ليسَ هذا فحسب، بل جعلَها الدافعَ لاختراعِ فكرةِ الدينِ والإله[1]!!!!

بالطبعِ لاقتْ مدرسةُ (فرويد) الكثيرَ من الانتقاداتِ من المدارسِ التي تلتْها، ولم يَعُدْ لها ذلكَ التأثيرُ المدمّرُ الذي أحدثتْه.. ولن أخوضَ هنا في الردِّ على كلامِ (فرويد)، ولكنّي سأذكرُ نقطةٍ ربّما غفِلَ عنها أثناءَ وضعِ فرضيّاتِه: لقدْ كانَ يجرى تحليلَه على المرضى النفسيّين، وما ينطبقُ على مثلِ هؤلاءِ بنفوسِهم المريضةِ المعقّدة، لا يمكنُ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ تعميمُه هذا التعميمَ المخيفَ على ملايينِ الأسوياءِ من البشر، لدرجةِ اعتبارِه أساسًا لتفسيرِ الإبداعِ والفنِّ وحتّى الدين!.. إنَّ مثلَ هذا التعميمِ يرفضُه العلمُ نفسُه، فبعدَ كلِّ هذه السنواتِ من التحليلِ النفسيِّ وعلمِ النفسِ والاجتماعِ والطبِّ النفسيّ، صار جليًّا أنَّ مجاهلَ النفسِ البشريّةِ ما زالتْ حافلةً بمفاجأتِها، وأنَّ كلَّ فردٍ ـ مهما كانت أوجهُ تشابهِه مع الآخرينَ ـ متميّزٌ متفرّدٌ عن غيرِه، هذا بالإضافةِ لاختلافِ الظروفِ المحيطةِ باختلافِ الزمانِ والمكانِ والعاداتِ والعقائدِ!

ولكنّ ما يهمُّني مناقشتُه هنا هو: إذا كانَ (فرويد) قد أعطى تلك الأهمّيّةَ لمرحلةِ الطفولة، وللمؤثّراتِ التي يتعرّضُ لها الإنسانُ فيها، والتي تؤثّرُ تأثيرًا عميقًا على شخصيّتِه وسلوكِه وأهدافِه في الحياةِ فيما بعد، فلماذا لَمْ تأخذْ هذه النقطةُ الخطيرةُ حظَّها من الاهتمام حتّى الآن؟

لقد أثبتتِ الدراساتُ في الغربِ أنَّ تعرّضَ الأطفالِ لمشاهدِ العنفِ والقتلِ والتدميرِ في صغرِهم، تمنحُهم حصانةً ضدَّ الإحساسِ بمعاناةِ الآخرين، بل وتدفعُهم إلى العنفِ والإجرام.. كما أثبتتْ أيضًا أنَّ مشاهدَ الجنسِ تدفعُهم للانحرافِ والاغتصابِ والإدمانِ والجريمة.. وأثبَتتْ كذلك أنَّ القصصَ التي تُروى على الأطفالِ تؤثّرُ في شخصيّاتِهم.. صحيحٌ أنّه تأثيرٌ صغير، ولكنّه ملموسٌ ويتراكم.. فلماذا لا ينتبُه أحدٌ لخطورةٍ جهازٍ كالتلفاز؟.. وهل سيلومنُي أحدٌ لو ألقيتُ عليه باللومِ، واتّهمتُه بأنّه أكبرُ عواملِ انحرافِ المجتمعات[2]؟





[1] مرةً أخرى يتمُّ إقحامُ الدينِ داخلَ السياقِ بطريقةٍ مفتعلة!

[2] سنجيءُ لهذا بتفصيلٍ أكبرَ في حينِه



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





24 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 3- الماركسيّة:


24

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

3-  الماركسيّة:

استطاعَ اليهوديّ (كارل ماركس) ـ الذي تأثّرَ بآراءِ معاصره (داروين) وكان من أشدّ مؤيديها ـ أن يلخّصَ التاريخَ البشريَّ تلخيصًا مخلاًّ، بحيثُ جعله نتيجةً مباشرةً لصراعِ الطبقاتِ والعواملِ الاقتصاديّة، ونفى دورَ الدين، وجعله وسيلةً من وسائلِ الأغنياءِ لكي يسوسوا الفقراءَ فيقبلوا بواقعِهم على أنّه قدر، فـ "الدينُ هو أفيونُ الشعوب"[1]!.. الطريفُ أنّ هذه العبارةَ نفسَها قد صارتْ أفيونًا جديدًا للشعوبِ المخدوعة، التي خسرت بسببِها الدنيا والآخرة!!

كما أنّ مقولة "الدين أفيون الشعوب" تتّسم بقدر كبير من التزييف والتضليل، فكلّ رسول أرسله الله تعالى إلى قومه واجه محاربةً عنيفة، لأنّه جاء أساسا ليغيّر الأوضاع الفاسدة في المجتمع.. ولو كان الأنبياء قد جاءوا بالأفيون للشعوب ـ كما قال الأخّ (ماركس) ـ لكان الحكّام والطغاة قد استقبلوهم بالزهور والاحتفالات.. ولكنّ الذي حدث هو العكس تماما، فمعظم من اتبعوا الرسل في بداية دعوتهم كانوا هم المستضعفين، لأنّهم رأوا في رسالات السماء تحرّرا من العبوديّة وتحسينا لأوضاعهم واحتراما لحقوقهم، وهو الوضع الذي ساء علية القوم، الذين رأوا في ذلك مساواة للعبيد بهم، وانتقاصا من مكانتهم وسيادتهم.. واضح إذن أنّ الأخ الرفيق (ماركس) لم يكن يقرأ التاريخ أساسا، أو أنّه وضع هذه التخيلات في (قعدة أفيون) من التي يتكلّم عنها!!.. ولكنّ المؤكّد أنّه عمّم استعباد الكنيسة المسيحيّة للغرب في عصوره المظلمة، على كلّ التاريخ والأديان، وهو تعميم يدلّ على جهل شديد أو تضليل متعمّد[2].





[1] ألا تلاحظْ معي أنَّ الدينَ قد زُجَّ به زجًّا في سياقِ هذه النظريّةِ؟!

[2] راجع بروتوكولات حكماء صهيون



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







23 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 2- النشوءُ والارتقاء:


23

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

2- النشوءُ والارتقاء:

زعزع كتابُ (أصلُ الأنواع) ونظريّةُ "النشوءُ والارتقاء"، التي أرسى دعائمَها (داروين)، ثقةَ العلماءِ بل والإنسانِ العاديِّ بالأديان.. فكلُّ الأديانِ السماويّة، تقولُ بأنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى قد خلقَ (آدمَ) أبا البشرِ بيديه، قبلَ أن يهبطَ إلى الأرض.. ولكنَّ نظريّةَ "النشوءُ والارتقاء" تفترضُ أنَّ الأنواعَ كلَّها قد تطوّرت من أصلٍ واحد، من خليّةٍ حيّةٍ نشأت في يومٍ ما من ملايينِ السنينَ في ماءِ البحر، ودفعتْها الظروفُ المحيطةُ والطفراتُ الوراثيّةُ للتكيّفِ والتطوّر.. وهكذا يُفضي الاستنتاجُ إلى أنَّ الإنسانَ قد تطوّرَ من أقربِ الكائناتِ شبهًا به، القرودِ العليا!.. وهكذا انتزعَ (داروين) الإنسانَ من التفرّدِ الذي كان يشعرُ به، وجعلهُ في النهايةِ حفيدَ القرود!

ملاحظاتٌ على نظريّةِ (داروين):[1]

·   إلى الآنِ لم يرصدِ العلمُ أو التاريخُ تطوّرَ قردٍ إلى إنسان، ولم يتطوّرِ الإنسانُ في الوقتِ نفسِه لينتجَ نوعًا جديدًا!.. فإذا كان لنا أن نستنتجَ شيئًا من التشابهِ بينَ أنواعِ المخلوقاتِ المختلفة، فهو أنَّ خالقَها ومبدعَها واحدٌ لا شريكَ له.

·         لو سلّمْنا أنَّ التطوَّرَ هو فقط أصلُ الأنواع، فلماذا لا توجدُ من حولِنا الآلافُ من الكائناتِ المشوَّهَة أو العجيبة؟

ستجدُ مَنْ يقولُ لكَ إنَّ الصراعَ من أجلِ البقاءِ هو الذي يعملُ على القضاءِ على مثلِ هذا التّشوُّه.. ولكن: هل سيعجزُ كلبٌ بخرطومٍ قصيرٍ أن يعيش؟.. أم هل سيعجزُ عصفورٌ بقرنينِ أو بأربعةِ أرجلٍ أن يطير؟.. أو ماذا سيضيرُ الحِصانَ إن كانت له درقةٌ خشبيّة؟؟!!

إنَّ تسليمنا بفكرةِ التطوّرِ عبرَ ملايينِ السنينِ تقضي بأنَّ عددَ الأنواعِ الحاليّةِ ضئيلٌ جدًّا بالنسبةِ للتباديلِ والتوافيقِ التي يمكنُ الحصولُ عليها من مثلِ هذه الصدفِ العشوائيّةِ التي تحدثُ بلا هدف!

·   إذا كانتِ الظروفُ البيئيّةُ هي دافعَ التطوّر، فمثلا طالتْ رقبةُ الزرافةِ في موسمٍ جفافٍ لتأكلَ أوراقَ الشجر ـ ولا أدري لماذا لم تَطُلْ باقي رقابِ الحيواناتِ التي كانت تعيشُ مع الزراف، ولا ماذا كانت تأكل! ـ إذا سلّمنا بمثلِ هذا الفرض، فعلينا أن نتوقّفَ لنتساءل: وأيُّ دافعٍ هو الذي أنتجَ الجمالَ الثريَّ والمتنوّعَ في معظمِ هذه المخلوقات؟

ولا يُمكنُ الإجابةُ عن ذلكَ بأنَّه يجذبُ الذكرَ للأنثى أو العكسِ في أثناءِ التزاوج، أو أنّه يساعدُ المخلوقَ على التّخفّي في البيئة (وهذا العاملُ عكسُ العاملِ الأوّلِ تمامًا!)، فإنَّ هذا لا يفسّرُ قُبحَ الغرابِ أبدًا، ذلكَ القبحَ الذي لا ينفى جمالَ باقي المخلوقات، ولكنّه ينفي دورَ الجمالِ المادّيّ!

·   العَلاقةُ المعقّدةُ بينَ الكائناتِ الحيّةِ ـ والتي لاحظها (داروين) نفسُه ـ تؤكّدُ أنَّ بقاءَ نوعٍ من الكائناتِ مرتبطٌ ببقاءِ أنواعٍ أخرى غيرِه.. فمثلا.. شوهدَ في جزيرةٍ منعزلةٍ أنَّ انقراضَ نوعٍ من الطيورِ كانَ يلتهمُ الأرانبَ، أدّى إلى زيادةٍ هائلةٍ في أعدادِ الأرانبِ، مما جعلهَا تلتهمُ الأعشابَ كلَّها، فانقرضتِ الأرانبُ نفسُها!.. لقد أدّى انقراضُ المفترسِ إلى انقراضِ الفريسة!

إنَّ مثلَ هذا التوازنِ الدقيقِ يقضي بضرورةِ التكاملِ بينَ النباتِ وآكلاتِ العشبِ وآكلاتِ اللحومِ، والمتطفّلاتِ والمترمّماتِ، حتّى تكتملَ دورةُ الحياةِ والمادّةِ والطاقةِ في الطبيعة.. فكيفَ يمكنُ أن نفترضَ أن ملايينَ مهولةً من السنينِ قد مرّتْ قبل أن يوجدَ أحدُ أركانِ هذه الدورة، دونَ أن تنقرضَ باقي الأركان؟!

·   إنَّ أوجهَ الخلافِ العديدةَ بينَ الإنسانِ وباقي المخلوقاتِ كفيلةٌ بجعلنا نتساءلُ حقًّا: هل يمكنُ أن يكونَ ناتجَ تطوّرٍ؟.. وإذا كانَ كذلكَ حقًّا، فلماذا هو المخلوقُ العاقلُ الوحيدُ على الأرض؟.. أليسَتْ هذه صدفةً أخرى بالنسبةِ لقانونِ الصدفة؟

·   وإذا كان دافعُ التطوّرِ هو تكيّفَ الكائنِ الحيِّ مع الظروفِ البيئيّة، فلماذا لم يَنْبُتِ الفراءُ لأفرادِ قبائلِ الإسكيمو التي تعيشُ في القطبِ الشماليِّ من مئاتِ السنين؟.. ولماذا لم يتغيّرْ لونُ زنوجِ (أمريكا) رغمَ مرورِ مئاتِ السنينَ على وجودِهم فيها بعيدًا عنِ المناطقِ الاستوائيّة؟!!

·        وهذا يدفعُنا إلى التساؤلِ: ألا يبدو الإنسانُ أضعفَ بنيةً واستعدادًا جسديًا للتكيّفِ مع ظروفِ البيئةِ بالمقارنةِ بالقرود؟

·   وأيُّ تكيّفٍ هو ذلك الذي يجعلُ مخلوقًا كالإنسانِ، يختلفُ عن جميعِ المخلوقاتِ في طفولتِه، فيحتاجُ للرضاعةِ عامين، ويتعلّمُ المشيَ بعدَ عامٍ كامل، ويحتاجُ لفترةِ رعايةٍ طويلةٍ يتمُّ فيها تعليمُه أساسيّاتِ الحياةِ من نقطةِ الصفر، كالكلامِ والخبراتِ الأساسيّةِ وما ينفعُ وما يضرّ، ولا يستطيعُ الاستقلالَ عن والديه قبلَ سنواتٍ طويلةٍ قد تتجاوزُ الخمسَ عشرةَ سنة؟

·   إنَّ منطقَ التطوّرِ يقولُ إنَّ تطوّرَ الإنسانِ من الحيوان، مع احتفاظِه بقدرةِ الحيواناتِ المدهشةِ على توارثِ المعارفِ والخبراتِ بالغريزة، وسرعةِ النموِّ والاعتمادِ على النفسِ، وحدّةِ الحواسِّ وقوّةِ البدن، بالإضافةِ إلى امتلاكِه لصفاتٍ جديدةٍ كالذكاءِ الخلاّقِ والنطقِ وانتصابِ القامةِ، سينتجُ مخلوقًا مذهلا كاملَ الأوصافِ، يصبحُ هو قمّةَ التطوّرِ بلا منازع.. فأينَ هو هذا المخلوق؟.. ولماذا تنازلَ عن كلِّ ميزاتِ الغريزةِ الحيوانيّةِ واستعاضَ عنها بالذكاءِ، الذي استلزمَ منه آلآفَ السنينَ ليطوّرَ أدواتِه ويسيطرَ على البيئة؟

·   كذلك فإنَّ اكتشافَ (مندل) لقوانينِ الوراثة عامَ 1865، أكّدَ على (ثبوتِ الأنواع) وليسَ (تطوّرَ الأنواع) الذي قالَ به (داروين)، فصفاتُ الأبناءِ تأتي مناصفةً من الأبِ والأمّ، خاصّةً أنَّ الطفراتِ الوراثيّةَ ضارٌّة ومشوِّهة لأنّها ناتجة عن تحطّم شريط DNA، ومن رحمةِ الله أنّها نادرًا جدًّا ما تحدثُ وهي لا تُوَرَّثْ (الصفات الجسدية لا تورّث).. فكيفَ إذن تنتجُ الأنواعُ الجديدة؟!!!

·      30 عالما فرنسيًّا يؤكّدونَ: الإنسانُ ليسَ أصلُه قردًا[2]:

جاءَ في كتابٍ صدرَ حديثًا في (فرنسا) شاركَ في تأليفِه ثلاثونَ عالمًا برئاسةِ (إيف كوبنس)، أنَّ الإنسانَ لا ينحدرُ من سلالةِ القرودِ كما تقولُ نظريةُ (داروين) "النشوءُ والارتقاء"، واستندَ فيه مؤلّفوه إلى اكتشافاتٍ لجماجمَ من العصورِ الأولى من تاريخِ البشريّة، ثبتَ من خلالِها أنَّ الإنسانَ والقردَ لكلٍّ منهما سلالةٌ مختلفة، وأنَّ الجدَّ الأوّلَ للإنسانِ ظهرَ في (أفريقيا) منذُ حوالَيْ 4 ملايين عام!.. والكتابُ يُفنّدُ الصّورةَ التقليديّةَ للقردِ الذي يمشي على أربعٍ ثم يرتقي شيئًا فشيئًا حتّى يصبحَ إنسانًا يسيرُ على قدمين!

·   ثمَّ فلْنفترضْ جدلا أنَّه من الممكنِ أن تتطوُّرَ الكائناتُ من بعضِها، فأيُّ تعارضٍ هناكَ أن يجعلَ اللهُ الإنسانَ استثناءً ـ ولكلِّ قاعدةٍ استثناءٌ ـ وأنّه سبحانَه قد خلقَ آدمَ بيديه تكريمًا له؟

·   من العارِ على التعليمِ المصريِّ أنّه يدرّسُ نظريّةَ (داروين) في المرحلةِ الابتدائيّةِ على أنّها تاريخ، وليست مجرّدَ نظريّة، فهو يبدأُ تاريخَ (مصرَ) القديمةِ بأنَ الإنسانَ في العصرِ المطيرِ، كانَ يعيشُ في غاباتِ ما يُعرفُ بالصحراءِ الغربيّةِ حاليًّا، على الأشجارِ كالحيواناتِ، ولم يكنْ يتكلّم بل كان يصرخُ ويصيح، ولم يكنْ يرتدي الملابسَ، بل كانَ له فراء.. (قرد باختصار وإن لم يذكرِ المؤلفُ ذلك صراحةً)!!!.. ثمّ عرفَ المسكنَ والملبسَ واللغةَ والنارَ والرعي.. هذا قبلَ أن تقلَّ الأمطار، وتندثرَ الغابات، وتصبحَ الصحراءُ الغربيّةُ كما هي الآن، فهاجرَ الإنسانُ المصريُّ إلى وادي النيل!

غنيٌّ عن الذكرِ أنّه لا يوجدُ دليلٌ تاريخيٌّ على هذه الخزعبلات، وإنّه لاستخفافٌ شنيعٌ بعقولِ أبنائِنا أن ندرّسَ لهم نظريّةً واجهتْ العديدَ من أوجهِ النقدِ، باعتبارها تاريخًا!

عامّةً لم يكُن ذلك ليؤثّرَ في عقيدتي عندما درستُه، ففي الحصّةِ التالية، كنتُ أدرسُ في التربيةِ الدينيّةِ أنّ اللهَ سبحانه قد خلقَ (آدمَ) ـ عليه السلامُ ـ بيديه، وعلّمَه الأسماءَ كلّها[3].. ولكنَّ هذا لا يُلغي جريمةَ التعليمِ المصريِّ في تنشئةِ عقولٍ متناقضة، أو عقولٍ تقبلُ التناقضَ بدونِ تساؤل!

ولقد كنتُ وزملائي نحلُّ هذا التناقضَ، بالاعتقادِ بأنَّ (القردَ المصريَّ القديمَ صاحبَ الحضارةِ العريقة)، قد انتكسَ إلى هذه الصورةِ بعدَ طوفانِ (نوح) وتفرّقِ من معه في أرجاءِ الأرض، حيثُ انعزلَ بعضُهم في غاباتِ الصحراءِ الغربيّة، ونسُوا اللغةَ مع الزمن، وتدنّتْ إنسانيّتُهم ببعدِهم عن المدنيّة![4]

·   وليستْ هذه هي الجريمةَ الوحيدةَ التي يستخدمُ فيها التعليمُ المصريُّ نظريّة (داروين) لاغتيالِ عقيدةِ أبنائنا، فهو يدرّس هذه النظريّةَ في منهجِ الأحياءِ في المرحلةِ الثانويّة، حيثُ يسوقُ كلَّ ما يدلّلُ على صحّتِها، دونَ حرفٍ واحدٍ عن نقدِها.. وإن كانت هذه الجريمةُ أقلَّ شناعةً من الجريمةِ الأولى، ففي هذه المرّةِ يُدرّسُ "النشوءُ والارتقاء" كنظريّةٍ وليس كتاريخ، ولطلبةٍ بالغينِ يُفترضُ فيهم القدرةُ على الفهم والتحليلِ والنقد.

·         (داروين) محظورٌ في مدارسِ (أمريكا)!:[5]

تشهدُ الولاياتُ المتّحدةُ حملةً دينيّةً تهدفُ إلى إلغاءِِ تدريسِ نظريّةِ "النشوءِ والارتقاءِ"، وتأييدِ نهجِ الخلقِ الربّانيّ، القائلِ بأنَّ الكونَ وما يتّصلُ به من موجوداتٍ وظواهرَ ونظامٍ هو من خلقِ اللهِ وليس من خلقِ الطبيعةِ والمادّة.. وقد شهدَ عامُ 1999 تصويتَ مجلسِ (كانساس) للتعليمِ على قرارٍ بحظرِ تدريسِ نظريّةِ (داروين) في مدارسِها.. إلا أنَّ عددَ الأصواتِ لم يكُنْ كافيًا لاتّخاذِ القرار، فأخفقتْ سياستُهم المناوئةُ لـ (داروين).

ولكنْ ظلَّ أتباعُ نهجِ الخلقِ الربّانيِّ في علوٍّ، محرزينَ عددًا من الانتصاراتِ في أماكنَ أخرى، مثلِ ولايات (الينوي) و(أوهايو) و(ويسكونسين)، بغضِّ النظرِ عمّا تتمتّعُ به كلُّ ولايةٍ من تقاليدَ ليبراليّةٍ قويّة.. وحاليًّا تبحثُ (أوهايو) فكرةَ حظرِ تدريسِ نظريّةِ (داروين)، وحتّى (نيويورك) و(ماساشوسيتس) انقلبتا على نظريّتِه.. ويستخدمُ أتباعُ الخلقِ الربّانيِّ تكتيكاتٍ شديدةَ الفاعليّة، فهم يستهدفونَ البلداتِ الصغيرة، ويحصلونَ على تأييدِ منظّماتٍ محلّيّةٍ مهمّة، وفي مقدّمتِها مجلسُ التعليم، كما يقومونَ بشنِّ حملاتٍ للمطالبةِ بالمساواةِ في الوقتِ المخصّصِ لعرضِ وجهاتِ نظرِهم مثلِ أتباعِ نظريّةِ "النشوءِ والارتقاء"، وهو الأمرُ الذي يربكُ الناخبين، كما يستعينونَ في مواجهتِهم للداروينيّينَ ومن يعتقدونَ بعشوائيّةِ الكونِ، بتوجيهِ الأنظارِ إلى ما في الكونِ من تناسقٍ، وهم يرونَ أنَّ أيَّ مكانٍ تنظرُ إليه يمكنُكَ أن تلمسَ فيه آثارَ الخالق.. وهم يضربونَ أمثلةً لذلكَ بكلِّ شيءٍ، بما في ذلك الموز، الذي يُشيرونَ إلى سهولةِ تناولِه وإزالةِ قشورِه ومذاقِه اللذيذ، وتحوّلِ لونِ قشرتِه الخارجيّةِ إلى اللونِ الداكنِ بتراجعِ صلاحيّتِه للأكل![6]

·        يقول د. محمد عباس:

لكن القضية الأكبر، التي أود أن أكتب عنها منذ أعوام طويلة، دون أن تتيح لي الحوادث أي فرصة، هي نظرية التطور لدارون، والمقالة معدة، لكن لا الوقت ولا الظرف يسمح، ولقد تعمدت فيها أن تكون كل مراجعي غربية، وعلى الأخص أمريكية، حيث يتناولها العلماء بقدر من السخرية لا يكاد يتصور، لكن هؤلاء، لا ينشر لهم أحد ، بل يطاردون في جامعاتهم ويحاصرون، تماما كما يطارد ويحاصر كل من ينكر الهولوكوست. ولقد بلغ الأمر أن علماء كبار قد لفقوا أدلة بالغة السذاجة لإثبات النظرية ( أحدهم وهو "جارلسن داوصن" أتى في عام 1912 بفك قرد وزرع فيه أسنانا بشرية ثم ركبه على جمجمة بشرية) وظلت الفرية عشرات الأعوام كأقوى دليل على وجود الحلقة الوسيطة الدالة على صحة نظرية دارون،  بينما العشرات تلو العشرات من العلماء يصرخون أن الدليل دليل زور.. و أن تزويره غير متقن حتى ليمكن لأي مبتدئ أن يكشفه على الفور، وظلت الميديا الإعلامية في العالم كله تتجاهل ذلك، حتى اعترف العالم المزور بنفسه عام 1953، أن الجمجمة والفك والأسنان التي ركبها، يعود أقدمها إلى ألف عام فقط وليس إلى مئات الآلاف من الأعوام، كما اعترف العالم، بأنه إن كان قد زور كي يشتهر ويغتني، فإن 90% من العلماء يفعلون نفس الشيء.. ( فكرة الحلقة الوسيطة دليل من آلاف الأدلة التي تجعل من نظرية دارون تهريجا، فعلى سبيل المثال تدل الحفريات على أن الجراثيم التي كانت موجودة منذ مئات ملايين الأعوام ما زالت كما هي، دون أي تطور، ومن ناحية أخرى فلم تفلح كل الحفريات في العثور على زرافة واحدة قصيرة الرقبة، من تلك التي ادعي دارون أنها ماتت وعاشت ذوات الرقاب الأطول لتمكنها من التهام أوراق أعالي الأشجار.. دون أن يفسر لنا أيضا كيف عاشت الخراف.. والحمير!!) وكان أحد من تناولوا تلك القضية هو العالم الأمريكي: البروفيسور دوان ت كيتش، حيث اعتبر أن التطور ليس حقيقة علمية ولا حتى نظرية، وإنما مجموعة من التلفيقات الساذجة التي لا يقبلها أي عقل علمي.. نعم، يقول الرجل، إنها ليست نظرية، إنها عملية غسيل مخ قام بها الساسة كي يسوغوا التهام الأقوى للأضعف.. إن الرجل يصرخ أن نظرية التطور عقيدة لا يمكن تصديقها، وهي ليست علما على الإطلاق.. عقيدة وليس علما.. (دار الصحوة، حلوان: في نظرية التطور: هل تعرضت لغسيل الدماغ.. بروفيسور دوان ت. كيتش).

وتتناول (إليانور كلايمر) الأمر بسخرية لتقول:

"انظروا كيف تحولت الأسماك إلى برمائيات حسب تصور التطوريين: (وظهر الجفاف بالقرب من نهاية الزمن الباليوزي، واستطاعت الأسماك القديمة ـ بعد جفاف البرك والأنهار ـ أن تزحف على الأرض للوصول إلى ما تبقى من تلك البرك، وكان لهذه الأسماك التي استطاعت أن تتحرك على سطح الأرض أحفادا استطاعت هي نفسها أن تبقى خارج الماء لفترات أطول)".

وتواصل المؤلفة في سخرية: "ولا تسألوهم كيف استطاعت الأسماك أن تزحف على الأرض أو أن تتحرك على سطح الأرض.. إنها لا تستطيع هذا ولا ذاك، و إنما تستطيع فقط أن تتقافز في مكانها خارج الماء، بضع دقائق ثم تموت!!" (قصة الحلقة المفقودة.. إليانور كلايمر.. ترجمة د محمد رشاد الطوبي، مكتبة الأنجلو المصرية)

إن كان يمكن للتزوير الكامل الشامل أن ينجح هذا النجاح المذهل في مجال العلم التجريبي، فكيف به في علوم إنسانية غير خاضعة لوسائل البحث العلمية (مثل أسطورة الهولوكوست اليهودي!!)؟

وبرغم كل ذلك فما زالت نظرية التطور تحاط بحصانة شاملة وتدرّس في مدارسنا وجامعاتنا كحقيقة علمية غير قابلة للنقاش، إلا من ((الظلاميين المتحجرين الحمقى))، أو من ((السلفية الدينية والرجعية السياسية))، وكلها تعبيرات لا يقصد بها إلا الإسلام!!

·        هارون يحيى:

إذا أردت مزيدا من النقد العلميّ الوافي لنظريّة داروين، فبإمكانك اللجوء لموقع الكاتب التركيّ (هارون يحيى):

www.harunyahya.com

وفيه ستجد عشرات المقالات والخطب ولقطات الفديو والأفلام العلميّة بالعربيّة والإنجليزيّة، تنتقد هذه النظريّة وتنسفها نسفا من جذورها، استنادا إلى أقوال علماء الغرب أنفسهم، وبالرجوع إلى اكتشافات الوراثة وDNA والميكروبيولوجي والجيولوجيا وغيرها من العلوم.. وهناك فيلم تسجيلي طويل (ناطق بالعربيّة) بعنوان "انهيار التطوّر" Collapse Of Evolution، يفند نظرية دارون من جذورها.. فلا تتردّد في تحميله رغم كبر حجمه.. فهو يستحق.. وقتا ممتعا[7].





[1] رغمَ أنَّ هذا ليسَ مقامَ القدحِ في نظريةِ (داروين)، إلا أنَّ الأمانةَ تُحتّمَ أن نذكرَ الردودَ على فرضيّاتِه، لأنَّ مجرّدَ ذكرِها منفردةً قد ينثرُ الشكوكَ في نفسِ قارئِها، وربّما لا يكُونُ على القدرِ الكافي من المعرفةِ والثقافة، وربّما تنقضي سنواتٌ قبلَ أن يقرأَ من ينتقدُ هذه النظريّة، فيعيشُ تُعذّبُه شكوكُه.. لهذا أنا أدعو دومًا أن يكونَ الرأيُ والرأيُ المضادُّ معًا في نفسِ الحيّزِ، وبهذا نضمنُ حريّةَ الرأيِ وتنوّعَ الفكر، في نفسِ الوقتِ الذي نضمنُ عدمَ حدوثِ نوعٍ من التضليلِ أو التعتيمِ أو التأثيرِ المنفردِ أو غسيلِ المخّ لعقولِ شبابِنا.

[2] جريدةِ (الأهرام)، 3/11/2001، صفحة 36.

[3] أرجو ألا يكونَ هذا الكلامُ سببًا في حذفِ قصّةِ خلقِ (آدم) من مناهجِ التربيةِ الدينية!!!!!

[4] أريدُ أن أؤكّدَ هنا على شيءٍ بسيط: أنَّ الحقَّ دائمًا ما يمحقُ الباطل!.. ولكنَّ هذا لا يُلغي أثرَ هذه الجريمة.. فإذا كانَ واضعو المناهجِ في التعليمِ المصريِّ مقتنعينَ بأنّهم حفنةٌ من القرودِ المتطوّرة، فليحتفظوا بقناعاتِهم هذه لأنفسِهم، فليسَ من حقِّهم أن يُلقوا بفضلاتِ أفكارِهم المتخلّفةِ في عقولِ أبنائِنا، ومن الأفضلِ لهم أن يبحثوا عن غابةٍ ليواصلوا فيها تطوّرَهم، وليبدأوا بالتناسلِ مع القرودِ لتحسينِ سلالتِهم، ويتركوا مهمّةَ وضعِ المناهجِ لأناسٍ أسوياءَ مؤمنينَ أنَّ اللهَ سبحانَه قد كرّمَهم على جميعِ المخلوقات، وخلقَهم في أحسنِ تقويم!

[5] الأهرام، 17 مارس 2002، صفحة 7، عن صحيفةِ الأوبزيرفر البريطانيّة.

[6] عامّةً وفّقَ اللهُ هؤلاءِ الأصدقاء، فلو نجحوا في إصلاحِ التعليمِ الأمريكيّ، فسيقلّدُهم على الفورِ (أصدقاؤنا القرودُ) المسئولونَ عن وضعِ مناهجِ التعليمِ المصريّ، وستنتهي مرحلةٌ غبيّةٌ من التخريف!!

[7] حمّلت معظم مواد الموقع لجهازي.. ولكنّ المشكلة أنّ المقالات مكتوبة كملفات PDF وعندما تكون هذه الملفات باللغة العربيّة، فإنّه يستحيل نسخ أيّ أجزاء منها.. لهذا لم استطع الاستدلال بالمعلومات القيمة التي وردت بها، فهذا يستدعي أن أقوم بإعادة كتابتها بنفسي من جديد، وهو ما لا أجد الوقت لأفعله!.. فعذرا.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









22 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة: 1- مركزُ الكون:


22

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

1-   مركزُ الكون:

استطاعَ العالمُ الفلكيُّ (كوبرنيكوس) أنَّ يثبتَ أنَّ الأرضَ ـ كباقي كواكبِ المجموعةِ الشمسيّةِ ـ تدورُ حولَ الشمسِ، محطّمًا اعتقادًا سادَ لآلافِ السنين، وكانت تتبنّاهُ الكنيسةُ، بأنَّ الأرضَ هي مركزُ الكون.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






21 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق 1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:


21

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق

1 - نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:

مع دخولِ عصرِ الصناعةِ أوجدَ الإنسانُ بما أحرزَه من تقدّمٍ تكنولوجيٍّ بيئةً جديدةً تتّسمُ بما يلي:

- تبدّلُها وتحوّرُها باستمرار، مما يفرضُ عليه جهدًا دائمًا ليتغيّرَ ويتكيّفَ معها.

- فقدانُ الاتصالِ بالطبيعةِ وبيئةِ الحياةِ التقليديّة.

- القطيعةُ المفاجئةُ مع الماضي، ونبذُ التقاليدِ العريقةِ التي كانت تنهضُ على أسسٍ تجريبيّةٍ لا تخلو من الحكمة.

- أنّها ـ لكلِّ السماتِ السابقة ـ تثيرُ في نفسِ الإنسانِ الحديثِ مشاعرَ القلقِ والافتقارِ إلى الجذور[1].

وبالطبعِ لم تنشأْ هذه البيئةُ الجديدةُ من فراغ، هي وما صاحبَها من مفاهيمَ وتوجّهات.. لقد كانت هناك عدّةُ نظريّاتٍ وفلسفاتٍ واكتشافاتٍ حطّمتْ نظرةَ الإنسانِ للعالمِ من حولِه، بل ولنفسِه أيضًا!

1@ مركزُ الكون:

2@ النشوءُ والارتقاء:

3@ الماركسيّة:

4@ قوانينُ الوراثة:

5@ الفرويديّة:

6@ معادلاتٌ كيميائيّة:

7@ كونٌ شاسع:

8@ موتُ الإله:

9@ البنيويّة وما بعد الحداثة:


[1] لمزيدٍ من التفاصيلِ حولَ هذه النقطة، اقرإ الفصلَ المعنونَ بـ "احتضار المجتمع الصناعيّ".



وفيما يلى شرح كل على حده


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







20 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق[1]


20

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق[1]

1- نظريّاتٌ وفلسفاتٌ واكتشافاتٌ خطيرة:
2- التشكيكُ في الأديان:
3- إثباتُ الأديانِ بالعلم:


وفيما يلى شرح كل على حده
 

[1] هذا هو عنوانُ الفصلِ الأوّلِ من كتاب (عودةُ الوفاقِ بينَ الإنسانِ والطبيعة) لمؤلّفه (جان ماري بيلت) والذي صدر ضمنَ سلسلة "عالم المعرفة" الكويتيّة ويحمل رقم 189.. وأنا أنصحُ الكلَّ بقراءتِه فهو على حسبِ قولِ مؤلّفِه: "من الصعبِ إدراجُه في عدادِ الأنماطِ المألوفةِ من الكتب، وهو يقعُ على هامشِ التياراتِ الكبرى المعاصرة".. وفيه يتكلّمُ المؤلّفُ عن علاقةِ الإنسانِ بالبيئةِ تاريخيًّا وفكريًّا وفلسفيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا ونفسيًّا.. إنّه كتابٌ رائعٌ وقيّمٌ بكلِّ المقاييس، كما هو السائدُ في سلسلةِ " عالم المعرفة ".. عامّةً، أنا لا أحاولُ هنا تلخيصَ ما جاءَ بهذا الفصلِ، بقدرِ ما أحاولُ التحاورَ معه، والإضافةَ إليه، خاصّةً وأنَّ اهتمامَه الأوّلَ هو البيئة، في حينِ أنَّ اهتمامي الأوّلَ هو انحرافُ الفطرة، وعلاقة ذلك بالحريّةِ والفوضى والفواحش والتطاول على الأديان.. إلخ.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







19 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) 4- الوجودية[1]:


19

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثانيا - سديمُ (جوتنبرج)

4- الوجودية[1]:

مذهبٌ فلسفيّ أدبيّ ملحد، وهو أشهر مذهب استقر في الآداب الغربية في القرن العشرين.

ويرتكز المذهب على الوجود الإنساني الذي هو الحقيقة اليقينية الوحيدة في رأيه، ولا يوجد شيء سابق عليها، ولا بعدها!!

وتصف الوجودية الإنسان بأنه يستطيع أن يصنع ذاته وكيانه بإرادته، ويتولى خلق أعماله وتحديد صفاته وماهيته باختياره الحر، دون ارتباط بخالق أو بقيم خارجة عن إرادته، وعليه أن يختار القيم التي تنظم حياته.

وقد دخل المذهب الوجودي مجال الأدب على يد فلاسفة فرنسيين هم: (جبرييل مارسيل) المولود عام 1889م. وقد أوجد ما أسماه الوجودية المسيحية.. ثم جان بول سارتر الفيلسوف والأديب الذي ولد  1905م، ويعد رأس الوجوديين الملحدين والذي يقول: "إن الله خرافة ضارة"!!!!.. وهو بهذا فاق الملحدين السابقين الذين كانوا يقولون إن الله خرافة نافعة ـ تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيرا.

ومن قصصه ومسرحياته: الغثيان، الذباب، الباب المغلق.

ومن الشخصيات البارزة في الوجودية: (سيمون دي بوفوار) وهي عشيقة سارتر، التي قضت حياتها كلها معه دون عقد زواج تطبيقاً عملياً لمبادئ الوجودية، التي تدعو إلى التحرر من كل القيود المتوارثة والقيم الأخلاقية!!!



جدير بالذكر أنّ البعثات التي أرسلناها للغرب لتعود بحضارته وعلومه وتكنولوجياته، تركت كلّ هذا وعادت لنا بآدابه وأفكاره وفلسفاته الإلحاديّة الماجنة المدمّرة!

فهل كان من الغريب أن يتسارع معدّل انهيارنا من يومها وحتّى الآن؟؟؟!!!!



[1] المصدر:

http://www.wahy.com/adian/44.htm



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






18 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) 3- المذهبُ السريالي:


18

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثانيا - سديمُ (جوتنبرج)

3-   المذهبُ السريالي:

كانَ للحربِ العالميّةِ الأولى، وما أصابتْ به الغربَ من كوارثَ، أثرُها في زعزعةِ القيمِ الأخلاقيّة.

كما زلزلتِ النظريّةُ النسبيّةُ أركانَ العقلِ، وأذهلَ (فرويد) ألبابَ العالمِ بأبحاثِه النفسيّةِ العجيبةِ التي تدّعي تسلّطَ عقلِنا الباطنِ وهيمنتَه القاهرةَ علينا، وتحكّمَه في تكييفِ أخلاقِنا، وبالتالي في عقلِنا الواعي!

هذا بالإضافةِ إلى ما أذاعه (هجل) من ضرورةِ هدمِ الماضي كلِّه لبناءِ مستقبلٍ سعيدٍ على أنقاضِه، وما دوّى به صوتُ (ماركس) من ضرورةِ هدمِ الرأسماليّةِ وقيامِ نظامٍ يُنصفُ العاملَ ويشدُّ أزرَه[1].

كلُّ هذه الأسبابِ هي ما أدّى لظهورِ المذهبِ "السريالي"، الذي ابتكره وأذاعَ به وارتجلَ له اسمَه ارتجالا، الروسيُّ (ترستان زارا)، وذلك حينما أطلقَه عامَ 1916 على تلك الحركةِ الهدّامةِ التي اختلجت في نفوسِ الداعينَ إلى القضاءِ على جميعِ موازينِ الآدابِ ومقاييسِ الذوق، وذلك في كلمةٍ نابيةٍ كان يُلقيها في إخوانِه من أتباعِ السوءِ الذينَ تحلّلتْ أخلاقُهم وانحطّتْ أذواقُهم، ووجدوا في دعاوى (ماركس) العريضةِ رسالةً جديدةً تُبشّرُ بمجتمعٍ جديد، له فنّه الجديدُ وأدبُه الجديد.

وقد كانوا يُطلقونَ على هذه الحركةِ السرياليّةِ كلمة "دادا" أي "بابا"، وهي الكلمةُ التي ارتجلوها لثورتِهم العاصفةِ بجميعِ القيمِ الأخلاقيّة، والسخريةِ ما وسِعتْهم السخريةُ بما توارثه الناسُ من آدابٍ وتقاليدَ وشرائعَ ومُثُل!!

ولقد اتّخذوا أحطَّ الطرقِ وأوقحَها لنشرِ هذا الرُّوحِ الجديدِ وإشاعتِه بينَ الناس، ولا سيّما في المشاربِ والمباولِ العامّة!!

وقد وجدوا إنجيلَهم الجديدَ وقيمَهم الجديدةَ في تعاليمِ (كارل ماركس)، التي كانتْ أكبرَ مخدّرٍ للطبقاتِ العاملة!!

ولهذا نشبتْ بينَهم وبينَ رجالِ السياسةِ والأديانِ عامّةً ـ ولا سيّما الكاثوليكيّين ـ مصادماتٌ فكريّةٌ عنيفة، إذ كانوا يُغرونَ الشعبَ بالتحرّرِ من الكثلكةِ إلى الواقعيّةِ الاشتراكيّة.

أمّا الفنُّ الجديدُ الذي كانوا ينشدونَه فقد وجدوه في تلك الكتابةِ اللا شعوريّةِ أو الكتابةِ التلقائيّة، التي لا تخضعُ لأصولِ المنطقِ والتفكيرِ المُقعّدِ السليم، بل هي تُغلّبُ سماتِ العقلِ الباطنِ على العقلِ الواعي!!


[1] راجع المقالَ المعنونَ بـ "ثقافة تنحرفُ عن الطريق".


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








17 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) 2- المذهبُ الرمزيّ:


17

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثانيا - سديمُ (جوتنبرج)

2-  المذهبُ الرمزيّ:

نفسُ السماتِ الأخلاقيّةِ الهابطةِ التي ذكرناها عن كتّابِ المذهبِ الطبيعيّ، سنجدُها متمثّلةً في شعراءِ المذهبِ الرمزيّ، الذي ظهرَ في (فرنسا) في أواخرِ القرنِ التاسعِ عشر، فكثيرٌ منهم قومٌ ذوو أمزجةٍ سوداويّةٍ مظلمة، وهم لا يرونَ للحياةِ رسالةً ولا للعيشِ هدفًا ولا للدنيا قيمة، إلا ما يهتبلونَه في ساعتِهم التي هم فيها من لذّة.. أيًّا كانت هذه اللّذّة!

ومعظمُهم يُطفئُ سراجَ حياتِه بالسمومِ البيضاءِ والمخدّراتِ السوداءِ والخمرِ بجميعِ ألوانِها!!

بل إنّ منشئي المدرسةِ الرمزيّةِ الفرنسيّةِ وعلى رأسِهم "مالارميه" و"ريمبود" و"بودلير" أطلقوا على أنفسِهم بكثيرٍ من التباهي والخُيَلاءِ لقب "المنحطّين"!!!

ومعظمُ الرمزيّينَ يرفضُ الأدبَ الموضوعيّ، سواءٌ كانَ أدبًا اجتماعيًّا أو أخلاقيًّا، وهم إنّما يرمزونَ لمجرّدِ الترفِ الذهنيِّ واللّذّةِ الفكريّةِ المجرّدة، ومن ثَمَّ كان مبدؤهم الذي يتشبّثونَ به هو مبدأ: "الفنُّ من أجلِ الفنّ" و"الصورُ الجماليّةُ من أجلِ الصورِ الجماليّة"!!


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






16 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) 1- المذهبُ الطبيعيّ:


16

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثانيا - سديمُ (جوتنبرج)

1- المذهبُ الطبيعيّ:

ظهرَ "المذهبُ الطبيعيّ" في الأدبِ في نهاياتِ القرنِ التاسعِ عشر.. يقولُ (سترند برج) عن كاتبِ المذهبِ الطبيعيِّ: "إنّه ذلك الفنانُ الذي يبحثُ في بحرِ الحياةِ الصاخبِ عن كلِّ المثيراتِ الكبيرةِ الحقيقيّة، التي يَعُدُّها الكاتبُ الواقعيُّ شذوذًا، لأنّها تستخفي عنِ الأنظارِ وراءَ حُجبٍ كثيفةٍ من التقاليدِ والآدابِ والقوانين"!!.. ومن هنا كان ما يتمنّاه (سترند بيرج) من أن يتسنى له المسرحُ الذي يُخرجُ فيه ما تواضعَ المجتمعُ على تسميتِه بالفضائحِ، والخروجِ عنِ العرفِ، والانطلاقِ من التقاليدِ، والاستهتارِ بالآدابِ والأخلاقِ العامّة!!!!

وقد كان لبشاعةِ ما يُعرضُ من كتاباتِ هذا المذهبِ على خشبةِ المسرح، ما جعلَ الرقيبَ في (ألمانيا) و (انجلترا) يقفُ لها بالمرصاد ـ هذا قبلَ إلغاءِ الرقابةِ في الغربِ نهائيًّا ـ فلم يُصرّحْ بعرضِ هذه المسرحيّاتِ إلا في حفلاتٍ خاصّةٍ يُدعى إليها الصفوةُ من رجالِ الفكرِ ببطاقاتٍ خاصّة، نظرًا لانغماسِها في تصويرِ الحياةِ اليوميّةِ بكلِّ ما فيها من رواسبَ وأمراضٍ وعللٍ وانحرافات.. حتى إنَّ (جان كارير) يقولُ عن (إميل زولا): "إنّ (زولا) لم يُعطِنا قطُّ تلك الصورةَ التامّةَ الكاملةَ التي كان يطمحُ أن يُصوّرَها لنا عن عصرِه، فقد صوّر رذائلَ هذا العصرِ ومخزياتِه فحسب، من حياةِ العرابيدِ والأفّاقينَ واللصوصِ والعاهراتِ والسكارى والشاردينَ والمعلولينَ ومن لا خَلاقَ لهم من العمّالِ والمزارعينَ وسفلةِ الطبقةِ البرجوازيّةِ والجنودِ الجبناءِ والوزراءِ المنهومينَ... إلخ.. لقد وعدنا (زولا) بعالمٍ زاخرٍ بالحياةِ الصحيحةِ فأعطانا مستشفى!!.. حقًّا إنّ هذا جهلٌ لا يمكنُ تصوّرُه، من عقليّةٍ تَعْمَهُ في ضلالاتٍ لا يمكنُ تصوّرُها!!"[1].

وقد كانت نهايةُ معظمِ كتابِ المذهبِ الطبيعيِّ مأساويّة، فماتَ (جول دي جونكور) في الأربعينَ من عمرِه، بعدَ حياةٍ سائبةٍ أكبَّ فيها على الخمرِ والمخدّراتِ والأفيون، وكانَ أخوه (إدمون) رجلا تعيسًا معتلَّ الجسمِ مُختلَّ الأعصابِ جديرًا بالشفقةِ والرثاء، وهو نفسُ ما ينطبقُ على (إميل زولا) و (موباسان)، الذي جُنَّ بعدَ أن جاوزَ الأربعينَ بوقتٍ قصير، ثمَّ ماتَ مشلولاً بعد إكبابٍ طويلٍ على السموم!!

ويقدّمُ (دريني خشبة) تعليلا لهذه الظاهرةِ فيقول: "ولعلَّ ذلك ناشئٌ من التزامِ الصدقِ في تسجيلِ مُجرياتِ الحياة، والمبالغةِ في التزامِ ذلك، دونَ أن يعملَ الأدباءُ حسابًا للعواطفِ المكبوتةِ التي يُفجّرُها الاطّلاعُ المكشوفُ على ما يجملُ أن يُخفى ويُسترَ من موبقاتِ العالمِ الجنسيّ.. هذا العالمِ الذي يُثيرُ الشهواتِ النائمةَ ويجعلُ أصحابَها فريسةً ذليلةً لها، كلما حاولوا إشباعَها لم تقْنَعْ وطالبتْهم بالمزيدِ حتّى تذوبَ قلوبُهم وأبدانُهم في جحيمِها التي لا تعرفُ الشرائع، ولا تحفلُ بالتقاليدِ والآداب، وتحتقرُ الأديانَ، ولا تُقيمُ وزنًا للفضائلِ وحميدِ السجايا والأخلاق".

ويقولُ عن كتابِ المذهبِ الطبيعيِّ في (مصر): "وهم مرجوّونَ لخيرٍ ممّا يكتبون، فهم مفكّرونَ مقتدرون، ولا ينقصُهم الاستعدادُ للانصرافِ ولو قليلا عنِ المذهبِ الطبيعيِّ، الذي جعلهم يوشكونَ أن يجعلوا منّا أمّةً من المجانينِ والمنحرفينَ والمعتلّينَ والبلطجيّةِ والشواذِّ والضالّينَ والسكارى، ومن لا همَّ لهم إلا أن يعيشوا تلكَ الحياةَ المادّيّةَ البهيميّةَ التي تحياها البهائمُ وأهلُ النفاق.. إلى آخرِ ما يكتبُه أولئكَ الإخوانُ الأفاضل، والذي لو تُرجمَ إلى لغاتٍ أخرى لحكمَ علينا قراؤنا الأجانبُ بأنّنا أمّةٌ تحيا في مستشفى المجاذيبِ أو دارِ علاجٍ للأمراضِ السرّيّة!!.. لكم نرجو مخلصينَ أن يتخلّصَ كتّابُنا من آثارِ هذا المذهب، في القصّةِ والمسرحيّةِ على السواء، وأن يتخلّصَ منه فنانونا في التصويرِ والسينما وفي نظمِ الأغاني.. إنّه مذهبٌ فشلَ في (أوروبا) و (أمريكا) وفي كلِّ ركنٍ من أركانِ العالم، لاقتصارِ الأديبِ أو الفنّانِ فيه على التصويرِ المادّيِّ الفاضح، أو التصويرِ المجسّمِ الذي لا يحتشم، أو التصويرِ الذي تبدو به النفسُ البشريّةُ عاريةً في أحطِّ غرائزِها.. إنّه مذهبٌ لا يحملُ رسالةً ولا ينطوي على فلسفةٍ ولا يهدفُ إلى إصلاح".

لقد كتبَ (دريني خشبة) هذا الكلامَ سنة 1961، ولو عاشَ إلى الآنَ لأدركَ كيفَ أدّى الإلحاحُ على تصوير هذه النماذجِ المنحرفةِ من البشر إلى إنتاجِ أجيالٍ كاملةٍ تأنسُ بها ولا تستنكرُ تصرفاتِها، بل تظنُّها هي الأصلَ في المجتمعِ فتتمثّـلُها وتقتدي بها!.. والنتيجةُ الطبيعيّة، هي أنَّ الملتزمينَ والأسوياءَ صاروا الآنَ هم الشواذَّ والقلّةَ في المجتمع، ويتّهمونَ بالتخلّفِ والرجعيّةِ والتزمّتِ... إلخ!!!!


[1] أعرفُ أنَّ معظمَ من يقرأونَ هذا الكلامَ سيهزّونَ رءوسَهم في حسرة، ويمصمصونَ شفاههم في امتعاض.. هذا دونَ أن ينتبهوا إلى أنَّ معظمَ ما يقرأونَه في القصصِ والرواياتِ، وما يُشاهدونَه في الأفلامِ والمسلسلاتِ هو من هذه النوعيّة.. ولكنّهم من فرطِ اعتيادِهم لم يعودوا يلاحظونَ ذلك!!


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









15 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) كيفَ غيّرتِ الطباعةُ شكلَ العالم:


15

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثانيا - سديمُ (جوتنبرج)

كيفَ غيّرتِ الطباعةُ شكلَ العالم:

كانَ اختراعُ الكتابةِ منعطفًا هامًّا في تاريخِ البشريّة، فقد أدّتْ إلى حفظِ التجاربِ والخبراتِ عبرَ الأجيال، مما عمِلَ على تراكمِ المعرفةِ البشريّة.

ولكنَّ قرونًا طويلةً كانَ يجبُ أن تنقضيَ إلى أن تُستغلَّ الكتابةُ على النحوِ الأمثل، فإنَّ واحدًا من الأسبابِ التي عوّقتْ سرعةَ التقدمِ الحضاريّ، كانَ قلةُ عددِ النسخِ الموجودةِ من الكتبِ والمخطوطات، مع بطءِ عمليّةِ النسخِ اليدويّ.. لهذا كانَ المحظوظونَ فقط، أو الجهاتُ الرسميّة، هم من يحظى بامتلاكِ نسخةٍ من كتابٍ هامٍّ أو مخطوطةٍ نادرة.. ربّما لهذا يعزو البعضُ بطءَ التقدّمِ العلميِّ إلى قيامِ الأمراءِ والكهنةِ والقساوسةِ بإحراقِ كلِّ ما لا يعجبُهم من الكتبِ والمخطوطاتِ التي يرونَ أنّها ضارّةٌ بمصالحِهم أو أنّها كفرٌ وهرطقة.. هذا بالإضافةِ إلى الحرائقِ والبراكينِ والزلازلِ والكوارثِ، التي كانتِ السببَ في دمارِ ثرواتٍ علميّةٍ وفكريّةٍ هائلة، مثلِ حريقِ مكتبةِ (الإسكندريةِ) قديمًا، والزلزالِ الذي هدمَ منارَ (الإسكندريّة)، وما قامَ به المغولُ من تدميرِ مكتبةِ (بغدادَ) بكلِّ كنوزِها، وإلقاءِ كتبها في النهرِ لصناعةِ جسرٍ يعبرونَ عليه!

هذا بالطبعِ مع صعوبةِ وبطءِ نقلِ الكتبِ من مكانٍ إلى آخر، في عصورٍ لم تَكُنْ وسائلُ المواصلاتِ بها تتجاوزُ الدّوابَّ والمراكبَ الشراعيّة.

لمثلِ هذا وغيرِه، لم يكنْ للكتابةِ الدورُ الهائلُ الذي كانتْ مؤهّلةً له، فظلّتْ بذلكَ حكرًا على الخاصّةِ دونَ سائرِ الناس.

كانَ ذلك كذلك حتى أواسطِ القرنِ الخامس عشر، حينَ ابتكرَ (نوتنبرج) المطبعةَ (وإن كانت قد عُرفتْ في الصينِ قبلَ ذلك بفترة).. فماذا حدثَ إذن مع اختراعِ وانتشارِ الطباعة؟

-   كانَ من التغيّراتِ الجوهريّةِ، أن أصبحَتْ إجادةُ القراءةِ والكتابةِ وسيلةً مهمّةً يستطيعُ الرجلُ بها أن يشقَّ طريقَه في العالمِ، ويصعدَ درجاتِ المجتمع، بدلا من إجادةِ فنونِ الحرب، التي طالما لقِيَتِ الإقبالَ والتوقير.

-   أدّتِ الطباعةُ أيضًا إلى تكثيفِ الحروبِ الدعائيّةِ، فازدادتْ حدّةُ الاحتكاكِ التقليديِّ بينَ التاجِ (الملك) والمقاطعات، وبينَ البلاطِ والريفِ، وبينَ الكنيسةِ والدولة، الأمرُ الذي وضعَ الأساسَ لتشكيلِ الأحزابِ السياسيّةِ المتمايزةِ عن مجرّدِ التكتّلاتِ التي كانت موجودةً في عصرٍ سابق.

-   ساعدَ انتشارُ الطباعةِ ونموُّ فيضانٍ من أنواعِ الإقناعِ المكتوبةِ إلى أن أصبحتِ الحربُ أقربَ منالا للناسِ الذينَ لم يشتركوا في الحروبِ من قبل، وفاقَ تأثيرُ الصورِ المكتوبةِ للحربِ وأهوالِها تأثيرَ النصبِ التذكاريّةِ والرسومِ الجامدة.

-   كانَ الإصلاحُ الدّينيُّ[1] أوّلَ حركةٍ دينيّةٍ تحظى بمساعدةِ المطبعة، حينما قامَ الراهبُ الألمانيُّ (مارتن لوثر) بتثبيتِ أطروحاتِه بالمساميرِ على بابِ كنيسةِ القلعةِ في مدينةِ (فيتمبرج) عامَ 1517، داعيًا إلى إصلاحِ الكنيسةِ الكاثوليكيّة.. ففيما بينَ العامينِ 1517 و1520 بيعتْ من مطبوعاتِ (لوثر) الثلاثينَ ما يزيدُ كثيرًا عن 300 ألف نسخة، ممّا أدّى لانتشارِ أفكارِه الدينيّةِ عبرَ الحدود، دونَ الحاجةِ لأن ينتقلَ هو شخصيًّا لإلقاءِ خطبِه بينَ الحشود، مع ما يمثّلُه هذا من مخاطرةِ إلقاءِ الكنيسةِ الكاثوليكيّةِ القبضَ عليه.. إنَّ من المؤكّدِ أنّه من دونِ الطباعةِ ما كانَ لثورةٍ بهذه الضخامةِ أن تتحقّقَ وتكتمل.. وقد اعتبرَ (لوثر) اختراعَ (جوتنبرج) " أسمى عطايا الرّبِّ المباركةِ، حيثُ يدفعُ الدعوةَ إلى الإنجيلِ إلى الأمام ".. لقد نظرَ إلى الطباعةِ باعتبارِها الوسيطَ الذي اختاره الرّبُّ من خلالِ (جوتنبرج) لتحريرِ الشعبِ الألمانيِّ من فسادِ (روما).. لهذا أمسكَ البروتستانتُ بالقلمِ باعتبارِه السلاحَ الذي كانَ مقدّرًا له أن يتحدّى سطوةَ السيفِ وقوّتَه.. حينئذٍ بدأ الكاثوليك والبروتستانت في فرضِ أنواعٍ من الرقابةِ على المطبوعات، بعدَ اكتشافِ خطورتِها الرهيبةِ في نشرِ الأفكارِ وتحريكِ الجموع.. ومن قرأَ أو شاهدَ (أحدب نوتردام)، سيعرفُ كيفَ كانت (فرنسا) تُصادرُ آلاتِ الطباعةِ لخوفِ الكنيسةِ منها، وكيفَ كان امتلاكُ ورقةٍ مطبوعةٍ واحدةٍ سببًا كافيًا لعقوبةِ الإعدام!

-   استطاعتِ الطباعةُ كذلك اختراقَ الحدودِ اللغويّةِ وتجاوزَها، فقد كانتْ أوائلُ الكتبِ مزوّدةً بالكثيرِ من الرسومِ لتوضيحِ النصِّ المكتوبِ، ولتوسيعِ جمهورِ متلقيها ممن لا يجيدونَ القراءةَ أو اللغةَ التي طُبعتْ بها.

-   عملتْ الطباعةُ على نشرِ المعرفةِ بينَ جمهورٍ أوسع، فبدلا من اللغةِ اللاتينيّةِ التي كانتْ تكتبُ بها المخطوطاتُ العلميّةُ والدينيّةُ والكتابُ المقدّسُ، توسّعتْ الطباعةُ باللغاتِ المحلّيّة، مثلما توسّعَ البروتستانت في طباعةِ الكتابِ المقدّسِ بهذه اللغات.. وربّما ساعدَ هذا على ترسيخِ الأفكارِ القوميّة.

-   أدّتِ الطباعةُ إلى ظهورِ الصحافة، التي قضَّتْ لها مضاجعُ الملوكِ والأمراء، وحاولوا بشتّى الطُرقِ فرضَ الرقابةِ على النشرِ، ووضعَ القيودِ والرسومِ الإضافيّةِ على إصدارِ الصحفِ لكي يرتفعَ ثمنُها ويقلَّ قرّاؤُها، وأحيانًا كانوا يلجأونَ إلى تمويلِ بعضِ الصحفِ ـ خلافَ الصحفِ الحكوميّة ـ في الخفاءِ لتأييدِ آرائِهم.. وفي النهايةِ عجزوا عن الوقوفِ في وجهِ أداةِ الحرّيّةِ الكاسحة، صاحبةِ الجلالةِ الصحافة، التي تزايدتْ أعدادُها بسرعةٍ كبيرة، وانتشرتْ بينَ جماهيرَ أوسع.. لقد لعبتْ الصحافةُ في (أوروبّا) ـ ولا سيّما (بريطانيا) ـ دورًا هائلا في انتصارِ الديمقراطيّة، والتخلّصِ من النظمِ الاستبداديّةِ التقليديّة.

-   استُخدمتِ الطباعةُ كذلك في نشرِ الكتاباتِ والصورِ الفاضحة.. ومع الرقعةِ الواسعةِ التي تنتشرُ عبرَها الطباعة، ومع الصعوبةِ البالغةِ في الرقابةِ على كلِّ ما يُطبعَ ـ فما أكثرَ المطابعَ السّرّيّة ـ يُمكنُكَ أن تتخيّلَ أنَّ هذه كانتِ إحدى المنعطفاتِ الهامّةِ على طريقِ انحرافِ البشريّة[2].. إنَّ الكثرةَ والاستمرارَ والإلحاحَ المستمرَّ في نشرِ الأفكارِ المنحرفةِ والرسومِ الفاضحةِ لقادرةٌ على غسيلِ أمخاخِ أجيالٍ عديدة، تلكَ التي من كثرةِ الاعتيادِ والألفة، تعتبرُ أنَّ ما تراه وتقرأُه هو الصوابُ بعينِه، ولا صوابَ غيرُه!

-   صاحبت الكثيرُ من الفلسفاتِ والنظريّاتِ الهدّامةِ ظهورَ الحضارةِ الصناعيّة، فهل تتخيّلُ أنَّ مثلَ هذه الأفكارِ كانَ سيقدّرُ لها الانتشارُ والذيوعُ بينَ الجماهيرِ لتغييرِ نظرتِهم إلى الدنيا والدينِ بل وإلى أنفسِهم، ما لم تكُنِ الطباعةُ قد اختُرعتْ؟[3]

-   أثبتتِ الإحصائيّاتُ والدراساتُ أنَّ معظمَ الأدباءِ والشعراءِ والفنانينَ معقّدٌ نفسيًّا، أو منحرفٌ أخلاقيًّا، وكثيرٌ منهم كانوا شواذًّ حتّى!.. كلُّ الأدباءِ متمرّدٌ، ذاتُه قلقةٌ، يبحثُ عن شيءٍ مجهولٍ لا يدريه هو نفسُه، ثائرٌ على المجتمع، وأغلبُهم يفشلُ في زواجِه وحياتِه الشخصيّة.. مثلُ هؤلاءِ قُدّرَ لهم أن يكونوا مسئولينَ عن توجيه المجتمع، فالأشعارُ والقصصُ والرواياتُ والمسرحيّاتُ والكتبُ، التي ساعدتِ الطباعةُ على ألا يخلوَ بيتٌ منها، خاصّةً مع ما تتمتّعُ به من جاذبيّةٍ وتشويقٍ وإمتاع، قد عملِتْ على تربيةِ ذوقِ البشريّة، وتغييرِ أفكارِها وطباعِها.. ولكنْ على يدِ مَن؟؟!!!.. يُمكنُكَ أن تقولَ إنَّ ما حدثَ بالضبطِ هو (تسليمِ القطِّ مفتاحَ الكرار!!).. المشكلةُ ليستْ في الأديبِ فحسب، بل في الاتجاهاتِ العجيبةِ والشعاراتِ المريبةِ التي تنبتُ فجأةً، ويتمُّ الترويجُ لها على أساسِ أنّها هي الأدبُ والفنّ، وذلك لاستقطابِ شبابِ الأدباءِ ليكونوا أدواتِ تدميرٍ لمجتمعاتِهم[4].

-   عملتْ الطباعةُ كذلك على تحويلِ الأدبِ والفنِّ من الإبداعِ المحضِ إلى نوعٍ من النشاطِ التجاريّ، فبدلا من أنْ يعيشَ الأديبُ أو الفنّانُ في كنفِ أميرٍ أو ملكٍ أو إقطاعيٍّ يُغدقُ عليه العطاءَ لينسبَ لنفسِه مجدًا شخصيًّا، ويُقالَ بأنّه أكبرُ راعٍ للآدابِ والفنونِ في عصرِه، صارَ المبدعُ يتعاملُ مع جمهورٍ واسعٍ عريضٍ يحدُّه بذوقِه وثقافتِه.. أعتقدُ أنّكَ تستطيعُ تخيّلَ كيفَ يمكنُ أنْ تدفعَ لقمةُ العيشِ مثلَ هؤلاءِ المبدعين أو مدّعى الشهرةِ أو راغبيها، إلى الإسفافِ والابتذالِ والتكرارِ التقليديِّ والإباحيّةِ وما إلى ذلك، لمجردِ إرضاءِ ذوقِ أكبرِ عددٍ ممكنٍ من (المشترين)، لإرضاءِ الناشرِ وجمعِ المال![5]



وحتّى لا يكونُ الكلامُ مجرّدا، تعالَ نرى بعضَ نماذجَ الاتجاهاتِ الأدبيّةِ والفنّيّةِ الهدّامة، لتلمسَ كيفَ استخدمتِ الطباعةُ كمعولِ هدمٍ للأخلاقِ والعقولِ ونظمِ المجتمعاتِ والأديان.



[1] اقرأِ الفصلَ المُعَنْونِ بـ "كيف تراجع دورُ الدينِ في أوروبا".

[2] سيتساءلُ البعضُ في تعجّب: لماذا هذا التحذيرُ الزائدُ منَ الجنسِ والإباحيّة؟.. وهؤلاءِ ـ بخلافِ أنّهم يُغفلونَ القيمَ الدينيّة ـ ينسونَ أنَّ الحياةَ البشريّةَِ مجموعةً منَ المفاهيمِ، حينما ينفرطُ عقدُها وتفقدُ قيمتَها، يضيعُ الحافزُ للحياةِ نفسِها.. لا غروَ إذن أن تنهارَ الروابطُ الاجتماعيّةُ في الغربِ مع ازديادِ الإباحيّة، وينهارَ الفردُ نفسُه بالانحرافِ إلى الإجرامِ أو الإصابةِ بالأمراضِ النفسيّةِ والعصبيّةِ أو الإقدامِ على الانتحار.. ولمن يريدُ المزيدَ من التفاصيلِ حولَ الأثرِ المدمّرِ للإباحيّةِ على الأطفالِ والمراهقين، فعليه بقراءةِ الفصلِ المعنونِ بـ "خطورةُ الإباحيّة".

[3] اقرأِ الفصلَ المُعَنْونِ بـ "ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق".

[4] اقرأِ الفصلَ المعنونَ بـ "رصد لبعضِ الظواهرِ الأدبيّة".

[5] لا يعني هذا أنّي أدعو إلى أن تدعمَ الدولةُ المبدعينَ، فهذا يحوّلُهم إلى موظّفينَ، ويجعلُ للوساطةِ والمحسوبيّةِ والعلاقاتِ الشخصيّةِ والدوافعِ السياسيّةِ اليدَ الطولى في تعريفِ من هو مبدعٌ من عدمِه!.. ونحنُ نرى العاهاتِ التي تنشرُ لها وزارةُ الثقافةِ في (مصرَ) تحتَ مسمّى حرّيّةِ الفكرِ وتحفيزِ المبدعين!.. إذنْ ما الحلّ؟!!.. هذا هو: تركُ الإبداعِ للعرضِ والطلبِ، ولكن مع تشديدِ الرقابةِ على كلِّ ما يقرأُ ويُشاهدُ ويُسمع، على أن تضمَّ لجانُ الرقابةِ رجالَ دينٍ، وخبراءَ نفسيينَ واجتماعيّين، ولغويّينَ ونقّادًا وفنانين، ومختصّينَ في مختلفِ فروعِ العلم، حتّى لا نتركَ عقولَ أجيالِنا لتخريفِ كلِّ مَن هبَّ ودبّ!.. على ألا يدخلَ ضمنَ رجالِ الرقابةِ رقباءُ سياسيّون، حتى لا يقتلوا حرّيّةَ الفكرِ والإبداعِ والتعبيرِ عن رأيِ الشعبِ أو يعملوا على تزييفِ وعيِ الشعوبِ، لصالحِ حفنةٍ من رجالِ المناصب!.. وعلى أن يكونَ منصبُ الرقيبِ مستقلا تمامًا، كاستقلالِ القضاءِ أو هو أشدُّ استقلالا!


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








14 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) [1]


14

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

ثانيا - سديمُ (جوتنبرج) [1]

·كيفَ غيّرتِ الطباعةُ شكلَ العالم:

·أمثلةٌ على الاتجاهاتِ الهدّامةِ والأدباءِ المنحرفين[2]:

1-  المذهبُ الطبيعيّ:
2-  المذهبُ الرمزيّ:
3-  المذهبُ السريالي:
4-  الوجودية:



وفيما يلى شرح كل على حده


[1] هذا هو عنوانُ الفصلِ التاسعِ من كتابِ (قصف العقول) لكاتبِه (فيليب تايلور) الصادرِ في سلسلةِ (عالم المعرفة) برقم 256.. وهو يتكلّمُ عن الدعايةِ للحربِ منذ العالمِ القديمِ وحتى العصرِ النوويّ.. ولا داعيَ للقولِ بأنّه كتابٌ أكثرُ من رائع!

[2] من كتاب (دريني خشبة): "أشهر المذاهب المسرحية".




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









13 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا) 5- المقلّدون على عمى:


13

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)

5- المقلّدون على عمى:

امتدّت نتائجُ حركةِ الإصلاحِ الدينيِّ حتّى مسّت مجتمعاتِنا، حتّى بعدَ مرورِ قرونٍ علي حدوثِها.. ويتّضحُ ذلك ممّا يلي:

1.    الإنجيليّون والقرآنيّون:

سُمّيَ البروتستانتُ الذينَ يقولونَ بنبذِ التقليدِ الكنسيِّ واتّباعِ الإنجيلِ فقط بـ (الإنجيليين)، بالرغمِ من أنّهم أبقَوا بعضَ العقائدِ التي لا تستندُ إلى الإنجيلِ، مثلِ تقديسِ يومِ الأحد.. ألا يبدو لكَ التشابهُ مريبًا بينَهم، وبينَ مَنْ يُسمّونَ أنفسَهم بـ (القرآنيين) ويدعونَ للتّخلّي عنِ السُّنّةِ كمصدرٍ للتشريع ـ مع أنّها هي التي تُفسّرُ الكثيرَ من مُجملِ القرآن، ككيفيّةِ أداءِ الصلاةِ مثلا ـ بل ويدعونَ إلى الاكتفاءِ باتّباعِ الآياتِ المكّيّةِ من القرآنِ فقط، بحجّةِ أنَّ الآياتِ المدنيّةَ تحتوى على شرائعَ نزلتْ في مجتمعٍ غيرِ مجتمعِنا، ولم تَعُد صالحةً لعصرِنا!!

ولا أدري لماذا يعبدونَ اللهَ سبحانَه ـ إن كانوا يعبدونه ـ ما داموا مقتنعينَ أنّه قاصرٌ عن وضعِ شريعةٍ عامّةٍ مرنةٍ تراعي الثوابتَ والمتغيّرات، مناسبةٍ للنفسِ الإنسانيّةِ في كلِّ مجتمعٍ وفي كلِّ زمانٍ ومكان؟!!

ثمَّ ماذا سيبقى من الدينِ بعدَ استبعادِ سنّةِ الرسولِ وتشريعِ الله؟!

سبحانَ اللهِ عمّا يصفون!

2.    الدين لله والوطن للجميع:

كان من أثر الإصلاحِ الدينيِّ في (أوروبّا) رفضُ تدخّلِ (روما) في شئونِ باقي الدولِ الأوروبيّة، حتّى ولو كانت مقرَّ الفاتيكان.. كما رُفِضَ تماما تدخّلُ الكنيسةِ في الحياةِ المدنيّة، بعد أن وقفتْ في وجهِ العلمِ واتهمتِ الكثيرَ من العلماءِ بالهرطقة.. من هنا ترعرعت الأفكارُ العلمانيّة، وانحسرَ دورُ الكنيسةِ بالتدريج، وراجَ شعار: الدينُ للهِ والوطنُ للجميع، بمعنى عدمِ الاستنادِ في تشريعِ القوانينِ إلى دينِ طائفةٍ ما من الطوائفِ التي تقطنُ الدولة، حتّى ولو كانتِ الأغلبيّة (مع أنّ هذا ظلمٌ فادحٌ للأغلبيّة بحجّة إنصاف الأقلّيّة!!!!!).. وبقدرةِ قادرٍ تمّ استيرادُ هذه المفاهيمِ إلينا، مع أنّ التجربةَ مختلفةٌ تماما، ومع أنّ الإسلامَ هو الذي قادَ العربَ بعد أن كانوا همجًا يقتتلون، ليقيموا حضارةً هائلة، هي التي أخرجت ـ بعلومِها وآادابِها وفنونِها ـ (أوروبا) من ظلماتِها.. ولكن للأسف، كان نموُّ الحضارةِ الغربيّة بعد تخلّصِها من سيطرةِ الدين، مدعاةً للاعتقادِ بأنّ الأديانَ بوجهٍ عامٍّ من معوّقاتِ الحضارةِ والتقدّم، وهو قولٌ مغلوط، فأوروبا لم تتقدّمْ لأنّها تخلّصت من الدين، ولكن لأنّها تخلّصت من الكهنوتِ الذي تسلّطَ عليها باسمِ الدين.

عامّةً أنا لا أرفضُ تمامًا فكرةَ أنّ الدينَ للهِ والوطنَ للجميع.. وفي نفسِ الوقتِ لا أقبلُها بهذه الصيغةِ المبتورة، فالإسلامُ يقدمُّ هذه الجملةَ في صياغةٍ أدقّ: الدينُ لله، والحكمُ لله، والوطنُ للجميع.

1.    اضطهاد المتديّنين:

النكتةُ التي ستروقُك، هي أنّه لا توجدُ علمانيّةٌ بالمعنى الذي يُروّجُ له المغرِضون، فكلُّ المنحرفينَ والفاسدينَ يخشَونَ بأسَ المتديّنينَ في أيِّ دين.. لهذا ستجدُ أنّ العلمانيّةَ التي تقومُ على المساواةِ في المعاملةِ بينَ جميعِ الطوائفِ دونَ النظرِ إلى دينِها، وحكمِ الدولةِ على أسسٍ مدنيّةٍ وليست دينيّة، هي ضربٌ من الأساطير، أمّا ما يتمُّ تطبيقُه في الواقع، فهو العلمانيّةُ التي تعنى اضطهادَ المتديّنينَ ومحاربةَ الأخلاق، وتسييدَ الملحدينَ والفاسدينَ على المجتمع.. وللأسفِ ستجدُ هذه الصورةَ أوضحَ ما يكونُ في البلادِ العربيّةِ والإسلاميّةِ، حيثُ تُضطهدُ الجماعاتُ الدينيّةُ بدعوى أنّها إرهابيّة.. وإذا لم يكنْ هذا المثالُ مقنعًا لك ـ فلربّما تكونُ مقتنعا حقّا بأنّهم إرهابيّون!! ـ فهل تستطيعُ أن تفسّرَ لي كيف ينصُّ دستورُ دولةٍ علمانيّةٍ كـ (تركيا)، على منعِ النساءِ من تغطيةِ رءوسِهنّ، وعدمِ السماحِ لمن تغطّي شعرَها بالدخولِ إلى المدارسِ والجامعاتِ والمصالحِ الحكوميّة؟!!.. هل هذه علمانيّةٌ أم اضطهادٌ دينيٌّ للأغلبيّةِ المسلمة؟؟!!.. وهل تعتبرُ هذا الأمرَ ديمقراطيّا، حتّى لو علمتَ أنّ الفتياتِ المحجّباتِ في (تركيا) قُمنَ في عام 2002 ـ أي في القرنِ الحادي والعشرين ـ بمظاهرةٍ للمطالبةِ "بحرّيّتِهنّ" في دخولِ المدارسِ بالحجاب، فقامتِ الشرطةُ بتفريقِهنّ؟!!!

وهل تستطيعُ أن تفسّرَ لي لماذا تمّ إيقافُ (عمرو خالد) عن الخطابةِ في (مصر) رغمَ أنّه لا يتطرّقُ أساسًا إلى أيِّ مواضيعَ سياسيّة؟؟!!.. ألمجرّدِ أنّه بدأَ يجمعُ حولَه تيّارًا من الشبابِ المتديّنِ وبدأ يُحدثُ صحوةً دينيّة؟؟!!

إنّني أدّعي أنّ المتديّنينَ في بلادِنا سيكونونَ أسعدَ حالا، لو تمَّ تطبيقُ العلمانيّةِ "النظريّةِ" التي تتركُ لهم حرّيّةَ العبادة، رغمَ أنّ هذا يعتبرُ جزءًا يسيرًا فحسبُ من منهجِ الإسلام، فكما قلنا من قبل: الدينً لله، والحكمً لله، والوطنً بعد ذلك للجميع.

2.    تهميشُ الأديانِ وتهشيُمها:

حتّى تتّضحَ لك الصورةُ أكثر، انتبِهْ وأنتَ تقرأُ الفصولَ القادمة، كيف أنَّ الهدفَ الأساسيَّ وراءَ أيِّ اتجاهٍ أو ظاهرةٍ أو نظريّة، هو هدمُ الدينِ والأخلاق، وتحييدُ الإنسانِ بحيثُ يصبحُ سلبيًّا نحوَ كلَّ ما يحدثُ من حولِه، والعبثُ بفطرتِه وشخصيّتِه، وحشوُهُ بأهدافٍ زائفةٍ تدمّرُه.. ستكتشفُ ذلك عندما نتحدّثُ عن الفكرِ والأدبِ والفنّ، وعندما نتحدّثُ عن وسائلِ الإعلام، وعندما نتحدّثُ عن التعليم، وعندما نتحدّثُ عن الخرافةِ الكبرى المسماةِ "حرّيّة المرأة".. وستكتشفُه ظاهرًا جليّا منصوصًا عليه بلا لبسٍ أو غموضٍ عندما تقرأُ "بروتوكولاتِ حكماءِ صهيون".

أعرفُ أنّ هناك من سينتصبونَ الآنَ في تحفّز، وسيتّهمونني بالإصابةِ بعقدةِ نظريّةِ التآمر!

ربّما، ولكنَّ الثغرةَ الكبرى في هذا الاتهامِ، هو أنّ معظمَ ما ستقرأونه في هذا الكتابِ هو خلاصةُ أفكارِ عشراتِ المفكّرينَ وليست محضَ أفكاري، بل إنّ معظَمهم هم من الكتّابِ الغربيّينَ الذينَ ينتقدونَ أوجهَ القصورِ في حضارتِهم، وستجدُ إشاراتٍ في كلِّ فصلٍ لمصادرِ ما به من أفكارٍ ومعلومات، كما ستجدُ قائمةً بالمراجعِ في نهايةِ هذا الكتاب.

اطمئنّوا.. لستُ وحدى المصابَ بعقدةِ نظريّة التآمر!



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








12 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا) 4- لقد تغيّرتْ خريطةُ العالم:


12

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)

4- لقد تغيّرتْ خريطةُ العالم:

لقد توافرت في تلك المرحلةِ من التاريخِ جملةٌ من الأسبابِ، عملت مجتمعةً على رجحانِ كِفّةِ الغرب وخسرانِ كِفّةِ العربِ والمسلمين:

1-  سقوطُ الأندلس:

كان ضياعُِ (الأندلسِ) من العرب، عاملا أساسيّا في خروج (أوروبا) من العصور المظلمة، فعندما سقطت (الأندلس)، خرجت منها قوافلُ طويلةٌ من الدوابّ محمّلةً بذخائر الكتبِ التي كانت تملأ مكتباتِها، وراحت هذه القوافل تجوبُ (أوروبا) لشهورٍ طويلة، تقدّم لطلابِ العلم الأوروبيّين ثروةً مذهلةً من المعارفِ كادت تفقدهم صوابَهم، فقد ظلّت أوروبا قبل ذلك بقرونٍ تحتفظ بكلّ ما لديها من علمٍ في مرجع وحيد، كانت تعتبره خلاصة علوم الدنيا!

2-  الطباعة:

كان من حسنِ حظّ أوروبا أنّها عرفت المطبعة في تلك الفترة، ممّا عمل على نشر العلوم العربيّة والإسلاميّة ـ في الرياضيّاتِ والطبّ والفلك والكيمياء والجغرافيا وغيرها ـ بين طائفةٍ أوسعَ من طلاب العلم، ممّا عمل على تراكم العلوم وتسريع عجلة التطوّر.. بينما لم يعرف المسلمون الطباعة إلا بعد ذلك بحوالي ثلاثة قرون، عندما هجمت الحملة الفرنسيّة على مصر.. ولا يمكن اعتبار هذا الحدث فاتحة خير، فقد اقترنت الطباعة عندنا بالغزو الفكريّ، حيث زاغت أبصارُ طلابِنا الذين سافروا لـ (أوروبا) ليتعلّموا فيها، ولم يروا فيها إلا مباذلها وفجورها فنسبوا حضارة الغربِ إليه، ولم يروا فينا إلا تخلّفنا فنسبوه إلى إسلامنا وهو منه براء، وعادوا إلى بلادنا يستخدمون الطباعة عبرَ الصحفِ والمجلاتِ والكتب، لمحاربةِ أخلاقِنا وديننا ونشر الدعوات الهدّامة، والتخريف في عقول نسائنا ليبعن أنفسهنّ كنساء الغرب.. وللأسف: ما زلنا إلى الآن "محلّك سِرْ" في العلم والفكر والأدبِ والفنّ والاقتصادِ والديمقراطيّة، ولكنّنا "غزونا فضاء" الرذائلِ والانحرافِ والتفكّك الاجتماعيّ وتقليدِ مهلكات الغرب!

3-  الإصلاحُ الدينيُّ:

كانت تلك الفترةُ أيضا فترةَ (أوروبا) الذهبيّة للاستفادة من كلّ حضارة الإسلام، فقد قلّص الإصلاحُ الدينيُّ من تدخّل الكنيسة في حياة الناس، وكانَ الأكثر تضررا من هذا التدخّل هم العلماء، فكم منهم اتهمته الكنيسة بالهرطقةِ كلّما أعلن كشفا علميّا أو نظريّةً جديدة.. ورغم أن لوثر وكالفين لم يكونا أفضل من الباباوات في معاملة العلماء، إلا إنهما كانا قد نسفا بالفعل سيطرة الكنيسة على العقل، مما جعل تحرر العلماء من جبروتها مسألة وقت فحسب!

هذا في نفس الوقت الذي كان الأتراك يكتسحون فيه الوطن العربيّ ليفرضوا عليه عزلةً طويلةً ويحرموه من العلمِ والتطوّر والمعرفة!

4-  التطوّر العسكريّ:

ورغم أنّ نموّ تيار القوميّة في (أوروبا) أوجد صراعا عنيفا داخلها، تارةً بينَ إسبانيا والبرتغال، وتارةً بينَ فرنسا وإنجلترا وغيرها، إلا إنّ ذلك كان حافزا على التنافسِ الاقتصاديّ والعلميّ لتطوير الأسلحة والقدرات الحربيّة.. هذا بينما كان العرب ينعمونَ بالنوم الطويل في حضن الحكم العثمانيّ، وإن لم يكن نوما هنيئا، فقد تخللته كثير من كوابيس المجاعاتِ والفقر، وسياط المرتزقةِ من المماليك والأرناؤوط والشراكسةِ وغيرهم.. ولأنّه كان حكما ظالما، فقد حُرم العربُ من شرف الجنديّة والجهادِ في سبيل الله، خوفا من أن يتعلّموا الدفاع عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم!!

5-  اكتشافُ العالم الجديد:

في هذه المرحلة أيضا تمّ اكتشاف الأمريكتين ـ القارتين اللتين أباد الأوروبيّون سكّانهما من الهنود الحمر الذين كانوا يقدّرون بحوالي 10 ملايين إنسان!!.. وتوافرت في الولايات البريطانيّة في أمريكا الشماليّة الظروف التي أهّلتها لتحكم عالم اليوم: قارة خصبة وغنى فاحش، عالم جديد بقواعد جديدة، فرّ إليه كلُّ المضطهدين في (أوروبا)، ليبدأوا حضارة فتيّة بدأت من حيث انتهت (أوروبا)، كما أنّها كانت في معظم الفترات بعيدةً عن صراعات أوروبا المدمّرة، ممّا مكّنها من تكديس الثروات والتطوّر السريع.. كلّ هذا عمل على بزوغ نجمُ الولاياتِ الأمريكيّة، التي سرعان ما تحرّرت من التاجِ البريطانيّ.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








11 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا) 3- آثار عميقة[1] أفكارٌ غريبة:




11


لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)

3- آثار عميقة[1]

أفكارٌ غريبة:

كانَ من الأفكارِ التي نشرها (لوثر)، أنَّ الإيمانَ وحْدَه لا الأعمالَ الصالحة، هو ما ينقذُ الإنسانَ، فكلُّ الأعمالِ هي قدرٌ جبريٌّ من الله، حيثُ يبدو أنَّ الإنسانَ عديمُ الإرادة، والخلاصُ في الإيمانِ الصادقِ بأنَّ المسيحَ قد افتدى جميعَ الناس!.. ويمكنُ أنْ نتخيّلَ كيف يمكنُ أن يبتهجَ المجرمونَ والمنحرفونَ لمثلِ هذه الفكرة!

عامّةً إنَّ شيئًا لم يتغيّر: فبدلا من ارتكابِ الخطإ والنجاةِ بالاعترافِ أو بصكوكِ الغفران، يمكنُ النجاةُ بالإيمانِ الخالصِ وحْدَه!

كما دعا (لوثر) أتباعَه إلى اللهوِ والرقصِ يومَ الأحد، ورأى أنَّ الرقصَ يعقدُ الصداقةَ بينَ الفتيةِ والفتيات!

وكان (لوثر) يتفاخرُ بنفسِه بأنه هو الذي أصلحَ الكنيسة، فقد قال "إنّي أقولُ بدونِ افتخار، إنّه منذُ ألفِ سنةٍ لم يُفسَّرِ الكتابُ أحسنَ تفسيرٍ ولم يُدركْ أحسنَ إدراكٍ أكثرَ ممّا فسّرتُه وأدركْتُه".


آثارٌ عميقة:

ظلَّ (لوثر) مُعاديًا ومقاومًا بابا (روما) مدةَ 28 سنة، وأنكرَ أكثرَ التعاليمِ الأرثوذكسيّة، وتشبّثَ بأكثرِ العقائدِ تشدّدًا في ديانةِ القرونِ الوسطى.

وفى أخرِ حياتِه مرضَ بالفالج وتُوفّيَ في 18 نوفمبر سنة 1546م.

وكادَ (لوثر) أن يصبحَ في تعصّبِ محكمةِ التفتيش، بيدَ أنَّ أقوالَه كانتْ أغلظَ من أفعالِه، وأدينَ تاريخيًا بأنّه كتبَ مقالاتٍ انطوتْ على أقذعِ الألفاظِ في تاريخِ الأدب، وعلّمَ ألمانيا كراهيةً لاهوتيّةً صبغتْ أرضَها بلونِ الحقدِ الأسودِ مئةَ عامٍ عقبَ وفاتِه.

وقد أدّتْ أفكارُ (لوثر) إلى قيامِ حروبٍ دمويّةٍ كثيرة، سُفك فيها دماءُ ما ينوفُ عن مئةِ ألفِ نفسٍ، وخربتْ فيها سبعُ مُدنٍ ومئةُ ديرٍ، وأحرقتْ ثمانمئةُ كنيسة.

وقد أثّرتْ أفكارُه تأثيرًا بطيئًا وغيرَ مباشرٍ على الفلسفة: على يقينيّةِ (كانت)، وقوميّةِ (فيخته) ومذهبِ (شوبنهاور) في الإرادةِ، واستستلامِ الروحِ للدولة عند (هيجل).

يمكنُ القولُ بأنَّ حركةَ الإصلاحِ الدّينيِّ التي بدأها (مارتن لوثر) هي نقطةُ انقلابٍ في تاريخِ البشريّة، فقد أدّتْ تبعاتُها في النهايةِ إلى تقليلِ دورِ الكنيسةِ في الحياةِ السياسيّةِ، وبالتالي تقليلِ دورِ الدينِ في حياةِ الشعوب، كما عمِلَتْ على ظهورِ الحركاتِ القوميّةِ في أوروبّا، للتّخلّصِ من سيطرةِ روما، كما حدثَ في (ألمانيا) و(إنجلترا).. ليسَ هذا فحسب، بل إنّها قد اقترنتْ بثورةٍ اجتماعيّةٍ على الإقطاع، كما توسّعتْ في استخدامِ المطبعةِ (كما سيردُ ذكرُه في الفصل التالي)، مّما مهّدَ لبدايةِ عصرِ الديمقراطيّةِ فيما بعد.


اليهود:

عانى اليهودُ في (أوروبا) قبلَ (لوثر)، وكانوا يُواجَهونَ باللعناتِ باعتبارهم مَن صلبَ المسيح، لذلك فهم يستحقّونَ طردَهم من (فلسطينَ) عقابًا لهم على ذلك.. ولكنَّ ذلك تغيّرَ تمامًا بعدَ مجيءِ (لوثر)، فقد نشرَ في كتابه "المسيحُ وُلِدَ يهوديًّا": "إنَّ الرّوحَ القُدسَ شاءتْ أن تنزلَ كلُّ أسفارِ الكتابِ المقدّسِ عن طريقِ اليهودِ وحدَهم.. إنَّ اليهودَ هم أبناءُ الربّ، ونحنُ الضيوفُ والغرباء، وعلينا أن نكونَ كالكلابِ التي تأكلُ ما يتساقطُ من فتاتِ مائدةِ أسيادِها"!!

وجاءت نقطة التحوّل الجوهريّة، عندما ضمّ (لوثر) توراة اليهود إلى الكتاب المقدّس تحت اسم العهد القديم، وعرف الإنجيل باسم العهد الجديد، فأصبح المسيحيون الأوربيون يقرأون التوراة، ويُبدون اهتماما أكبر باليهود، وبتغيير الاتجاه السائد المُعادي لهم في أوروبا.

ليس هذا فحسب، بل نجحَ اليهودُ كذلك، في خِضَمِّ كلِّ هذه التأويلاتِ للكتابِ المقدّسِ وكلِّ هذه العقائدِ والشّيع، في التسلّلِ إلى العقيدةِ المسيحيّة، وأقنعوا معظمَ المسيحيّينَ أنَّ عودةَ المسيحِ لن تكونَ إلا عندما يستعيدُ اليهودُ بيتَ المقدس، ويحاربون أعداءَهم في معركةِ (هرمجدون)، وهو ما يؤمنُ به الشعبُ الأمريكيُّ حتّى الآن، مما يفسّرُ تعاطفَه وتأييدَه الجامحَ (لإسرائيل)، وكانتْ أمريكا قد اكتُشفتْ في تلكَ الفترة، وأدّتْ الحروبُ الدينيّةُ واضطهادُ البروتستانت إلى هروبِ عددٍ كبيرٍ منهم إلى العالمِ الجديد، بالإضافةِ إلى بعضِ المسلمينَ واليهودِ الذينَ فرّوا من محاكمِ التفتيشِ الإسبانيّة الكاثوليكيّة.



[1] أنا أستفيدُ هنا ببعضِ المعلوماتِ الموجودةِ في موسوعة (قصّة الحضارة) للكاتبِ (ول ديورانت) ترجمة د. (عبد الحميد يونس)، المجلّد الثاني عشر (الإصلاح الديني) الصادر ضمنَ مكتبةِ الأسرة.. هذا بالإضافةِ إلى بعضِ الوثائقِ الإلكترونيّةِ، وقراءات أخرى حولَ تسلّلِ اليهودِ إلى العقيدةِ المسيحيّة.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ










10 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا) 2- الثورة على الكنيسة[1] صكوكُ الغفران:


10

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)

2- الثورة على الكنيسة[1]

صكوكُ الغفران:

بدأ (مارتن لوثر) نشاطَه في مقاومةِ بابا (روما) (لويس العاشر) في الفترة (1517 ـ 1524)، عندما أصدرَ هذا البابا صكوكَ الغفران، وفوّضَ (يوحنّا تنزل) بتحصيلِ ثمنِ هذه الصكوكِ، لاحتياجِه إلى المالِ ليُكملَ كنيسةَ (القديسِ  بطرس) وبعضَ الغاياتِ الأخرى، فكان (يوحنا تنزل) يمرُّ في الشوارعِ والطرقاتِ حاملاً منشورَ البابا، داعياً الجميعَ إلى اغتنامِ هذه الفرصةِ بشراءِ صكوكِ غفرانِ الخطايا، لغفرانِ الخطايا الماضيةِ والمستقبليةِ أيضاً!

وكانت هذه الصكوكُ ذاتَ فئاتٍ مختلفةٍ لغفرانِ مُددٍ مُختلفة (100 يوم ـ 400 يوم)، وكلُّ مدّةٍ لها ثمنٌ مُختلف!!.. فكان الشعبُ المسكينُ الذي استولتْ على عقلِه تلك الضلالاتُ الباطلةُ يُسرعُ إلى اختطافِ هذه الغفراناتِ من يدِ (تنزل) ودفعِ النقودِ اللازمة.

فابتدأ (لوثر) يُقاومُ هذا العملَ، ويُندّدُ بفسادِه تنديداً قاسياً، حتى بلغَ ذلك مسامعَ البابا، فدعاه إلى (روما)، فلم يُلَبِّ الدعوة، بل أجابَ البابا بتأليفِ كتابينِ، سمّى الكتابَ الأوّلَ " سبى الكنيسة البابليّ " وسمّى الكتابَ الثاني " كسر ختم المسيح الدجال "، فاحتدمَ البابا غيظًا، وبادرَ بحرمانِه من غفرانِ الكنيسةِ سنةَ 1526.. غيرَ أنّ (لوثر) لم يعبأ بالحرمِ، بل أحرقَ جهاراً على رؤوسِ الملأ، جميعَ المنشوراتِ البابويةِ الخاصةِ بذلك، وسْطَ تهليلِ أتباعِه واستحسانِهم.


الثورةُ اللوثريّة:

لما استفحلَ أمرُ (لوثر) وتعاظمَ خطرُه وكثُرُ أعوانُه، دعاه الإمبراطور (كارلوس) إلى (ورمس) وأعطاه الأمان، حيث كان مجتمعًا جمهورٌ غفيرٌ من الأمراءِ والأساقفةِ وأكابرِ الأكليروس، وطلبَ إليه أن ينبذَ تعاليمَه فأبى، وإذ رآه الملك مُصرًا على رأيِه، أطلق سبيلَه وأمرَ بإحراقِ مؤلفاته.

وقد ساند (مارتن لوثر) والى (سكسونيا) المدعو (فريدريك) و(أندراوس كولوستاد) و(فيليبس ميلانكتون) أستاذُ اللغةِ اليونانيةِ فى (ويتمبرج) وغيرُهم.

وقد تقوّى بملكِ (هيس)، الذي أباحَ له (لوثر) الزواجَ بزوجةٍ أخرى فوقَ زوجتِه التي كانت على قيدِ الحياة، وخلعَ (لوثر) ثوبَ الرهبنة وتزوّجَ مِن الراهبةِ (كاترينا)، فقد كانَ معترضًا على عدمِ زواجِ القساوسة، وأنَّ ذلك دونَ سندٍ من الكتابِ المقدّس.

و قد انتشرت أفكارُه، التي هاجمَ فيها السلطةَ البابويّةَ بسببِ فسادِها، كما هاجم فيها أحيانًا السلطةَ الزمنيّة (المدنيّة)، ممّا أدّى إلى ثورةٍ الفلاحينَ الجامحةِ على الإقطاعِ وعلى ابتزازِ الكنيسةِ لأموالِهم، حيثُ دعَوْا إلى شيوعِ الممتلكات، وحقِّهم في انتخابِ جميعِ الموظّفين والحكّام، وتقليلِ الضرائبِ وإعادةِ تحديدِ إيجاراتِ الأراضي الزراعيّة، فحدثتْ فوضى هائلةٌ، إلى أن قُمعت تلك الثورةُ نهائيًّا.. ومن الجديرِ بالذكرِ أنَّ (لوثر) نفسَه كانَ ضدَّ هذه الثورة، وضدَّ الشغبِ والخروجِ على سلطةِ الحكومات ـ ممّا أدّى لسخطِ جماهيرِ الثائرينَ عليه ـ فقد كانَ يرى أنّ الدولةَ تمتلكُ سلطةً إلهيّةً لحفظِ النظامِ وفرضِ الطاعةِ حتّى بإراقةِ الدماء، وأنّ على كلِّ إنسانٍ أن يعبدَ اللهَ بأن يبقى في وظيفتِه ومهنتِه، مهما كانتْ وضيعةً وبسيطة.

كما أدّتْ كتاباتُ (لوثر) إلى ظهورِ العديدِ من الحركاتِ الدينيّةِ ذاتِ العقائدِ الغريبةِ، كلُّ منها فسّرَ الإنجيلَ على حسبِ هواه، إذ دعا (لوثر) إلى أنَّ من حقِّ كلِّ إنسانٍ أن يُفسّرَ الإنجيلَ على حسبِ اعتقادِه الشّخصيِّ مهما كانتْ ثقافتُه، وذلك حتّى يُحرّرَ الناسَ من خضوعِهم لتفسيرِ البابويّة الخاصّ.

وقد بلغتِ الشيعُ التي قامت في حياتِه من بينِ تلاميذِه 34 شيعة، وربّما يكونُ عددُها قد وصلَ حاليًّا إلى ما يقربُ من ألفِ شيعة.. وقد كانَ لبعضِ هذه المذاهبِ اتّجاهاتٌ ثوريّةٌ سياسيّةٌ واجتماعيّة، مثلِ (اللامعمدانيّة).



[1] أنا أستفيدُ هنا ببعضِ المعلوماتِ الموجودةِ في موسوعة (قصّة الحضارة) للكاتبِ (ول ديورانت) ترجمة د. (عبد الحميد يونس)، المجلّد الثاني عشر (الإصلاح الديني) الصادر ضمنَ مكتبةِ الأسرة.. هذا بالإضافةِ إلى بعضِ الوثائقِ الإلكترونيّةِ، وقراءات أخرى حولَ تسلّلِ اليهودِ إلى العقيدةِ المسيحيّة.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







9 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا) 1- نصرانية أم وثنيّة :


9

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)

1- نصرانية أم وثنيّة :

اعتنقت أوربا النصرانية (عام 325م) بعد مجمع نيقية، بأمر من الإمبراطور قسطنطين.. ولكنّها لم تعتنق دين المسيح عيسى عليه السلام، بل دين اليهوديّ بولص (شاؤول)، الذي دخل في النصرانية بعد وفاة المسيح، فأدخل فيها الوثنية.. وكانت أوربا قبل ذلك تحت الحضارة الرومانية الجاهلية، فلم تنتفع من الدين الجديد بشيء، بل انتقلت من وثنية إلى وثنية!!.. لكن الوثنية الجديدة كانت كارثة كبرى على أوربا، حيث حطّمت حضارتها، وابتدأت بها عصورها الوسطي المظلمة، التي امتدت من عام 410م (تاريخ سقوط روما بأيدي البرابرة) إلى عام 1210م (تاريخ ظهور أول ترجمة لكتب أرسطو في أوربا).

ثمانية قرون من التيه، اصطلح المؤرخون الغربيون على تسميتها بالعصور المظلمة، حيث تزامن الانحطاط الكامل في كافة الفنون والعلوم، مع انتشار النصرانية في أوربا، وانتقال العاصمة من روما إلى القسطنطينية بعد الاجتياح البربري.

فهما حدثان ربط بينهما بعض المؤرخين، مثل (إدوراد جيبون) أكبر مؤرخي تلك الفترة، وحكم بأن سبب انهيار الإمبراطورية الغربية: تحولها من الوثنية إلى النصرانية!!

ومن هنا ارتبطت الوثنية بالحضارة والقوة، والدين بالهزيمة والانحطاط في الذهنية الأوربية، منذ فترة مبكرة، وهو ما كان له آثار بعيدة المدى في علاقة أوربا بالدين.

فالربط بين انهيار الحضارة الرومانية بتحول أوربا إلى النصرانية، والممارسة الكنسية الدكاتورية، حمل الأوربي على التشاؤم والنفور من الدين جملة، وكان له الحق في ذلك.

وقد كان من الممكن أن يكون الإسلام هو الدين البديل الصحيح، الذي يصحح للذهنية الأوربية كثيرا من الأفكار السلبية التي علقت بها تجاه الدين، لولا أن البابوات أججوا العنصرية والكراهية تجاه الإسلام بوصفه بأبشع النعوت، وحملوا الشعوب على الخروج لقتال المسلمين فيما عرف بالحملات الصليبية، وهي وإن كانت لها الأثر الكبير في ترسيخ النفور من الإسلام، إلا أنها كذلك كانت نقطة تحول كبير في التاريخ الأوربي.

لقد كانت الحروب الصليبية بالنسبة لأوربا كشف غطاء عن ناحية مستورة لم تدرك يوما وجودها، من القيم والكرامة والحضارة، ففتحت عينيها بعد طول غمْضٍ على واقع جميل، لم تحلم به يوما، وهي تعيش تحت سلطة البابوات والإقطاعيين والملوك:

-       لقد رأت أوربا عظم مدن الإسلام، فأصغر مدينة كانت تبلغ عشرة أضعاف العاصمة روما.

-   وأوربا التي لم تعرف قرونا كتابا إلا الإنجيل، ولا قارئا إلا القسيس، تذهل للمكتبات الهائلة في مدن الإسلام، وهي تحوي كل الفنون، من الفلك إلى الأدب.

-   وفي الوقت الذي كان فيه الأوربي لايستطيع القيام بصلاته إلا من خلال القسيس، يرى المسلم يعبد ربه بلا واسطة، في بيوت كثيرة.

-   والشعب الأوربي الذي يعيش جُلّه العبودية، يجد المسلمين أحرارا، يفعلون ما شاءوا، دون سلطة كهنوتيّة أو عبوديّة إقطاعيّة.

-       وبينما كانت الكنيسة تحرق وتعذب العلماء، كان لعلماء المسلمين المنزلة والقدر الكبير.

-       وقد رأوا كيف يتعامل المسلمون بالعهود والمواثيق في السلم والحرب، عكس ما كانوا هم عليه.

-   وفي الوقت الذي كان الأوربي يعتقد أن القيصر من نسل الآلهة، وأن الله أعطاه حقا مطلقا في الحكم، يرى المسلمين وسلاطينهم تارةً من العرب، وتارةً من الترك، وهم بشر كسائر البشر.

-   وبينما كان الغربيون منغلقين، لايعرفون إلا أوربا، كان المسلمون يجوبون الأرض شرقا وغربا، حتى إنهم اكتشفوا أجزاء من شمال أوربا قبل أن تعرفها أوربا.. هذا عدا العالم الشرقي برا وبحرا.

-   أوربا التي كانت تتداوى بمركّبات من الروث والبول وأشلاء الحشرات الميتة، تفاجأ بالعالم الإسلامي زاخرا بالمستشفيات والمعامل القائمة على المنهج التجريبي، والموسوعات الطبية


نار تحت الرماد:

لقد كان الاحتكاك نقطة التصحيح والانطلاق من الأغلال.. لكن هذا التحرر لم يحدث بين يوم وليلة، بل امتد قرونا، كان التحرر فيها يسير ببطء، لكن بإصرار، يظهر ذلك في محاولات العلماء كسر طوق الكنيسة حول المسائل العلمية، وتحملهم لأجل ذلك التعذيب والقتل والتحريق.. وكذا الحركات الإصلاحية، مثل حركة مارتن لوثر وكالفن.

لقد بلغ إعجاب أوربا بالحضارة الإسلامية أن الإمبراطوار (فرديدرك الثاني)، وهو من أكبر أباطرة القرون الوسطى كان يتحدث العربية، وكان بلاطه عربي العلم واللسان، وحينما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام، وسمته الزنديق الأعظم!!

وظهرت في أوربا حركة تحطيم الصور والتماثيل في أوائل القرن الثامن الميلادي.. وممن أصدر مرسوما بذلك الإمبراطور (ليو الثالث)، إلى أن عادت إلى الوثنية والتصوير مرة أخرى بأمر الإمبراطورة (إيريني) بعد مجمع نيقية الثاني 787م.

وكان نقد الغرب لمنطق أرسطو واتخاذهم المنهج التجريبي بدلا من الفكريّ المجرد، تقليدا للمسلمين الذين رفضوا هذا العلم الإغريقي قبلَهم بقرون.

وغيّر ذلك من مظاهر التأثّر، التي غيّرت شكل أوروبا بالتدريج، إلى أن جاءت الثورة اللوثريّة، تمرّدا على السيطرة الكاملة التي مارستها الكنيسة الكاثوليكية على المجتمعات الأوربية برمتها، حيث نجحت في جعل الفرد ـ لا الكنسية وسلطاتها الإكليركية ـ المرجع في تفسير الكتاب المقدس، ومن ثم في إقرار نمط الحياة، وقد كان لهذه العودة إلى التركيز على الفرد أثر هام في نشوء الليبرالية في أوروبا.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








8 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب: اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)


8

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:

اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا)
 

1- نصرانية أم وثنيّة:
2- الثورة على الكنيسة
3- آثارٌ عميقة:
4- لقد تغيّرتْ خريطةُ العالم:
5- المقلّدون على عمى:


وفيما يلى شرح كل على حده


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



7 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ انحراف الغرب:


7

لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟

انحراف الغرب:


اولا - كيفَ تراجعَ دورُ الدينِ في (أوروبّا):
ثانيا - سديمُ (جوتنبرج):
ثالثا - ثقافةٌ تنحرفُ عن الطريق:
رابعا - احتضارُ المجتمعِ الصناعيّ:
خامسا - أوهام الليبرالية:
سادسا - أوهام الديمقراطيّة:
سابعا - حرية المرأة الغربية:


وفيما يلى شرح كل على حده


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







6 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ 4- في سبيل مشروعٍ أخصب:


6

 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
 
4- في سبيل مشروعٍ أخصب:

أعرفُ أنَّ الموضوعَ عميقٌ، ويحتاجُ لجهودِ جموعٍ من المثقفينَ والمختصّين للإحاطةِ بجميعِ جوانبِه، وما هذه إلا محاولةً صغيرة، خطوةً في بدايةِ طريق، كلمةً في كتابٍ، أقولُها في ضوءِ قراءاتي وتأملاتي المتواضعة، على أملِ أن يكملَها معي كلُّ من يشغلُه مصيرُ هذه الأمّة.

إنَّ هذه المقالاتِ كتبتْ بدافعِ التحفيزِ لمحاولةِ الإجابةِ عن السؤالِ الذي تحملُه: كيف انحرف العالم؟

و هو سؤالٌ يجبُ أن نطرحَه سويًّا ونتعاونَ في محاولةِ الإجابةِ عليه، لذلك، فعلى كلِّ من يجدُ في نفسِه القدرةَ على الكتابة، ولديه تنقيحٌ لما وردَ بالمقالات، أو لديه إضافةٌ لما لم يرِدْ بها، أن يكتبَ مقالاتِه الخاصّةَ، ويضيفَها لهذه المجموعة.

أمّا السؤالُ الأهمّ: كيفَ يستقيمُ العالم؟، فهو سؤالنا جميعًا، وعاملٌ مشتركٌ في مستقبلنا جميعًا، وحبّذا لو طرح كلٌ منا رؤيتَه في هذا السياق.
والله المستعان

7/2/2002



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

5 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ 3- منهجُ الكتاب:


5

 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
  
3- منهجُ الكتاب:

يهتمُّ هذا الكتابُ بالأفكارِ التي غيّرتْ نظرةَ الإنسانِ إلى الأديانِ وإلى العالمِ وإلى نفسِه، في الفلسفةِ والعلمِ والأدبِ والفنّ.

والوسائلِ التي ساعدتْ هذه الأفكارَ على الانتشارِ، كالطباعةِ والصحافةِ والسينما والتليفزيون.

والفئاتِ التي تأثّرتْ بها أكثرَ من غيرِها، كالأطفالِ والنساء، وبالتالي الرجال، لأنّ رجالَ اليومِ هم أطفالُ الأمسِ الذينَ ربّتهمُ أمّهاتُهم من النساء!!

والمستفيدينَ من انتشارِ هذه الأفكار، كاليهودِ وطغاةِ الحكّام.

والكتابُ في تناولِه لهذه المواضيعِ ينتهجُ النهجينِ التاليين:

-   الاعتمادُ في أغلبِ الأحيانِ على آراءِ مفكّرينَ غربيّين، ينتقدونَ الحضارةَ الغربيّة.. وذلك لذرِّ الرمادِ في عيونِ كلِّ المسبّحينَ بحضارةِ الغربِ وتقدّمِ الغربِ وعبقريّةِ الغرب... إلخ.

-   الاعتمادُ على المنطقِ والاستدلالِ العلميِّ والإحصائيِّ في تفنيدِ الادعاءاتِ والافتراءاتِ الإعلاميّةِ الكبرى، أكثرَ من الاستدلالِ بالقرآنِ والسنّةِ ـ وكفى بهما ـ وذلكَ للأسبابِ التالية:

§حتّى يكونَ الكتابُ أكثرَ إقناعًا للعلمانيّينَ والملحدينَ وغيرِ المسلمين، خاصّةً أنّه يُركّزُ على التحذيرِ من الأضرارِ الحياتيّةِ الفوريّةِ التي تُصيبُ من يُخالفُ تعاليمَ الدين، أكثرَ من تحذيرِه من العقابِ في الآخرة.

§حتّى لا أتوهَ في مسائلَ فقهيّةٍ وأمورٍ لستُ خبيرًا بها.

§حتّى لا أضعَ نفسي موضعَ الداعيّةِ الإسلاميِّ وهو شرفٌ لا أدّعيه ولا أستحقُّه!

وحّتى لا يُلمَّ القصورُ الدينيُّ بالكتاب، أرفقتُ به بعضَ الخطبِ الدينيّةِ لمشاهيرِ الخطباءِ والدعاةِ، حتّى يرووا ظمأَ المتعطّشينَ لمعرفةِ رأيِ دينِهم في المسائلِ التي نوقشتْ في هذا الكتاب.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

4 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ 2- الدافعُ للكتابة:


4

  لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
 
2- الدافعُ للكتابة:

كانَ السببُ في كتابةِ هذه المجموعةِ من المسودّاتِ هو مقالٌ نشره (فاروق جويدة) منذُ أكثرَ من ثلاثِ سنوات، يتحدّثُ فيه عن ظاهرةِ الأدبِ النسائيِّ الفاحش، حيثُ تُفاجأُ الأوساطُ الثقافيّةُ بظهورِ كاتبةٍ جديدةٍ تكتبُ كتاباتٍ ركيكةً ضعيفةَ المستوى، وفي ذاتِ الوقتِ إباحيّةً فاحشة، فتُلاقي من التهليلِ النقديِّ ما يضعُها في قمّةِ الإبداعِ والعبقريّة.. ليس هذا فحسب، بل تستضيفُها السفاراتُ الأجنبيّةُ وتكرّمُها، وتنهالُ عليها الجوائزُ، وتترجمُ كتاباتُها في الخارج!

كانَ هذا ما دفعني لكتابةِ مسودّاتِ هذه المقالاتِ، حيثُ ظلّتْ حبيسةَ الأدراجِ طوالَ هذه الفترة.

ولكنَّ موضوعًا برزَ على الساحةِ فجأةً جعلني أُقدمُ على إكمالِ هذه المقالاتِ ومحاولةِ إخراجِها للنور.. كانَ ذلك هو النقاشُ المعتوه الدائرُ حاليًّا عن تدريسِ ما يسمّى بالثقافةِ الجنسيّةِ في مدارسِنا!

لقد أذهلني الأمرُ كثيرًا، وملأني بالسخريةِ أكثرَ ممّا ملأني بالمرارة.. فطوالَ سنواتٍ وأنا أنتظرُ أن أسمعَ أنّ الحكومةَ قد أفاقتْ من غفوتِها الأبديّةِ فجأةً وقررّت تدريسَ العلمِ في المدارس.. تدريسَ الدينِ في المدارس.. تدريسَ السياسةِ في المدارس.. تدريسَ أيِّ شيءٍ ذي قيمة مهما كان نستطيعُ به تربيةَ جيلٍ ينافسُ في الجات، ويُجهزُ على التخلّفِ والجهلِ والسلبيّةِ التي تملأُ مجتمعنَا!

لهذا وجدتُ أنّه يجبُ الردُ على هؤلاءِ المنقادينَ لأوامرِ الغربِ الذي لا يهدفُ سوى لتدميرِنا، وإبقائِنا في سلاسلِ التبعيّةِ والضياعِ إلى ما لا نهاية.

و لهذا أيضًا كان يجبُ تتبّعُ تاريخِ الغربِ نفسِه، لتقييمِ تجربتِه، بدلا من تلافي مميّزاتِه واتّباعِ عيوبِه، كما يفعلُ مثقفونا العباقرة!


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

3 لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟ 1- الفسادُ من جذورِه:


3

  لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
 
1- الفسادُ من جذورِه:


ألا يبدو لك أنّ القرنَ العشرينَ قد شهدَ انحرافًا أخلاقيًّا عالميّا؟

لا أدّعي أبدًا أنّ التاريخَ يخلو من فتراتِ السقوطِ والانحلال، وهي في الغالبِ الفتراتُ التي سبقتْ ظهورَ رسولٍ جديدٍ لتصحيحِ مسارِ البشريّة.

ولكنّ ما يدعو للدهشة، هو أن ينحرفَ بشرٌ غالبيّتُهم يدينونَ بديانتينِ سماويّتين عظميين: المسيحيّةِ والإسلام!

ولا أعني بالانحرافِ أنَّ شخصًا ما ارتكبَ خطأً ما في فترةٍ ما، فهذه فطرةٌ بشريّة، وإنّما أعني أن تجدَ الأغلبيّةَ المتزايدةَ يوميًّا تخرجُ عن سننِ الحياة، فترى الخطأَ صوابًا، والمنكرَ عُرفًا، والفاحشةَ واجبًا!

يا سيّدي.. إنّنا اليومَ نعيشُ عصرًا للشّواذِّ فيه حقوقٌ ومطالب، والمرأةُ فيه رجلٌ، والرجلُ امرأة!!

عامّةً، فإنَّ هذه المجموعةَ من المقالاتِ تهدفُ إلى محاولةِ إيجادِ تفسيرٍ لصورِ الانحرافِ الحاليّةِ في الأخلاقِ والأفكارِ والعقائد، وذلك بتتبّعِ التغيّراتِ والمنعطفاتِ الهامّةِ في التاريخِ، بدءا من الثورةِ اللوثريةِ وحتى الآن.

ويجبُ ألا يعتبرَ أحدٌ أنّ اختصاصي لمرحلةِ الثورةِ اللوثريةِ والإصلاحِ الكنسيِّ في الغربِ كنقطةِ انطلاقٍ، يعني أنَّني أرى التاريخَ من قبلِها مستقيمًا لا يشوبُه الانحراف، وإنّما يعني ذلك أنَّ هذه المرحلةَ وما أدّتْ إليه من تغييرات، هي من المفاتيحِ الرئيسيةِ لفهمِ واقعِنا المعاصرِ، وما ألمَّ به من انحرافٍ وفساد.

كما يجبُ أن تلاحظَ أنّ هذه المقالاتِ ـ على طولِ الكثيرِ منها ـ مختصرةٌ جدًا، ولمن أرادَ الاستزادةَ فعليه بالمراجعِ المشارِ إليها في الحواشي.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

2 كتاب لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟


2

كتاب  لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
 

1- الفسادُ من جذورِه:

2- الدافعُ للكتابة:

3- منهجُ الكتاب:

4- في سبيل مشروعٍ أخصب:



وفيما يلى شرح كل ماسبق على حده


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1 كتاب كيف انحرف العالم ؟



1


كتاب

كيف انحرف العالم ؟


الإصدار السابع

أكثر من 350 مقالا تهمّك، متنوّعة المصادر

حقوق النشر غير محفوظة، ويمكن نشر هذا الكتاب في أي موقع آخر.. لكن يفضل

الإشارة لهذا الموقع، لمتابعة التحديثات..

http://khayma.com/Alhkikh/book.htm


وفيما يلى تنزيل الكتاب كل على حده واتمنى من الله العلى القدير ان ينفعنا بما علمنا


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ