311
فتوح الشام ( للواقدي )
فتح ماكسين والشمسانية
قال: حدثني زهمان بن رقيم بن الصلت بن مجالد عن القيل بن ميسور.
قال لما ارتحل عبد الله عن قرقيسيا ونزل على ماكسين فتحها صلحًا على أربعة آلاف درهم وكذلك بلادهم وألف حمل طعام حنطة وشعير فقلقوا من ذلك فترك لهم النصف وكذلك أهل المشمسانية ثم نزل على عربان فجاؤوا إليه وصالحوه بما صالح به أهل ماكسين أرتحل إلى المجدل فملكها وأقام ينتظر ما يرد عليه من أخبار أميره عياض بن غنمًا و نازل على نهر البلخ فكتب إليه يعلمه بما فتح الله على يديه فلما وصل الكتاب إليه كتب إليه أن الزم مكانك حتى يأتيك أمري والسلام.
قال سهل بن مجاهد بن سعيد: لما فتح الله على يد عبد الله بن غسان أرض الخابور صلحًا وأقام بالمجدل إنشد قيس بن أبي حازم البجلي هذه الأبيات: أقمنا منار الدين في كل جانب وصلنا على أعدائنا بالقواضب ودان لنا الخابور مع كل أهله بفتيان صدق من كرام العرائب هزمناهم لما التقينا بماسح وثار عجاج النقع مثل السحائب وكل همام في الحروب نخاله يكر بحمل في صدور الكتائب وما زال نصر الله يكنف جمعنا ويحفظنا من طارقات النوائب فلله حمد في المساء وبكرة وما لاح نجم في سدول الغياهب فتوح قلعة ماردين قال: حدثني سوار بن كثير عن يوسف بن عبد الرزاق عن الكامل عن المثنى بن عامر عن جده: قال: لما فتحت مدائن الخابور صلحًا بلغ قتل الملك شهرياض صاحب أرض ربيعة وعين وردة ورأس العين فعظم عليه وكبر لديه فجمع أرباب دولته وهو نازل على أرض الطير وقال لهم: هذه ثلاث مدائن من بلادنا قد ملكت وقلعتان والعرب المتنصرة قد مضت عنا.
فقال له البطريق توتا: أيها الملك إنه لا بد للعرب منا ولا بد لنا منهم ويعطي الله النصر لمن يشاء غير أنه كان من الرأي أنك لو زوجت ابنك عمودا الملكة مارية بنت أرسوس بن جارس صاحب ماردين ومرين لأعانتنا قلعة المرأة.
قال الراوي: وكان السبب في بناء القلعتين المذكورتين أن هذا الرجل أرسوس بن جارس كان من أهل طبرزند وكان بطلًا مناعًا وكان أول من بنى المملكة بأرمينية وكان منفردًا بطبرزند وكان يغير في بلاد الروم حيث شاء حتى كتب أهل تلك البلاد إلى الملك الأعظم يستغيثون به من يده فأرسله الملك هرقل من أنطاكية إلى ديار ربيعة وقال له: ابن لك حصنا تسكن فيه فلما توسط أرض جبل ماردين نزل تحته ونظر وإذا على قلة الجبل موضع نار وكان فيه عابد من عباد الفرس وكان مشهورًا عندهم بالعبادة وكانت الهدايا تقبل إليه من أقصى بلاد خراسان والعراق وكان اسمه دين فلم يمر به أرسوس حتى صادقه وكان يحمل إليه الهدايا والتحف وكان العابد لا يحتجب عنه ولم يزل معه حتى إنه وقع به منفردًا فقتله وغيبه فلما عدمه أهل تلك الأرض قالوا: مات دين ثم إن أرسوس بنى بيت النار وجعله حصنًا وكانت له ابنة يقال لها مارية فلما رأت أباها بنى له مكانًا وتحصن فيه بنت أيضًا قلعة بإزائه وحصنتها وجعلت فيها أموالها وذخائرها ورجالها وكانت كلما خطبها أحد تراه دونها لأنها من بيت المملكة.
وكان بالقرب من قلعتها دير بسفح الجبل وفي الدير راهب قد انقطع فيه وكان من أجمل الناس وجهًا وكان اسمه فرما قال: فأتت إليه زائرة فلما رأته وقعت محبته في قلبها فلم تزل تتردد إليه وتتجاسر عليه إلى أن صارت بينهما صحبة فسلمت نفسها إليه فحملت منه فلما تكامل حملها ولدت في خفية ولدًا ذكرًا فسلمته إلى دايتها وقالت لها: انظري كيف تفعلين بهذا الغلام فإني أحبه ولا أريد قتله لأنه إن علم أبي بقصتي قتلني ثم أخرجت له ذخائر نفيسة وجعلتها في قماطه وخيطت عليها وقالت: من وقع به ينفقها على تربيته ثم إنها افتقدت بدنه وإذا على خذه الأيمن شامة سوداء بقدر الظفر ورأت أذنه اليمنى وفيها زيادة قال: فأخذته الداية ونزلت به ليلًا ومعها خادم وكان مطلعًا على أسرار الملكة فأتت به إلى أسفل القلعة في الطريق الأعظم وهناك عمود من رخام وغالبه غائص في الأرض وهو قائم على رأس ذلك العمود قاعدة من الرخام فوضعت ذلك المولود على القاعدة خوفًا عليه من الوحش أن يقربه فيأكله ثم رجعت هي والخادم إلى القلعة.
يتبع
قال الراوي: وكان من قضاء الله وقدره: أن صاحب الموصل الملك الأنطاق قد بعث رسولًا لشهرياض ثم أرسوس بن جارس صاحب ماردين فجاز سحرًا في الطريق الذي فيه العمود فسمع بكاء الطفل فدنا منه وهو على جواده فنظر عصابة الذهب فأخذه وسلمه إلى جارية كانت معه في السفر وقال لها: احتفظي على هذا المولود فلا شك أن له شأنًا ثم أوصل الرسالة إلى صاحب ماردين وارتحل إلى رأس العين وأعاد الجواب على الملك شهرياض وأجرى الله على لسانه بأن حدث الملك شهرياض بقصة الطفل الذي وجد على العمود.
فقال: أعطني إياه فإنه ليس لي ولد يرثني ويخلفني في ملكي فدفعه إليه فأخذه الملك ودفعه إلى الحواضن والدايات فربوه إلى أن ركب الخيل ونشأ وترعرع فسماه الملك عمودا وسماه الناس ولد الملك وتربى في النعمة وتعلم طريقة الملوك من ركوب الخيل والرماية والقتال والمعالجة والصراع إلى أن سما ذكره وانتشر في الناس فخره وكان لا يأوي إلى عين ورعة بل أكثر زمانه في الصيد والقنص وبنى له قصرًا على رأس المغارة يأوي إليه وسمي القصر باسمه عمودا وليس عند أمه مارية خبر بما فعل الزمان به وانقضت الأيام واندرجت الأعوام حتى قدم عسكر المسلمين يريد فتح أرض الجزيرة فلما شاور الملك أرباب دولته في أمر العرب أشار عليه توتا أنا يزوج ولده عمودا من الملكة فإنها لا تصلح إلا له.
.
.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق