إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 17 يوليو 2014

15 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية 6- البويهيون الذين سطوا على الخلافة يسقطون ‏!‏‏!‏


15

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

6- البويهيون الذين سطوا على الخلافة يسقطون ‏!‏‏!‏

بينما كانت الدولة العباسية تستجمع قواها وتلتقط أنفاسها بعد تخلصها من حركات الانشقاق في خراسان ومصر أخريات القرن الثالث للهجرة ، بينما هذا ‏.‏‏.‏ كانت الدولة تنتقل بسرعة لتدخل في طور جديد ذي معالم جديدة لم تشهدها من قبل ‏.‏‏.‏ وبدخولها هذا الطور شهدت انفصالا ضخما بين رأسها وجسدها ظل هو السمة العامة المسيطرة عليها لحين زوالها رسميا من محاضر التاريخ سنة 656هـ ‏.‏

إن الأمر لم يكن مجرد حركة انشقاق هذه المرة ، كما أنه لم يكن مجرد الاستئثار بحكم جزء من الدولة ، مع رفع راية الدولة ، كما أنه لم يكن ثورة انفعالية مذهبية أو سياسية ‏.‏‏.‏ لقد كان الأمر أعمق من ذلك بكثير ‏.‏‏.‏‏.‏ لقد كان أسلوبا جديدا في التعامل مع الدولة العباسية الجامعة ‏.‏‏.‏ لقد كان احتواء لها أو بتعبير آخر سيطرة عليها وفرض نوع من الوصاية على خليفتها ‏.‏‏.‏ ولأول مرة في تاريخ الدولة الإسلامية نرى بعض الخلفاء - على نحو واضح وعنيف - لعبة في يد بعض المغامرين ، ونرى بعض الخلفاء يعزلون ويولون دون أن يكون لهم من الأمر شيء ‏.‏‏.‏ يفعل باسمهم كل شيء ويخطب لهم على كل منبر وتعلن باسمهم الحروب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل ‏.‏‏.‏ وليس هذا وحسب ‏.‏‏.‏ بل لأول مرة تصبح الخلافة عبثا يهرب منه الخلفاء ‏.‏‏.‏ وينأى عنه المحترمون لأنفسهم لأن مصير الخليفة غالبا الجر من قدميه أو الجوع الشديد ‏.‏‏.‏

وبدأ العالم الإسلامي يترنح منذ هذا الحدث الضخم الذي انفصل فيه رأس الأمة عن جسدها‏.‏

وقد حمل كبر هذا الأمر الخطير ، الأتراك من الجند الذين كانوا يمرون آخر القرن الثالث فترة تمزق داخلي ، وانقلاب ضد الخلفاء الذين أتوا بهم ، بادئ الأمر لحمايتهم منذ أن انتشرت هذه السنة السيئة ‏.‏

فلما وصل ‏(‏ أحمد بن بويه ‏)‏ المؤسس الحقيقي للدولة البويهية ‏(‏ 334 - 447 ‏)‏ إلى بغداد، بعد أن كاتب الخليفة المستكفي ، ووافق الأخير على دخوله بغداد فدخلها في يسر ودون مشقة وفتحت له أبواب بغداد ، واستقبله الخليفة ‏(‏ المستكفي ‏)‏ ولقبه معز الدولة ‏.‏‏.‏ وفرح الناس به لينقذهم من الفوضى التي أحدثها الجند الأتراك في جهاز الدولة وبين الشعب ‏.‏

لما تم هذا الدخول وتحولت به الدولة إلى حماية البويهيين الرسمية ، بعد أن كان خضوعها للأتراك مجرد نشاز أو انقلاب في داخل السلطة يعتقد الناس أنه طارئ لا بد أن يزول ‏.‏

لما تم هذا كانت الخلفية التاريخية في ذهن البويهيين واضحة، وكان دخولهم بغداد بمثابة تقلد صريح لقيادة الخلافة ‏.‏‏.‏ وقيادة المسلمين ‏.‏‏.‏ وقد فهم الخلفاء أنفسهم هذا ‏.‏‏.‏‏.‏ فلم يحاولوا منافسة البويهيين في السلطة التنفيذية أو السياسية ‏.‏

بيد أن الأمر لم يقف عند هذه الحدود بالنسبة للبويهيين ، فلقد تمادوا في الأمر، وقد زعموا لأنفسهم نسبا ساسانيا فارسيا، وبما أنهم كانوا يعتنقون المذهب الشيعي الزيدي ‏.‏‏.‏ فقد حاولوا فرض المناخ الشيعي على الناس ، بل إن أحمد بن بويه المذكور حاول تغيير الخلافة العباسية إلى خلافة شيعية لولا نصيحة أصحابه له بأن يتجنب ذلك خشية العواقب ‏.‏

ولم يعد للخليفة في ظلهم حتى حق تعيين كتابه ووزرائه ، وقد منع وارد الخليفة عنه ، ولم يعد يصله إلا مرتب شهري استبدل به مرتب سنوي ‏.‏‏.‏ ثم اقتطع منه بعد ذلك بحجج واهية ، وقد بلغ إذلال بعض الخلفاء مبلغه ==المستكفي عن الخلافة وعزل الخليفة الطائع وعزل غيرهما ، وقد عزل المطيع لله نفسه بعد أن رأى أنه لا قيمة له ‏!‏‏!‏

وقد وقع البويهيون فيما وقع فيه الأتراك ، فقد أحدثوا الفوضى في البلاد وصادروا الأموال ، ودخلوا مع الناس في صراع عنيف من أجل الحصول على الأموال ‏.‏

وخلال أكثر من قرن ظل البويهيون يسيطرون على خلافة العباسيين ، ولم يفعلوا فيها شيئا ذا بال سوى أن يضيفوا إلى صورة الجند الأتراك مزيدا من ملامح الطيش والرعونة ‏.‏

وكما هي العادة في أمثال هذه الأسر المتسلطة ‏.‏‏.‏ أنها سريعة الانقسام على نفسها شديدة التنافس فيما بينها، وهكذا سقطت الأسرة البويهية إلى حضيض الانقسام والتناطح الداخلي‏.‏‏.‏ وعانى المسلمون من وراء تناطحهم وتسلطهم الشيء الكثير ‏.‏

إن سيطرة عنصر من العناصر المتعصبة قوميا أو المتأثرة بخلفية تاريخية لم تتخلص من شوائبها ‏.‏‏.‏‏.‏ هو أبرز ما واجه ركب مسيرتنا الحضارية والتاريخية ‏.‏

وبالقومية المتعصبة وبأصحاب النزعات المشبوهة وذوي الولاء لحضارات معاكسة لنا ولخطنا الحضاري ، بهؤلاء تمت عملية سقوطنا المتكرر في مراحل تاريخنا ‏.‏

لكن تاريخنا ‏.‏‏.‏ الذي تتدخل فيه إرادة الله بحفظ هذا الدين كي يظل المعلم الثابت المضيء في ليل البشرية الطويل المظلم ‏.‏‏.‏‏.‏

هذا التاريخ يجد مع كل نكبة تاريخية ، أو فترة من فترات التداعي والهبوط ، من يعيد إلى الجسم حيويته ويمنع عنه السقوط القاتل ‏.‏‏.‏ وهكذا انبعث - من جديد - من بين الأتراك أنفسهم عنصر إسلامي مجاهد ‏.‏‏.‏ أعاد للخلافة شبابها ، ونجح قائد الأتراك السلاجقة ‏"‏ طغرلبك ‏"‏ سنة 447 هـ في أن يقضي على دولة البويهيين ‏.‏

وبين عشية وضحاها سقط البويهيون الذين أثبت تاريخهم أنهم غير أهل لتحمل أمانات التاريخ ‏.‏‏.‏ وقد تعبت الأمة من جراء سياستهم أشد التعب ‏.‏‏.‏ لأن التاريخ يعلمنا دائما أنه ‏"‏ بانفصال رأس الأمة عن جسدها ‏.‏‏.‏ تتعطل طاقات الحياة فيها ‏"‏ ‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

14 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية 5- سقوط السامانيين في فارس



14


أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

 5- سقوط السامانيين في فارس

كما لا تلد الطفرات غير الطبيعية إلا طفرات مضادة اندفاعية - هكذا تحولت أرض خراسان - منذ أن ابتدع فيها سنة الانفصال عن العباسيين بنو طاهر ، ولئن كان بنو طاهر قد أفلتوا من العقاب المضاد ، لأنهم لم يكونوا حركة ثورية عنيفة ، وإنما كانت انفصالا هادئا في حدود السلطة الرسمية المشروعة ، سلطة الخلافة العباسية الأم ‏.‏‏.‏ لئن كان هذا قد تم لهم ‏.‏‏.‏ فإن الأمور قد استفحلت من بعدهم ‏.‏‏.‏ وأصبح الشذوذ هو القاعدة ‏.‏‏.‏ وانقلبت الأرض الخراسانية إلى أرض للثورات المذهبية والجنسية ‏.‏‏.‏ ولعل هذا كان من أكبر عوامل القضاء على الدور التاريخي الذي كان يمكن أن يلعبه الخراساني في صنع الحضارة الإسلامية الإنسانية ‏.‏

فحيثما حل العنف واللامشروعية ‏.‏‏.‏ وانساقت الجماهير دون تعقل خلف رايات متعددة ، وخلف كلمات مبهمة ‏.‏‏.‏ فقدت بالتالي قدرتها على الرؤية ‏.‏‏.‏ وقدرتها على العطاء الحضاري ‏.‏ أصبحت لعبة في يد كل ناعق سواء كان ذا صوت طبيعي أو مصطنع ‏.‏

وهكذا شرب الطاهريون الانفصاليون من نفس الكأس التي أذاقوها للعباسيين،فقام الصفاريون عليهم ‏.‏ واستولوا على حكم خراسان سنة 261هـ بقيادة يعقوب ابن الليث الصفاري ‏.‏

وكان بنو سامان الذين يرجع نسبهم إلى سامان أحد نبلاء ‏"‏ بلخ ‏"‏ قد نشأوا عمالا مسلمين لبني طاهر‏.‏ ثم لم يلبثوا أن استأثروا بفارس وما وراء النهر من 874 هـ إلى سنة 999م وكان ذلك على أشلاء الانقلابيين الانفصاليين ‏:‏ الطاهريين والصفاريين ‏.‏‏.‏ وكان مؤسس دولتهم الأول هو نصر بن أحمد ، إلا أن موطد الدولة هو إسماعيل الذي قدر له أن يهزم يعقوب بن الليث الزعيم الصفاري وأن يصيبه بجروح قاتلة ‏.‏

وفي عهد ملكهم نصر الثاني بن أحمد ‏(‏ 913 - 943 ‏)‏ وهو الرابع من ملوكهم ، وسعوا ملكهم إلى أعظم حدود وصلوا إليها ، فاستولوا على سجستان وكرمان وجرجان وما وراء النهر وخراسان وتمتعوا بسلطة مستقلة ، وإن كانوا لم يقطعوا الصلة الرسمية الإسلامية بالخليفة العباسي في بغداد ‏.‏

وقد قدمت هذه الدولة بعض مظاهر التقدم العلمي والأدبي سواء من ناحية اللغة أو الأدب شعرا ونثرا ‏.‏‏.‏ وكانت النهضة الفارسية فيها أبرز من النهضة العربية من ناحية فكرها وطابعها العام باعتبارها دولة فارسية ، ففيها ظهر الرازي الشهير ، وقدم كتابه المنصوري في الطب إلى أحد ملوكها ‏.‏‏.‏ وكان ابن سينا أحد المترددين على مكتبات بخارى عامة الدولة ‏.‏‏.‏‏.‏ ووضع الفردوسي أشعاره بالفارسية لأمرائها ‏.‏

على أن أسلوب الطفرات غير الطبيعية التي لا بد لها أن تلد طفرات مضادة انفعالية ، لم يلبث أن ظهر كقانون حضاري لا بد له من أن يؤدي دوره مع الدولة السامانية ، كما أداه مع الطاهريين ومع الصفاريين ، ومع الطولونيين والإخشيد ، فلم تنج الدولة بالتالي من عناصر التهديم والفوضى التي قضت على ما سواها من الحركات الانقلابية في ذلك العصر ‏.‏

وبالإضافة إلى المشاكل الخارجية التي كانت تسببها الخلافة للدولة كلما أتيح لها ذلك ، وفضلا عن سرعة توالي الأمراء على الحكم بتأثير الصراع الداخلي بين الأسرة الحاكمة ، وبتأثير مطامع الكبراء العسكريين الذي يظنون أنفسهم أولى بالحكم لأنه لا يوجد من يفوقهم في حكم البلاد ، فكلهم أصحاب حق في مغانم الانقلاب الانفصالي ‏.‏

بالإضافة إلى هذا وذاك ‏.‏‏.‏ ظهر خطر جديد يهدد كيان السامانيين ويؤذن بأفول شمسهم ‏.‏‏.‏ ولقد بدا أنهم يكادون يشربون من نفس ما أذاقوه للخلافة ‏.‏‏.‏ تماما كما شرب غيرهم من الانفصاليين ‏.‏

وقد ظهرت القبائل التركية البدوية ‏.‏‏.‏ وارتفع نجمها في الدولة ، وسيطرت على الشئون الداخلية للدولة ، وتحولت القوة تدريجيا من أيدي السامانيين إلى أيدي الأتراك الموالي ‏.‏‏.‏ وحتى قصورهم كان الأتراك يتمتعون بنفوذ كبير فيها ‏.‏

وقد نجح الغزنويون الذين كانوا من الموالي الأتراك في انتزاع الجنوب ، كما وقعت المنطقة الشمالية من نهر جيحون في أيدي خانات تركستان ‏"‏ الايلاق ‏"‏ الذي قدر لهم أن يستولوا على عاصمة السامانيين ‏"‏ بخارى ‏"‏ ثم لم يلبثوا - بعد تسع سنوات - أن التهموا الدولة السامانية ‏!‏‏!‏‏.‏

ولم تكن الدولة السامانية أكثر من حركة قومية غرقت في إحياء تراثها الخاص ، كما أنها لم تكن أكثر من حركة انقلابية قامت بأسلوب الطفرة غير الطبيعية وانتهت كذلك بأسلوب الطفرة غير الطبيعية سنة 308هـ بعد أن عاشت في ظل حماية ‏(‏ ضعف الخلافة ‏)‏ قرنا من الزمان ‏!‏‏!‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

13 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية 4- الإخشيديون على خطى الطولونيين يسقطون ‏!‏‏!‏


13

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

 4- الإخشيديون على خطى الطولونيين يسقطون ‏!‏‏!‏

في قوانين الحضارة ‏:‏ أن المادة والروح لا تفنيان فناء مطلقا ‏.‏‏.‏ وأن بذور الخير والشر لا يمكن أن تموت موتا أبديا ‏.‏‏.‏ وأن الخير أو الشر يتحولان إلى مادة خام ‏.‏‏.‏‏.‏ لميلاد جديد سواء كان هذا الميلاد انبعاثة خير أو انبثاقة شر ‏.‏

وبوسع علماء الحضارة أن يقدموا نماذج عديدة تبين بوضوح أن ‏"‏ الخمر العتيقة ‏"‏ لا يمكن أن تذوب دون أن تدخل في صنع مآدب حضارية جديدة ‏.‏‏.‏ تماما كالجسم الميت الذي يدخل في أجسام أخرى حية يمنحها من طاقته الذاهبة طاقات جديدة مندفعة للحياة والإبداع ، وكما يأكل الإنسان لحوم الدواجن والحيوانات الأخرى الحلال والأسماك ‏.‏‏.‏ ثم يتحول هو يوما إلى طعام يسهم في إحياء حيوانات أخرى‏.‏‏.‏ أو في منح الأرض بعض المواد الكيماوية والحضارات تمر بنفس الطريق الدائري الخالد ‏.‏‏.‏ فأثينا برقيها الفلسفي والأدبي ‏.‏‏.‏ تتحول إلى خميرة حضارة لروما ‏.‏ والحضارة الأوربية تقوم على خميرة الحضارة الإسلامية وبقايا الحضارات الرومانية ‏.‏

وعندما زرع أحمد بن طولون منشئ الدولة الطولونية أولى بذور الحركات الانفصالية في مصر عن الخلافة العباسية الجامعة والأم ، بدأت بزرعه لهذه البذرة الخبيثة بذور الانفصام تدب في نفوس قوى كثيرة جياشة بالفوضى ‏.‏ زاخرة بالطموح الشخصي، ناقمة على قيادة العباسيين ‏.‏‏.‏ الجامعة ‏.‏ متأثرة بعوامل قومية من تلك العوامل التي تدمر روح الحضارة وتبشر بمستقبل ضائع ميت ‏.‏‏.‏ لقد كانت دولة ابن طولون مثالا لكثير من الدويلات التي شذت على الخلافة ، وشيدت أبنيتها المتداعية على أنقاض الخلافة ، ولم يعد لكثير منها علاقة بالخلافة أكثر من الاعتراف بسلطة الخليفة الاسمية ‏.‏

وبعد السقوط المتوقع لهذه الدولة عادت مصر وسورية إلى حكم العباسيين ، بيد أن بذرة الانفصال - كما ذكرنا - كانت قد زرعت في نفوس قوى كثيرة ، جائشة بالفوضى فوارة بالنوازع القومية الوثنية ‏.‏‏.‏ فما كادت دولة ابن طولون تموت حتى حلت محلها بعد برهة زمنية قصيرة - في مصر - دولة الإخشيديين التي أسسها ‏"‏ محمد بن طغج ‏"‏ والتي عاشت آيلة للسقوط بين سنوات ‏(‏ 323 - 358هـ ‏)‏ ‏(‏ 935 - 969م ‏)‏ ‏.‏

وكانت بداية الدولة نظيرة لنفس البداية التي انطلقت منها الدولة الطولونية ، فمحمد ابن طغج وكل إليه من قبل الخلافة العباسية أمر مصر لتنظيم أحوالها ‏.‏‏.‏ فنظم أحوالها لنفسه واستقل بالأمر ، واستولى على سورية وفلسطين وضم مكة والمدينة إلى دولته ‏.‏

وبموت ابن طغج حكم بعده ابنان له صغيران لم يكن لهما من الحكم إلا اسمه ‏.‏‏.‏ وكانت مقاليد الأمور في الحقيقة منوطة بيد عبد خصي حبشي يدعى ‏"‏ كافور ‏"‏ ‏"‏ أبا المسك ‏"‏ - كان ابن طغج الذي لقب بالإخشيد - قد اشتراه من تاجر زيت بثمانية دنانير ‏.‏

وقد استقل هذا العبد الحبشي بإدارة مصر ‏.‏‏.‏ ‏(‏ وكانت له مع شاعر العصر أبي الطيب المتنبي قصص مشهورة‏)‏ كما أن هذا العبد الخصي نافس دولة الحمدانيين التي ظهرت في شمال سورية ‏.‏

وعبر خمسة حكام ضعاف باستثناء أولهم محمد بن طغج - مشت الدولة مسرعة في طريقها إلى الموت المحقق ‏.‏‏.‏ فلم يكن الحاكمان التاليان لمؤسسي الدولة إلا تابعين لكافور - كما ذكرنا - وبموت كافور وتولي ‏(‏ أبي الفوارس أحمد ‏)‏ سقطت الدولة سقوطا مروعا على يد جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358هـ ‏.‏

ولم يقدر لهذه الدولة أن تخلف شيئا يذكر من المآثر العامة ، كما أن الحياة الأدبية والفنية لم تكن ذات بال فيها ، ولم يظهر كلمعة الشمس المتوهجة إلا ذلك الضيف الباحث عن فضلة من كأس الحكم ‏.‏‏.‏ يدعم بها غروره الشعري وتفوقه الجدير بالتقدير في ميدان الكلمة المسيطرة الآمرة ‏!‏‏!‏ وعندما ضن عليه كافور بفضلة الكأس هرب من مصر دون ‏"‏ تأشيرة خروج ‏"‏ ولقي حتفه جزاء له ‏.‏‏.‏ بعد أن ترك حقده على السلطة ممثلا في أشهر أبياته ‏:‏
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ** إن العبيد لأنجاس مناكيد

مريدا بذلك أشهر حكام الدولة الإخشيدية ‏"‏ كافور ‏"‏ ‏.‏

ولو لم يصل جوهر إلى حدود مصر لسقطت الدولة الإخشيدية بفعل عامل آخر ، فعندما لا يكون هناك مبرر للوجود ‏.‏‏.‏ لا يكون ثمة مبرر للبقاء ‏.‏‏.‏ ولا تفعل القوى الخارجية التي تسيطر على الأمم والشعوب سوى أن تتقدم في فراغ دون أن تصطدم بجدران حضارية أو صخور قوية راسخة بالعقيدة ‏"‏ بمبرر الوجود ‏.‏‏.‏‏.‏ ومؤهل البقاء ‏"‏ ‏!‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية 3-الصفاريون وقصة سقوطهم


12

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

3-الصفاريون وقصة سقوطهم

تاريخنا الإسلامي العظيم كتاب كامل من التكاملية التاريخية ، يضم بين صفحاته كل صور التقدم والتأخر ‏.‏

وهو معلم عظيم ‏.‏‏.‏ اشتملت تجاربه على نوعيات من كل تجارب التاريخ البشري، وليس ذلك لأن القرآن العظيم قد حكى على نحو تركيبي كل صور التقلب والحركة والهبوط والارتقاء التي مر بها الموكب البشري ، والتي تغني التطور التاريخي الإسلامي وتكفل له الاندفاعة العاقلة ‏.‏‏.‏ ليس مرد الأمر إلى ذلك وحسب ‏.‏‏.‏ بل لأن كتاب التاريخ الإسلامي نفسه قد شاء الله له أن يكون من التكاملية والحبكة والتنوع بحيث يصلح كمرجع تال للقرآن والسنة يرجع المسلمون إليه ويتعلمون منه ، ويتلقون تلقي التلميذ من الأستاذ ‏.‏‏.‏

إننا لا ندعو إلى رفض تأمل الموكب البشري المتحرك الذي يتحرك إلى جانبنا ومن حولنا ‏.‏‏.‏ أبدا ‏.‏‏.‏ فكل ما هنالك أننا لا بد أن ندرس أنفسنا قبل أن ندرس الآخرين ‏.‏

والعجيب في أمر الدولة العباسية التي عاشت أكثر من خمسة قرون ‏.‏‏.‏ أستاذا وقائدا زمنيا وروحيا - مع اختلاف في الدرجة - العجيب أن هذه الدولة قد اشتملت على باب كامل من أبواب تاريخنا تكاملت له البداية ‏.‏‏.‏ والعقدة ‏.‏‏.‏ والنهاية‏.‏

وكما تعرضت هذه الدولة لعلل الانفصال عنها بوضوح منذ منتصف القرن الثالث الهجري ببروز الدولة الطولونية في مصر ، فإنها كانت تتعرض على امتداد النصف الثاني من القرن الثالث المذكور لهذه العلل على امتداد أرضها كلها ‏.‏‏.‏ كانت حركات الانفصال التي كانت لا تزال تخطب في المغرب باسم الخليفة العباسي ‏"‏ حركات الأغالبة والرساميين والأدارسة ‏"‏ بدلا من هذا أصبح الفاطميون حركة عصيان وتمرد علني ‏.‏‏.‏ بل وخروج على الأيديولوجية العباسية ‏.‏

ومن الغريب أن حركة خروج أخرى تحمل نفس العداء السياسي والعسكري للخليفة العباسي ، وإن كانت لم تخرج أيديولوجيا ، كانت قد برزت في خراسان وتمخضت عن صراع عسكري اتبعه انفصال عن الدولة في سنة 254هـ وهي السنة نفسها التي برزت فيها الدولة الطولونية وسميت حركة الانفصال في خراسان هذه باسم ‏"‏ الدولة الصفارية ‏"‏ ‏!‏‏!‏

وكان لخراسان - كما هو معروف - وضع خاص في الدولة إذ كان هؤلاء الخراسانيون يشعرون بأنهم أصحاب فضل على الدولة العباسية ، وبأن سيدهم ‏"‏ أبا مسلم الخراساني ‏"‏ هو المؤسس الأكبر في رأيهم للدولة العباسية ، لكنهم - وهذا رأيهم كذلك - جوزوا جزاء ‏"‏ سنمار ‏"‏ حين قتل أبو جعفر المنصور الثاني ثاني الخلفاء العباسيين أبا مسلم هذا ‏.‏

وقد تجاوزت الخلافة العباسية عن خراسان بعض الشيء بدافع من الوفاء والمجاملة ، وتركت ‏"‏ لطاهر بن الحسين ‏"‏ الذي قدم للدولة خدمات جليلة فرصة التحكم في خرسان ‏.‏‏.‏ له ولأبنائه من بعده في إطار الخلافة الجامعة والسمع والطاعة لدولة الخلافة عاصمة وخليفة ‏.‏‏.‏ حربا وسلما ‏.‏

لكن منتصف القرن الثالث شهد بروز جماعة من المجاهدين الحريصين على بقاء هيبة الخلافة ‏.‏ تمكن ‏"‏ يعقوب بن الليث الصفري ‏"‏ من الاتصال بها ‏.‏‏.‏ والسيطرة عليها ‏.‏‏.‏ وتحويلها إلى جماعة خادمة له ‏.‏‏.‏ نجح بها في تأسيس ‏"‏ الدولة الصفارية‏"‏‏.‏

وقد استطاع يعقوب أن يجتذب إلى تأييده عددا من المتطوعين الجدد ، فعظم جيشه، واستطاع أن يحدث القلق لدى دولة الخلافة ، وبالقلق وإظهار تعاونه مع الدولة ، وحروبه تظاهرا لمصلحتها ، ثم باصطدامه بها ‏.‏‏.‏ اصطداما فاشلا كاد

يلقى حتفه فيه ‏.‏‏.‏ بكل هذا سكتت الخلافة عن هذه الحركات التي ولدت لتموت ، ولم يلبث يعقوب أن مات متأثرا بجراحه سنة 256هـ في سابور ‏.‏

وخلفه أخوه عمرو بن الليث ‏.‏‏.‏ وأقرت الخلافة ولايته على خراسان ولواحقها كالسند وسجستان وكرمان وفارس وأصبهان ‏.‏‏.‏ فأظهر عمرو الطاعة الكاملة للخلافة ، لكنه - أمام كرم الخلافة - قد زاد في أطماعه ، ودخل في معارك مع السامانيين في بلاد ما وراء النهر ، واستطاع السامانيون بقيادة إسماعيل بن نصر الساماني أسره في إحدى المعارك ، وسيروه مكبلا إلى الخليفة العباسي المعتضد ‏.‏‏.‏وأحضر إلى مجلس الخليفة المعتضد محمولا على جمل ذي سنامين ، وسجن حتى مات في سجنه سنة 287هـ ‏.‏

واضطرب أمر الصفاريين لمدة ثلاثة أعوام بعد ذلك ، وسقطوا كما تسقط كل حركة انفعالية ترتكز على طموح شخصي ، وتفتقد الوعي بحركة التاريخ وبأيديولوجية قتالية واضحة تستأهل الموت في سبيلها ‏.‏

ودائما يعلمنا التاريخ الإسلامي العظيم من تجربة الانقلاب ، الذي سماه المؤرخون غير المحددين بعمق لرصيد المصطلحات ‏"‏ الدولة الصفارية ‏"‏ ؛ يعلمنا التاريخ الإسلامي العظيم أن ‏"‏ الاندفاع غير الموضوعي وغير المتناسق مع روح التطور لا مصير له إلا الموت السريع ‏"‏ ‏!‏‏!‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

11 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية 2- سقوط الدولة الطولونية في مصر


11

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

 2- سقوط الدولة الطولونية في مصر

الانتصار في معركة ‏.‏‏.‏ والحصول على مكسب وقتي ‏.‏‏.‏‏.‏ والوصول إلى السلطة‏.‏‏.‏ هذه كلها ليست هي قضية التاريخ ‏.‏‏.‏ ولا معركة التقدم البشري ‏.‏‏.‏ بل هي عموما ليست من عوامل تحريك التاريخ إلى الأمام أو الخلف على نحو واضح وضخم‏.‏‏.‏ إن الانتصار في معركة ‏.‏‏.‏ قد لا يعني الهزيمة الحقيقية للأعداء ، فحين لا تتوافر العوامل الحقيقية للنصر ‏.‏‏.‏ يصبح أي نصر مرحلي عملية تضليل ، واستمرارا للسير الخطأ ، وتماديا في طريق الوصول إلى الهزيمة الحقيقية ‏.‏‏.‏ هكذا سار التاريخ في مراحل كثيرة من تطوراته ‏.‏‏.‏ كان النصر بداية الهزيمة ، وكانت الهزيمة بداية للنصر ‏!‏

وحين يصل إنسان ما إلى الحكم ‏.‏‏.‏ دون أن يكون معدا إعدادا حقيقيا للقيادة ، ودون أن يكون في مستوى أمته ‏.‏‏.‏ يكون وصوله على هذا النحو هو المسمار الأخير الذي يدق في نعش حياته وحياة الممثل لهم ‏.‏‏.‏ ‏!‏

والتاريخ في دوراته غريب وهو يعلمنا أنه لا توجد قاعدة ثابتة للتحول ترتكز على أسس متينة ، اللهم إلا قاعدة التغيير من الداخل المرتكزة على عقيدة لها جذورها في أعماق النفس ، ولها انسجامها مع حركة الكون ولها صلاحياتها في البقاء والانتشار والخلود ‏!‏

وعندما أعلن ‏"‏ أحمد بن طولون ‏"‏ مؤسس الدولة الطولونية في مصر انفصاله عن الدولة العباسية بعد سنة 254هـ ، كان ينقصه الوعي بحركة التاريخ والشروط الضرورية للتغيير ، وكان بإنشائه هذه الدولة ليس أكثر من ‏"‏ انقلابي ‏"‏ سيطر على الحكم في ظل أوضاع معينة مرت بها الدولة العباسية ، سمحت له ولأمثاله بإظهار مطامحهم في مزيد من السلطة والشهرة والرغبة الجامحة في السيطرة ‏.‏ لم يحاول هذا الرجل - ما دام قد وصل إلى مستوى الثقة لدى الجهاز العباسي الحاكم - أن يتقدم بإصلاحاته ، وأن يبحث عن السبل المؤدية لحماية الدولة الإسلامية الجامعة ، وإنما راح في إغراق في عبودية الذات يبحث عن استغلال الظروف لصالحه ‏.‏

ومنذ استقر في مصر سنة 254هـ وهو يحاول جمع كل مقاليد السلطة في يده ، فيتخذ من الإجراءات ما يجعله الرجل الوحيد في مصر ، وليس الرجل التابع لدولة إسلامية كبرى تستطيع عزله وتولية غيره ‏.‏ وقد عزل - في سبيل ذلك - عامل الخراج الذي عينه العباسيون على مصر - وتمكن من التحكم في الشئون المالية إلى جانب الشئون الإدارية والعسكرية ‏.‏

ودخل أحمد بن طولون في صراع مع الدولة العباسية الجامعة وانتصر على أخي الخليفة أبي أحمد ‏"‏ الموفق ‏"‏ واتخذ من الإجراءات الثورية ما يكفل له الوقوف على قدميه لصد أي هجوم عباسي ‏.‏

لكنه في الحقيقة لم يكن في حاجة إلى هجوم ‏.‏‏.‏ فنشأته على النحو السابق تحمل في أحشائها النهاية الطبيعية العاجلة ‏.‏ ورأت الخلافة من الحكمة أن تستغله ‏.‏ بدل أن تدخل معه في صراع ، وكلفته بمهام جديدة ، منها حماية الثغور الشامية ‏.‏‏.‏ ومات أحمد بن طولون تاركا دولة تقف كلها على أقدامه وحده وليست لها أقدام أخرى ‏.‏‏.‏ من عناصر الحياة التاريخية والحضارية ولذا فإنها بموته وقعت على الأرض‏.‏‏.‏ وعلى الرغم من كل ما أبداه ‏"‏ خمارويه ‏"‏ ابنه من اتباع لسياسة أبيه ، ومن تمسك بمعالم استقلال وقوة دولته المستقلة ‏.‏‏.‏ إلا أنه لم يعد أن يكون مرحلة عبرها التاريخ ليدخل بالدولة - فورا - في مرحلة الأفول والفناء ‏.‏

فبعد خمارويه انغمس الأمراء الطولونيون في لهوهم ، وتفشت ظاهرة حب السلطة والاستقلال لدى عمالهم في الأقاليم ‏.‏ وانقلب الثوريون على أنفسهم ، أو بالتعبير الدارج ‏.‏‏.‏ بدأت طلائع الثورة يأكل بعضها البعض ‏.‏ وقد ولي الأمر بعد خمارويه ثلاثة من آل طولون لم يزد حكمهم على عشر سنوات ، ولم تستفد البلاد المصرية أو الشامية منهم شيئا غير الفوضى والتنافس بين الطامعين في السلطة أو الفساد الذي نجم عن الترف ، وعن الاستبداد وغيبة الأمة عن الرقابة أو الحكم ‏.‏‏.‏ وفي هذه الحال ‏.‏‏.‏ لم يكن الأمر متعبا بالنسبة للدولة العباسية ‏.‏‏.‏ فتقدمت جيوشها لاسترداد مصر من خامس الولاة الطولونيين وهو ‏"‏ شيبان ‏"‏ الذي كانت الفوضى قد وصلت في عهده قمتها وأعلى معدلات خطورتها ، وشهدت سنة 292 هـ دخول هذه الجيوش إلى القطائع في القاهرة ‏.‏‏.‏ ومن فوق المنبر أعلن إزالة الدولة الطولونية التي لم تستطع أن تحكم أكثر من أربعين سنة عاشتها في صراع خارجي وعاشت معظمها في صراع داخلي ، مع شعب لم يهضم حركتها التي لم يكن لها المبرر الحضاري الهام لإحداث التغيير ‏.‏

وعادت مصر إلى حظيرة الدولة العباسية ‏.‏‏.‏ وعلى امتداد تاريخنا سجلت صفحاته عشرات من الانقلابات وسجلت أسماء مئات الانقلابيين ‏.‏‏.‏ ولكنهم - جميعا وبلا استثناء - لم يقدموا ما يتوازى مع أحجام الخسائر التي كبدوها لأمتهم ‏.‏‏.‏ لأن الانقلاب ليس الوسيلة التاريخية المهيئة للتغيير ، إذ هو موجة انفعالية سرعان ما تنحسر محدثة رد فعل انحساري عنيف ‏.‏‏.‏ ودائما ‏.‏‏.‏‏.‏ دائما أثبتت كل تقلبات تاريخنا كما أثبتت كل تطورات الحضارة ‏"‏ أن الانقلاب يدفع إلى انقلاب ‏.‏‏.‏ وأن حركة التاريخ لا تندفع بالعنف والانفعال ‏"‏ ‏!‏‏!‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية 1- الدولة الأموية - دولة الفتوحات - ‏.‏‏.‏ تسقط ‏!‏‏!‏



10


أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

 1- الدولة الأموية - دولة الفتوحات - ‏.‏‏.‏ تسقط ‏!‏‏!‏

في عام ‏(‏41 هـ - 661م ‏)‏ ويسمى عام الجماعة - تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن حرب معاوية بن أبي سفيان ، الذي كان واليا على الشام منذ عهد عمر بن الخطاب ، والذي رفض مبايعة علي بن أبي طالب - رابع الخلفاء الراشدين - متذرعا بأن عليا قد فرط في الثأر من قتلة عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين ‏.‏‏.‏‏.‏ رضي الله عنهم جميعا ‏.‏

وبتنازل الحسن استقر الأمر لمعاوية فأصبح خليفة المسلمين ، وقامت دولة بني أمية التي تنتسب إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، فحكمت نحو تسعين عاما ‏(‏ 41 - 132هـ ‏)‏ ‏(‏ 661 - 750م ‏)‏ ونقلت عاصمة الحكم من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجاز إلى دمشق بالشام ‏.‏

كان نظام الحكم في عهد بني أمية عائليا ، وقد تداول الحكم أربع عشرة خليفة أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد الذي قتله العباسيون في ‏"‏ أبو صير ‏"‏ من حلوان مصر ‏.‏‏.‏

 الخلفاء الأمويون ‏:‏

1 - كان معاوية أول الخلفاء الأمويين ومؤسس دولتهم ، وكان مولده بالخيف من منى قبل الهجرة بخمس عشرة سنة وأمه هند بنت عتبة، وأبوه أبو سفيان ، وقد أسلموا جميعا في فتح مكة ‏.‏

وأصبح معاوية من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشترك في حروب الردة مع أخيه وأبيه ، ثم ولاه عمر جزءا من بلاد الشام ، فلما جاء عثمان رضي الله عنه جمع الشام كلها تحت حكمه ‏.‏

2 - وبموت معاوية سنة 60هـ بايع المسلمون ابنه يزيد ، ما عدا الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر ، وقد وقف الأولان منه موقف العداء ، وقتل في عهده الحسين ، في كربلاء ، وحكم ثلاث سنوات ثم مات سنة 64هـ ، وعمره ثمانية وثلاثون عاما ‏.‏

3 - ثم تولى معاوية بن يزيد ، بوصاية أبيه ، لكنه كان ورعا زاهدا فتنازل عن الخلافة بعد ثلاثة أشهر ‏.‏

4 - وقد وقعت حروب انتهت في ‏(‏ مرج راهط ‏)‏ بين الأمويين وعبد الله بن الزبير ، وأصبح مروان بن الحكم خليفة على الشام وحدها ، وبقي ابن الزبير خليفة على سائر الأمصار ، حتى ظهر عبد الملك بن مروان ، فتمكن من توحيد العالم الإسلامي الشرقي تحت إمرته ، ولذا اعتبر المؤسس الثاني للدولة الأموية ‏.‏

5 - وكانت لعبد الملك أياد عظيمة ، فقد عرب الدواوين وضرب العملة ، وبقي في الحكم اثنين وعشرين عاما ، وتوفي سنة 86هـ ، فتولى بعده ابنه الوليد بن عبد الملك ، الذي حكم عشرة أعوام ، وتمت في عهده إصلاحات داخلية عظيمة وفتوحات إسلامية كبرى على يد قادة عظام مثل محمد بن القاسم الثقفي فاتح السند، وموسى بن نصير فاتح الأندلس ‏.‏

6 - ثم جاء بعده أخوه سليمان بن عبد الملك فحكم ثلاثة أعوام لم تتقدم فيها الدولة شيئا ، لا من الداخل ولا من الخارج ، ومات سنة 99هـ ، فوسد الأمر لأعظم شخصية في تاريخ بني أمية ، على الرغم من أنه لم يحكم إلا عامين ، وهو عمر بن عبد العزيز ، الذي اعتبره البعض ‏(‏خامس الخلفاء الراشدين ‏)‏ لكثرة ما عمل من إصلاحات خلال الفترة الوجيزة التي حكم فيها ‏.‏

لقد راقب عمر الولاة بحذر ، وأخذ على أيديهم وطرد القساة منهم ، وانتشر الإسلام في عهده انتشارا كبيرا لأنه وضع الجزية عمن يعتنق الإسلام ، وكان ولاة السوء لا يفعلون ذلك ، ويروي ابن عبد الحكم ، ملخصا عهد عمر بن عبد العزيز ، في قوله الوجيز ‏"‏ إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفا فذلك ثلاثون شهرا ، فما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول ‏:‏ اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء ، فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده ، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس ‏"‏ ‏.‏

7 - ثم ولي الأمر بعده يزيد بن عبد الملك ، بعهد من أخيه سليمان بعد ابن عمه عمر بن عبد العزيز ، وهو ابن تسع وعشرين سنة ‏.‏ فدامت خلافته أربع سنوات وشهرا ، ثم مات بعدها دون أن يترك أثرا ذا بال اللهم إلا إخماده لفتنة يزيد بن المهلب ‏.‏

8 - وولي بعده هشام بن عبد الملك ، فمكث في الخلافة عشرين عاما حاول فيها تقليد عمر بن عبد العزيز ، ولم ينجح في ذلك نجاحا كبيرا ، وإن كانت الدولة قد اتسعت في عهده ، ففتحت قيسارية وبلاد الخزر ، وأرمينية ، وشمال آسيا الصغرى ، وجزءا كبيرا من بلاد الروم ‏.‏

لكن الأحوال الداخلية لم تكن مستقرة على عهده وتوفي في عام 125هـ ، وترك الحكم للوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي يعتبر عهده - الذي لم يدم أكثر من عام إلا قليلا - من أسوأ عهود الدولة الأموية ، ظلما وانتقاما من أبناء سلفه هشام فضلا عن عنصريته وخلاعته ‏.‏

9 - ولم يكن للخليفتين اللذين وليا بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، وإبراهيم ابن الوليد أثر يذكر ، ولم يدم حكم كل منهما إلا ثلاثة أشهر ، ولم تستقم لهما الأمور ، وكانت أيامهما ، وأيام سابقهما الوليد بن يزيد ، فرصة ذهبية نجح فيها العباسيون في تعبئة النفوس وتنظيم الصفوف ، للانقضاض على الدولة ‏.‏

10 - فلما آلت الخلافة لمروان بن محمد - آخر خلفاء بني أمية في المشرق لم يستطع أن يقر قواعد الدولة ، على الرغم من أنه ‏"‏ كان أشجع بني أمية وأقدرهم على تحمل الأخطار ‏"‏ ‏.‏‏.‏ فسقطت الدولة في عهده ، بعد فتنة واضطرابات دامت خمس سنوات ، وكان سقوطها في سنة 132هـ ‏.‏

وكانت دولة بني أمية دولة عربية تتعصب للعرب وللتقاليد العربية ، وللغة العربية ، ولم يستطع معظم خلفائها أن يرتفعوا على مستوى المساواة والعدل في الإسلام ‏.‏

لكن مع ذلك كان لهذه الدولة أياد طولى على المسلمين لعل من أهمها جهودها العظيمة في مجال الفتوحات الإسلامية ‏.‏

 فتوحات الدولة الأموية ‏:‏

اتسعت فتوحات الدولة الأموية اتساعا عظيما ، منذ عهد معاوية الذي لم تكد تستقر له الأوضاع حتى جهز الجيوش وأنشأ الأساطيل ، وأرسل قواده إلى أطراف الدولة لتثبيت دعائمها ، بعد أن حاول الفرس والروم استغلال فترة الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ‏.‏

*وقد أخضعت هذه الجيوش ثورة فارسية هدفت إلى الامتناع عن دفع الجزية ‏.‏ ثم توغلت جيوشه شرقا ، فعبرت نهر جيحون ، وفتحت بخارى وسمرقند وترمذ ‏.‏

*ومن الجهة الرومانية ، كان الرومان قد أكثروا من الغارات على حدود الدولة الإسلامية في الناحية الشمالية الغربية ، فأعد معاوية لهم الجيوش ، وانتصر عليهم في مواقع كثيرة ‏.‏

وبأسطوله الذي بلغت عدته ‏(‏1700‏)‏ سفينة ، استولى على قبرص ورودس وغيرهما من جزر الروم - كما قام بالمحاولة الأولى لفتح القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية سنة 48هـ ، فأرسل جيشا بإمرة ابنه يزيد ، وجعل تحت إمرته عددا من خيرة الصحابة كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري ، لكن المحاولة لم تنجح ‏!‏‏!‏

ومن الشمال الإفريقي ‏(‏ تونس والجزائر والمغرب الأقصى ‏)‏ امتد الفتح الإسلامي، فأرسل ‏(‏معاوية ‏)‏ عقبة بن ابن نافع سنة ‏(‏50هـ‏)‏ في عشرة آلاف مقاتل ، لتثبيت فتحها، وقد عمل عقبة على نشر الإسلام بين البربر ثم بنى مدينة القيروان ، وفي عهد ابنه الخليفة ‏(‏يزيد‏)‏ وصل عقبة في اكتساحه للشمال الإفريقي حتى المحيط الأطلسي غربا ، وقال هناك كلمته المأثورة ‏"‏ والله لولا هذا البحر لمضيت في سبيل الله مجاهدا ‏"‏ ‏.‏

وفي الشرق اتجهت جيوش عبد الملك بن مروان - الخليفة الأموي الخامس - إلى التوسع في بلاد ما وراء النهر ، وكانت القيادة في هذا الركن للمهلب بن أبي صفرة وليزيد بن عبد الملك ‏.‏ وكان من أبرز الفتوحات في عهد الوليد بن عبد الملك فتح بلخ ، والصفد ، ومرو ، وبخارى ، وسمرقند ، وذلك كله على يدي قتيبة بن مسلم ‏.‏

أما محمد بن القاسم الثقفي فقد فتح السند ‏(‏ باكستان ‏)‏ ‏.‏ وفتح مسلمة بن عبد الملك فتوحات كثيرة في آسيا الصغرى ، منها فتحه لحصن طوالة وحصن عمورية ، وهرقلة ، وسبيطة ، وقمونية ، وطرسوس ‏.‏‏.‏ كما حاصر القسطنطينية أيام سليمان بن عبد الملك ‏.‏

وفي أوربا فتح موسى بن نصير الأندلس ، وبقيت في حوزة المسلمين ثمانية قرون ‏(‏ 92-898 ‏.‏‏.‏ هـ ‏)‏ وكان جزاؤه من بني أمية جزاء سنمار ‏!‏‏!‏

وقد حاول عنبسة بن سحيم الكلبي غزو جنوب فرنسا وفتح سبتماية ، وبرغونية ، وليون - ونجح المسلمون في ذلك نجاحا مؤقتا ، حتى انتهت هذه المحاولات بعيد موقعة بلاط الشهداء التي قادها عبد الرحمن الغافقي - بقليل ‏.‏ ولم يكن لهذه الفتوحات صدى حقيقي ، لأنها كانت أشبه بحملات جهادية فردية ‏.‏


 ولماذا سقط هؤلاء العظماء ‏؟‏

كان معاوية رضي الله عنه - بلا ريب - أحد دهاة العرب القلائل ، وكان رجل دولة وخبير سياسة بمعنى الكلمة ‏.‏‏.‏ بيد أنه كانت هناك حقيقة حضارية ينبغي عليه إدراكها وهي ‏:‏ أن الحضارة حين ينفصل جسدها عن دماغها لا يمكن أن تكون قابلة للبقاء ‏.‏‏.‏ حين يحدث انشقاق بين روح الأمة وجهاز عملها المادي تحدث الآلية القاتلة وتسير القافلة بلا روح ‏.‏‏.‏ تماما كما يسير الذي قطع رأسه من جسده‏.‏‏.‏ إنه لا بد من أن يسقط بعد خطوات ‏!‏‏!‏

ومنذ قامت الدولة الأموية ، واعتمد فيها نظام وراثة الخلافة كرها عن الأمة ‏.‏‏.‏

منذ هذا الحدث وثمة انفصال بين جسد الأمة وروحها ذاقت منه الأمة الإسلامية مر الأهوال ‏.‏‏.‏وكان أحد الأسباب ، بل أهم  الأسباب في سقوط الدولة الأموية ‏.‏

لقد تشكلت طبقة تعطي نفسها امتيازا جنسيا غريب الشكل ‏.‏‏.‏ فهي لمجرد أنها من البيت الأموي ، حتى ولو افتقدت كل صلاحيات الوجود والحكم بعد ذلك ، لا بد أن تقف في الصف الأول ‏.‏‏.‏ وأن تقود وتحكم ‏.‏‏.‏ ‏!‏‏!‏ والأدهى من ذلك أن هذه الدولة اعتمدت العنصرية العربية المستعلية حقا تتكئ عليه في سيادتها ‏.‏‏.‏ وظلمها ‏!‏‏!‏

وهذه الظاهرة ‏.‏‏.‏ تلد أمراضا حضارية خبيثة كلها شؤم وبلاء ‏.‏‏.‏ فإن هذه الطبقة سرعان ما يحاول كل واحد منها الحصول على حق ‏.‏‏.‏ أكثر شرعية جنسية ‏.‏‏.‏ لكي يصل إلى الحكم ، وبالتالي يلجأ إلى الدس والخديعة والقتل والاغتيال ويسود الطبقة الحاكمة جو من الصراع الداخلي يمنعها عن أن تؤدي للأمة أي شيء ، ويكون كل هم الحاكمين أن يحافظوا على الموقع الذي يقفون فيه ‏.‏‏.‏ هكذا كان الأمر بين الأمويين ولا سيما في الأيام الأخيرة من عمرهم ‏.‏‏.‏ أيام الوليد بن يزيد، ومروان بن محمد ‏.‏

ومن الأمراض الخطيرة التي تلدها ظاهرة الانفصام المشئومة استعانة هؤلاء الحاكمين بطبقة تتولى هي في الحقيقة الأمر ، وتستبد بالأمة ، وحين تستغيث الأمة لا تجد من يغيثها ، إذ يكون الحكام في واد آخر بعيد عنها ، بل إن هؤلاء الحكام يعتقدون أنهم بوجودهم في مراكز السلطة مدينون لهؤلاء العمال أو الولاة الغاشمين الظالمين ‏.‏

وقد زخرت صفحات التاريخ بعديد من هؤلاء الجبابرة الذين أساءوا إلى المسلمين والإسلام إساءات بالغة كالحجاج بن يوسف الثقفي في المشرق ، والوالي عبد الله ابن الحبحاب في المغرب ‏.‏

ولقد أساءت هذه الطبقة المصطنعة العازلة إلى تاريخ الأمويين نفسه أيما إساءة ، وزينت للخلفاء الأمويين كل جور ، وعملت في المسلمين عمل كسرى وقيصر في شعبيهما ‏.‏‏.‏ وكانت - يعلم الله - بلاء على المسلمين أي بلاء ‏!‏‏!‏ وقد كانت سببا في نجاح الخوارج ، وفي إشعال ثورات بربرية ، في ساحة الأندلس والمغرب ‏.‏

وبتأثير الطغيان الذي ساس به الولاة جماهير المسلمين ، انصرف الناس إلى أمورهم ، تاركين أمور الدولة في يد الفئة الحاكمة بل انصرفوا إلى الاندماج في كل حركات الخروج على الدولة ‏.‏‏.‏ وقد تمخض كل ذلك عن ميلاد تنظيم من أدق التنظيمات في تاريخ الانقلابات السياسية ، وهو التنظيم العباسي الذي رفع الراية العلوية ‏(‏ الرضا من آل البيت ‏)‏ أيام سريته ‏.‏‏.‏ إلى أن وصل إلى الحكم ‏.‏

ولم يك هذا التنظيم لينجح ويجد المناخ والعناصر الصالحة إلا نتيجة سياسة الولاة الغريبة عن روح الإسلام ‏.‏

وقد اختلف المؤرخون في سقوط هذه الدولة العظيمة ‏.‏‏.‏ دولة الفتوحات ‏.‏‏.‏ وقد رأى بعضهم ، وهم محقون ، أنه النزاع بين المضرية واليمانية ، الذي ابتدأ منذ أيام مؤسس الدولة الأموية معاوية ، قد أدى إلى ضياع بني أمية ‏.‏

ويرى بعضهم أن مصرع الحسين بن علي في كربلاء كان الداء القاتل الذي تفاقم حتى قضى عليها ‏.‏

ورأى آخرون أن العامل الهام الذي أدى إلى سقوط بني أمية هو تعصب الأمويين للعرب، مما أدى إلى خروج الموالي على الدولة الأموية وهم غير العرب الذين دخلوا في الإسلام عقب الفتح العربي في فارس ومصر والمغرب ‏.‏

وما لبث هؤلاء أن أصبحوا أعداء للعرب من بني أمية ولا شك أن سلوك الوليد ابن يزيد الذي أدى إلى مصرعه كان من أبرز الأسباب المباشرة في فساد الأحوال‏.‏

كما أن الاستبداد الفردي عامل من عوامل سقوط الدولة قال به كثيرون ‏.‏

وقد تكون كل هذه الأسباب صحيحة ، بل قد تكون متداخلة ، لكننا نميل إلى سبب جوهري نراه أكبر الأسباب وأبرزها ، وهو العنصرية الأموية التي جعلتهم يرفعون العرب على حساب غيرهم، ويثيرون الأحقاد في بقية الطوائف المسلمة‏!‏‏!‏

وتبقى عبرة التاريخ الأخيرة في سقوط الدولة الأموية ‏.‏ فإن نصر بن سيار ‏(‏ والي خراسان ‏)‏ كان على عهد مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين ‏.‏‏.‏ وكان نصر هذا ‏.‏‏.‏ كما كان مروان ‏.‏‏.‏ كان كلاهما من خيرة من أنجبت الدولة الأموية‏.‏‏.‏ هذا في الولاة ، وذلك في الخلفاء ‏.‏

لكنهما ظهرا بعد أن اتسعت خروق الدولة على أي راقع ، وكان رصيد الدولة من الفساد والتحلل والظلم والضعف ، قد أصبح أكبر وأضخم من طاقة أي إنسان ‏.‏

لقد كانت حركة التاريخ التي هي من سنة الله قد قالت في الدولة الأموية كلمتها ‏.‏‏.‏ وقد حاول ‏"‏ نصر ‏"‏ أن يستعمل ذكاءه في إنقاذ الدولة ، إذ كان يستشف ببصيرته الوقادة أن ثمة أمورا تبينت للدولة ، وأن دولة الأمويين على وشك الرحيل ، وكم كاتب الخليفة الأموي الأخير ‏"‏ مروان ‏"‏ في ذلك ‏.‏‏.‏ ولكن دون جدوى ‏.‏‏.‏ لقد اتسع الخرق ووجب أن ينهار البناء ‏!‏‏!‏

وكان مروان ‏.‏‏.‏ مشغولا بسداد ‏"‏ شيكات ‏"‏ سابقيه من الديون ‏.‏‏.‏ في بنك الضياع ‏.‏‏.‏ فلم يمكنه أن يستجيب لا ‏"‏ لنصر ‏"‏ ولا لضميره الذي كان يحس بقرب الكارثة ‏.‏‏.‏ هكذا تفعل الدول بنفسها ‏.‏‏.‏ نتيجة ظلمها ‏.‏ وتراكم هذا الظلم ‏.‏

وعندما سقطت الدولة الأموية سنة 132هـ ، ولقي مروان المسكين مصرعه في حلوان بمصر ‏.‏‏.‏ كان كتاب التاريخ يطوي إحدى صفحاته ‏.‏‏.‏ يطويها بعنف لأن أبطالها أرادوا لأنفسهم هذا ‏.‏‏.‏‏.‏ حين راحوا ينفصلون عن ضمير الأمة ووجدانها ، ويعزلون أنفسهم عن شعوبهم - بطبقة من العمال الظالمين الغاشمين وبعنصرية عربية قومية ظالمة ‏.‏‏.‏ لقد فتحوا كثيرا من الأراضي ، لكنهم فشلوا في أن يفتحوا القلوب ‏.‏‏.‏‏.‏ والعقول ‏!‏‏!‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

9 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية


9

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الثاني ‏:‏ سقوط خلافات ودول شرقية

1- الأمويون - أصحاب دولة الفتوحات - يسقطون
2- سقوط الدولة الطولونية في مصر
3- الصفاريون ، وقصة سقوطهم
4- الإخشيديون على خطى الطولونيين
5- سقوط السامانيين في فارس
6- البويهيون الذين سطوا على الخلافة ‏.‏‏.‏ يسقطون
7- سقوط الانفصاليين في طبرستان
8- وقصة سقوط الحمدانيين
9- السلاجقة ‏.‏ منقذو الخلافة ‏.‏ يسقطون
10- سقوط دولة الفاطميين
11- سقوط دولة صلاح الدين
12- من عوامل سقوط العباسيين
13- المماليك ‏.‏‏.‏ أبطال عين جالوت يسقطون

وفيما يلى الشرح كل على حده


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 7- سقوط غرناطة


8

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

7- سقوط غرناطة

كان بقاء مملكة غرناطة الإسلامية في الأندلس قرنين من الزمان معجزة من معجزات الإسلام‏.‏

فهذه الجزيرة الإسلامية العائمة فوق بحر الصليبية المتلاطم الأمواج والطافح بالحقد والمكر التاريخيين ‏.‏‏.‏ هذه الجزيرة ما كان لها أن تصمد صمودها المشهور إلا لأن طبيعة الصمود كامنة في العقيدة والمبادئ الإسلامية ‏.‏ وبدون العقيدة الإسلامية ‏.‏‏.‏ ما كان لهذه الجزيرة أن تصمد وحدها في الأندلس بعد أن سقطت كل المدن والقلاع الإسلامية منذ قرنين من الزمان ‏.‏

كان قانون ‏"‏ الاستجابة للتحدي ‏"‏ هو الذي أبقى غرناطة حية زاخرة بالفكر الإسلامي والرقي الحضاري هذين القرنين ‏.‏‏.‏ وكان شعور الغرناطيين بأنهم أمام عدو محيط بهم من كل جانب ، ينتظر الفرصة لالتهامهم ، وبأنه لا أمل لهم في استيراد النصر من العالم الإسلامي ، وبأنه لا بد لهم من الاعتماد على أنفسهم ‏.‏‏.‏ كان هذا الشعور باعثهم الأكبر على الاستعداد الدائم ‏.‏‏؟‏ ورفع راية الجهاد والتمسك بإسلامهم ‏.‏

وبهذا نجحت غرناطة في أن تظل إلى سنة 1492م ‏(‏ 897 هـ‏)‏ سيدة الأندلس الإسلامي ومنارة العلوم وشعلة الحضارة الإسلامية الباقية في أوربا ‏.‏

لكن الأعوام القريبة من عام السقوط شهدت تطورا في الحياة الأندلسية ‏.‏‏.‏ فعلى المستوى النصراني بدأ ‏"‏ اتحاد ‏"‏ كبير يضم أكبر مملكتين مسيحيتين مناوئتين للإسلام ‏.‏‏.‏ وهما مملكتا أرجوان وقشتالة ، وقد اندمج الاثنان في اتحاد توجاه بزواج ‏"‏ إيزابيلا ‏"‏ ملكة قشتالة من ‏"‏ فرناند ‏"‏ ملك أرجوان ‏.‏‏.‏ وكان الحلم الذي يراود الزوجين الملكين الكاثوليكيين ليلة زفافهما هو دخول غرناطة ‏.‏‏.‏ وقضاء شهر عسلهما في الحمراء ، ورفع الصليب فوق برج الحراسة في غرناطة - أكبر أبراجها - وعلى المستوى الإسلامي ‏.‏‏.‏ كان ‏"‏ خلاف ‏"‏ كبير قد دب داخل مملكة غرناطة ولا سيما بين أبناء الأسرة الحاكمة ، وتم تقسيم مملكة غرناطة المحدودة قسمين ، يهدد كل قسم منهما الآخر ويقف له بالمرصاد ‏.‏‏.‏ قسم في العاصمة الكبيرة ‏(‏ غرناطة ‏)‏ يحكمه أبو عبد الله محمد علي أبو الحسن النصري ‏(‏ آخر ملوك غرناطة ‏)‏ وقسم في ‏(‏ وادي آش ‏)‏ وأعمالها يحكمه عمه أبو عبد الله محمد المعروف بالزغل ‏.‏

وقد بدأ الملكان الكوثوليكيان هجومهما على ‏(‏ وادي آش ‏)‏ سنة 894 هـ ، ونجحا في الاستيلاء على وادي آش وألمرية وبسطة ‏.‏‏.‏ وغيرها ، بحيث أصبحا على مشارف مدينة غرناطة ‏.‏

وقد أرسلا إلى السلطان أبي عبد الله النصري يطلبان منه تسليم مدينة الحمراء الزاهرة ، وأن يبقى هو حيا في غرناطة تحت حمايتها ‏.‏‏.‏ وكما هي العادة في الملوك الذين يركبهم التاريخ وهو يدور إحدى دوراته ، كان هذا الملك ضعيفا ‏.‏‏.‏ لم يحسب حسابا لذلك اليوم ‏.‏‏.‏ ولقد عرف أن هذا الطلب إنما يعني الاستسلام بالنسبة لآخر ممالك الإسلام في الأندلس فرفض الطلب ودارت الحرب بين المسلمين والنصارى واستمرت عامين ‏.‏‏.‏ يقودها ويشعل الحمية في نفوس المقاتلين فيها فارس إسلامي من هؤلاء الذين يظهرون كلمعة الشمس قبل الغروب ‏"‏ موسى بن أبي الغسان ‏"‏ ‏.‏

وبفضل هذا الفارس وأمثاله وقفت غرناطة في وجه الملكين الكاثوليكيين عامين وتحملت حصارهما سبعة أشهر ‏.‏‏.‏

لكن مع ذلك ‏.‏‏.‏ لم يكن ثمة شك في نهاية الصراع ‏.‏‏.‏ فأبو عبد الله الذي لم يحفظ ملكه حفظ الرجال ‏.‏ والانقسام العائلي والخلاف الداخلي في المملكة في مقابل اتحاد تام في الجبهة المسيحية ‏.‏‏.‏ مضافا إلى ذلك حصاد تاريخ طويل من الضياع والقومية الجاهلية والصراع بعيدا عن الإسلام ‏.‏‏.‏ عاشته غرناطة وورثته مما ورثته عن الممالك الإسلامية الإسبانية الساقطة ‏.‏

كل هذه العوامل قد عملت على إطفاء آخر شمعة إسلامية في الأندلس ‏.‏

وعندما كان أبو عبد الله ‏(‏ آخر ملوك غرناطة هذا ‏)‏ يركب سفينته مقلعا عن غرناطة الإسلامية ، مودعا آخر أرض تنفست في مناخ إسلامي في أوروبا بعد ثمانية قرون عاشتها في ظلال الإسلام ‏.‏‏.‏‏.‏

في هذا الموقف الدرامي العنيف ‏.‏‏.‏ بكى أبو عبد الله ملكه ‏"‏ وملك الإسلام المضاع، وتلقى من أمه الكلمات التي حفظها التاريخ ‏(‏ ابك مثل النساء ملكا لم تحفظه حفظ الرجال ‏)‏ ‏.‏

والحق أن أمه بكلمتها تلك ، إنما كانت تلطمه وتلطم حكاما في الإسلام كثيرين ‏.‏‏.‏ بكوا مثل النساء ملكا لم يحفظوه حفظ الرجال ‏!‏‏!‏‏!‏ ‏.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








7 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 6- ركن الفردوس يسقط


7

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

 6- ركن الفردوس يسقط

حين تذهب إلى التاريخ تتلقى منه تلقي التلميذ المتعلم ، وليس تلقي التلميذ المتحجر المكابر ، يروعك أنك تقرأ نفسك ومجتمعك وأحداث عصرك في بعض صفحاته ، وتكاد تحس بأن ما يدور حولك ليس إلا آخر طبعة من كتاب التاريخ ، وأن الذين يظنون أنفسهم آخر حلقات التاريخ - أي أفضلها - أو يظنون أنفسهم خارج دائرة التاريخ ‏.‏‏.‏ هؤلاء وأولئك قوم مخدوعون ، يمتازون بالغباء الشديد والسذاجة المفرطة ‏.‏

إن قصة خروجنا من الأندلس لم تكن قصة عدو قوي انتصر علينا بقدر ما كانت قصة هزيمتنا أمام أنفسنا ‏.‏‏.‏ قصة ضياعنا وأكلنا بعضنا بعضا كما تأكل الحيوانات المنقرضة بعضها بعضا ‏.‏

وكان سقوط ‏(‏ قرطبة ‏)‏ أكبر معاقل الإسلام في الأندلس سنة 633هـ النهاية لسقوطنا التام في الأندلس ‏.‏

وقد اضطر ابن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة إلى أن يهادن ملك قشتالة الصليبي، وأن يعقد معه صلحا لمدة عشرين سنة ، وأن يسلم له - بناء على شروط الصلح - مدينة جيان وما يلحق بها من الحصون والمعاقل ، وأن ينزل عن أرجونة وبيع الحجار وقلعة جابر وأرض الفرنتيرة ‏.‏‏.‏ واعترف بالطاعة لملك قشتالة وتعهد بأن يؤدي إليه جزية سنوية قدرها مائة وخمسون ألف مرافيدي ‏(‏ العملة الإسبانية ‏)‏ وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه ‏(‏ المسلمين ‏)‏ ‏!‏ وعندها استغل ملك قشتالة هذا الصلح ليتفرغ لضرب المسلمين الآخرين ، هاجم مدينة إشبيلية قاعدة غربي الأندلس كله ‏.‏‏.‏ وكانت هناك كتيبة إسلامية أرسلها ابن الأحمر تهاجمها معه ‏(‏ باسم التقدمية ‏!‏‏!‏‏)‏ فسرعان ما سقطت إشبيلية الإسلامية حاضرة الثقافة الإسلامية الرفيعة - بيد فرناندو الثالث ملك قشتالة سنة 646هـ وبمعونة ابن الأحمر 0- مؤسس مملكة غرناطة العظيم ، ‏.‏‏.‏ ولم تعد إشبيلية إلى الإسلام منذ ذلك اليوم ‏!‏‏!‏

وعندما كاد أمد الصلح بين ابن الأحمر وبين ملوك قشتالة ينتهي بعد ‏(‏ العشرين سنة ‏)‏ سعى ابن الأحمر لتجديد الصلح ‏.‏‏.‏ وفي سبيل ذلك تنازل لقشتالة عن عدد كبير من بلاد الإسلام قيل إنها بلغت أكثر من مائة بلد وحصن ‏!‏

وأنا لا ألوم ابن الأحمر وحده ‏.‏‏.‏ إنما ألوم ملوك الطوائف جميعا ‏.‏‏.‏ لقد كان كل شيء ممكنا بالنسبة لهم - وفي عرفهم - عدا شيئا واحدا ‏.‏‏.‏

كان الترامي في أحضان العدو ممكنا ‏.‏‏.‏ وكان التنازل له عن الأرض ممكنا ‏.‏‏.‏ وكان الخلاف بين بعضهم وبعض لدرجة الاستنجاد بالعدو ممكنا ‏.‏‏.‏ أجل ‏.‏‏.‏ كان كل هذا ممكنا إلا شيئا واحدا ‏.‏‏.‏ إلا العودة إلى الإسلام الصحيح الخالي من حب السلطة واستعباد الدنيا ‏.‏‏.‏‏.‏ والأمر بالاعتصام بحبل الله وحده وعدم التفرقة ‏.‏‏.‏ كل شيء كان ممكنا - في عرفهم - إلا هذا ‏.‏

وبالطبع ‏.‏‏.‏ فإن لنا أن نتوقع ظهور كثير من الحركات التقدمية والقومية والجدلية في مثل هذا المناخ الفاسد ‏.‏‏.‏ وبالتأكيد ‏.‏ لولا بروز مثل هذه النزعات التي لا شك في أن النصارى قد ساعدوا على ترويجها ، لولا هذا لأصبح المكان خاليا وملائما لبروز الحل الوحيد الصحيح ‏.‏‏.‏ الحل الإسلامي ‏.‏

وفي الشرق الأندلسي كان شيء من هذا يحدث على نحو أعتى وأقسى ، ففي ‏"‏ بلنسية ‏"‏ ‏.‏‏.‏ كان آخر أمراء الموحدين هناك ‏"‏ أبو زيد بن أبي عبد الله ‏"‏ يلجأ بعد انهيار ملكه في بلنسية تحت ضربات منافسه ‏"‏ أبي جميل زيان ‏"‏ ‏.‏‏.‏ وكان هذا الموحدي العاق الجاحد يشهد مع ملك أرجوان كل غزواته ضد المسلمين ‏.‏‏.‏ ولم يكتف بهذا المصير التعس ‏.‏‏.‏ فاتخذ قراره الثوري الحاسم ‏"‏ باعتناق النصرانية‏"‏‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏!‏

وبينما كانت مدن بلنسية الكبرى وقراها وحصونها تتداعى ما بين سنوات ‏(‏ 63-636هـ ‏)‏ كان ‏(‏ أبو زيد ‏)‏ يبذل جهوده مع النصارى في حروبهم ضد الإسلام‏.‏‏.‏ ويعاونهم في التعرف على نقاط الضعف لدى أبناء دينه السابق ‏.‏ وفي الوقت نفسه كان ابن الأحمر يساعد ملك قشتالة بكتائبه ضد إخوانه المسلمين ‏.‏

وتسألني لماذا طردنا من الأندلس ‏؟‏ فأقول لك ‏:‏ لأن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ‏.‏‏.‏ ثم أقول لك عبرة التاريخ ‏.‏‏.‏ قانون سقوطنا ‏:‏ ‏"‏ حين يبحث كل عضو منا عن نفسه تسقط سائر الأعضاء ‏"‏ ‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








6 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 5- وقصة أخرى من الأندلس


6

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

 5- وقصة أخرى من الأندلس

كانت الحالة سيئة للغاية ‏.‏‏.‏ وعندما تصل حركة التاريخ إلى طريق مسدود بعد أن يفسق أهل القرى ويخلعوا طاعة الله ‏.‏‏.‏ في هذه الحال يكون لا أمل إلا في شيء واحد ‏.‏‏.‏ هو الزوال ‏.‏‏.‏ وهذه هي المعادلة الوحيدة الصحيحة في تفسير التاريخ ‏:‏ خروج على قوانين الله ‏.‏‏.‏ إمهال نسبي من الله قد يغري الخارجين على القانون بالتمادي ‏.‏‏.‏ تجمع لعوامل الفناء ‏.‏ إغلاق لباب العودة ‏.‏ إبادة وموت في شكل مجموعة من الكوارث ‏!‏‏!‏

وإلى الحالتين الأخيرة وما قبلها ‏.‏‏.‏ وصلت حال الأندلس في القرن السابع الهجري ‏.‏‏.‏ ذلك القرن الذي شهد سقوط معظم القلاع والمدن الإسلامية الأندلسية ، ولم تفلت منه - إلى حين - سوى مملكة غرناطة ، التي لم تلبث بعد قرنين - أن لقيت حتفها ‏.‏

وعلى امتداد الأندلس - شرقيه وغربيه - بدأت حركة ما يسمى بالاستيراد الصليبي تسوق المسلمين المفككين ، المتناطحين بالألفاظ ، المقسمين في ولائهم بين ملوك النصارى ‏.‏‏.‏ تسوقهم إلى حتفهم الأخير ‏.‏

وبعد سقوط الموحدين في الأندلس ، انفرط عقد هؤلاء ، فلم يعد يجمعهم جامع من خلافة إسلامية جامعة ، أو من استجابة لتحد خارجي ، أو من عقيدة متفوقة تشتعل أعماقهم بها ، ويبحثون عن رفعها أكثر مما يبحثون عن رفعة أنفسهم ‏.‏‏.‏ ولذا ؛ فقد تبع سقوط الموحدين التمهيد لسقوط كثير من مدن الأندلس كمرسية وبلنسية وقرطبة والشرق الأندلسي ‏.‏‏.‏ ثم الغرب الأندلسي الذي كانت عاصمته إشبيلية ‏!‏‏!‏

لقد عرف أهل إشبيلية بعد سقوط الموحدين ، أنهم لا بد لهم من حماية خارجية بعد أن فشلوا في الاعتماد على الذات ‏.‏‏.‏ وقد أرسلوا بيعتهم إلى الأمير أبي زكريا الحفصي أمير الحفصيين في تونس هؤلاء الذين لمعوا بعد سقوط الموحدين ، لكن الرجال الذين أرسلهم الأمير الحفصي إلى إشبيلية أساءوا معاملة الناس وأظهروا الفساد ‏.‏‏.‏ فاضطر أهل إشبيلية لإخراجهم ، وبدءوا في الاعتماد على أنفسهم ، وألغوا معاهدة ذليلة كانت قد عقدت بينهم وبين ملك قشتالة النصراني فرناندو الثالث ، وقتلوا ‏"‏ ابن الجد ‏"‏ صاحب مشروع المعاهدة المذكورة ونصير السياسة المستذلة للنصارى ‏.‏

وكان هذا نذيرا ببداية النهاية لإشبيلية ، إلا أنهم قد فقدوا العون الإسلامي الخارجي ‏.‏‏.‏ وأعلنوا - بقطعهم المعاهدة - حربا على قشتالة ، لم تكن ظروفهم مهيأة لدخولها ‏.‏

وقد شهدت سنة 644هـ بداية التحرك النصراني ضد إشبيلية ، واستولى الصليبيون على حامية إشبيلية في هذا العام ‏.‏‏.‏ وكان ذلك بمساعدة ابن الأحمر ملك غرناطة وفقا لمعاهدته مع فرناندو ‏.‏‏.‏ ‏!‏

وفي العام التالي تقدمت الجيوش النصرانية مرة أخرى على إشبيلية ، وقد نجحت في الاستيلاء على عشرات من المدن الإسلامية بفضل تدخل ابن الأحمر ، ومنعه هذه المدن من القتال بحجة أن القتال عبث ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏!‏‏!‏‏!‏

وتم حصار إشبيلية وتطويقها من جميع الجهات بالكتائب النصرانية ‏.‏ وبالكتيبة التي يقودها ابن الأحمر المسلم ، مشتركين جميعا - باسم وحدة الطبقة العاملة فيما نظن ‏!‏‏!‏ - في تشريد أهلها وسحق دعوة الإسلام بها ‏.‏‏.‏ ولعل وجود راية محاربة إسلامية يلمحها المسلمون المحاصرون ‏.‏‏.‏ كان أشد ضربة تلقاها بعيون وقلوب باكية أهل إشبيلية المستبسلون ‏!‏‏!‏

لقد وقف أهل إشبيلية الشرفاء نحوا من سنة يدافعون الحصار النصراني المدعوم من ابن الأحمر ‏.‏‏.‏ وقد نجحوا في إيقاع النصارى في أكثر من كمين وأصابوهم بالهزيمة غير مرة ‏.‏

وقد حاولوا - وهم في حصارهم ، الاستنجاد بالمغرب دون جدوى ‏.‏‏.‏ بينما توالت النجدات على النصارى ، حتى نجحوا بسببها في منع المؤن عن المسلمين المحاصرين في إشبيلية ‏.‏‏.‏ فنفدت الأقوات وبدأ شبح الجوع يدب في أوصال المدينة المجهدة ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏!‏‏!‏

وكان قضاء الله ‏.‏‏.‏ وخرج المسلمون الإشبيليون من مدينتهم وفق شروط المعاهدة ‏.‏‏.‏ خرجوا نازحين إلى مدن إسلامية أسبانية أخرى لم تلبث أن أسقطت ‏!‏‏!‏

لو كان هؤلاء المسلمون في مئات المدن التي استسلمت دون قتال بواسطة ابن الأحمر أو خوفا من الموت ‏.‏‏.‏ لو كان قد اتحدوا وقاتلوا ‏.‏‏.‏ أو لو أنهم قاتلوا تحت أي ظرف ‏.‏‏.‏ أكانت النتيجة ستصبح شرا من هذا الحال الذي لقيه المسلمون في الأندلس ‏؟‏

لكنها سنة الله في حركة التاريخ ‏.‏‏.‏ فعندما يتم الخروج على قوانين الله تتجمع عوامل الفناء فيغلق باب العودة ‏.‏‏.‏ فتتحقق الإبادة ‏.‏‏.‏ ويتحقق الموت في شكل مجموعة من الكوارث ‏.‏‏.‏ سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ‏!‏‏!‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







5 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 4- قصة الفردوس المفقود



5


أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

 4- قصة الفردوس المفقود

كانت السنوات الأولى من القرن الخامس الهجري ‏"‏ الحادي عشر الميلادي ‏"‏ تحمل في أحشائها وباء خطيرا على الأندلس الإسلامية ‏.‏

لقد سقطت الدولة العامرية ، آخر حامية للدولة الأموية في الأندلس ، ولقد ظهر أن أحفاد عبد الرحمن الداخل الأمويين أقل من أن يقوموا بعبء حماية الإسلام الأندلسي ‏.‏

وكان البربر قد هاجر كثير منهم إلى الأندلس بحثا عن سلطة أو زعامة ، وكان الصقالبة وهم مجموعة من النازحين إلى الأندلس من طوائف مسيحية مختلفة ، كان هؤلاء الصقالبة يشكلون بدورهم عنصرا من عناصر الوجود في الحياة الإسبانية الإسلامية ‏.‏

ومن هذه القوميات المتناطحة تشكل الوجود الأندلسي غرة القرن الخامس الهجري ‏.‏‏.‏ فلما سقطت خلافة الأمويين الإسلامية في الأندلس ، نتيجة امتصاص طاقتها في مشاحنات داخلية ‏.‏‏.‏ تحركت كل هذه الطوائف المقيمة فوق أرض الأندلس الإسلامية تبحث عن السلطة والامتلاك ‏.‏

وبدلا من أن تتحد قواهم في وجه المسيحيين المجاورين لهم وبدلا من أن يرفعوا راية الإسلام والجهاد ‏.‏‏.‏ كأمل ينقذ أندلسهم من التحدي الصليبي المتربص بهم ‏.‏‏.‏ بدلا من هذا ‏.‏‏.‏ أعلنوا أحقاد القومية الطائفية والنعرات الجنسية ‏!‏‏!‏

وظهر في الأندلس أكثر من عشرين دولة يتقاسمها الأندلسيون والبربر والعرب والصقالبة ‏.‏‏.‏ ففي كل مدينة دولة ، بل ربما اقتسم المدينة أكثر من طامع ومنافس‏.‏

واستمر أمر هذه الدول أو هذه المدن المتنافسة التي عرف حكامها بملوك الطوائف ‏.‏‏.‏ استمر أمرها أكثر من خمسين سنة ‏.‏‏.‏ امتهن فيها الإسلام والمسلمون ، وتوسل كل ملك منهم بالنصارى ضد إخوانه المسلمين ، ووقف ابن حيان ‏"‏ - مؤرخ الأندلس - يستشف ما وراء الحجب ويقول لأبناء جنسه ‏:‏
يا أهل أندلس شدوا رواحلكم ** فمـا المـقام بها إلا من الغلـط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى ** ثوب الجزيرة منسولا من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه ** كيف الحياة مع الحيات في سفط

لقد فشل ملوك الطوائف في أن يلموا شعثهم ، وأن يتكتلوا ضد النصارى ‏.‏‏.‏ ومن عجيب المقادير أن ‏"‏ ألفونسو السادس ‏"‏ ملك قشتالة وليون واستوريا ، كان يتظاهر بحماية هؤلاء الملوك المسلمين ، ويأخذ منهم الجزية والإتاوات التي يرفع من قيمتها سنة بعد أخرى ، واستطاع أن يعد عدته من الإتاوات التي يفرضها عليهم ليلتهمهم بها كلهم ‏.‏‏.‏ وكان آخر ما التهمه ألفونسو من أرض المسلمين تحت سمع وبصر هؤلاء الإسلاميين بل وبمساعدة بعضهم ‏.‏‏.‏ مدينة طليطلة سنة 478 هـ 1085م ‏.‏

وعند هذه الموقعة تأكد لدى أكبر ملك من ملوك الطوائف ‏"‏ المعتمد بن عباد ‏"‏ أن ألفونسو يريد الالتهام ‏.‏‏.‏ ولا أقل من الالتهام الكامل ‏.‏‏.‏ وفكر المعتمد في وسيلة الإنقاذ ‏.‏‏.‏ وضعته الأقدار أمام حل واحد لم يكن له خيار فيه ‏.‏

لقد قرر أن يستنجد بالمرابطين المسلمين الموجودين في المغرب الأقصى كقوة إسلامية ناشئة ‏.‏‏.‏

وقد نجح المرابطون في إيقاف الزحف النصراني ، وأذلوا كبرياء ألفونسو ، واستردوا كثيرا من مدن الإسلام ، ولم يحاول الأندلسيون بناء أنفسهم ‏.‏‏.‏ لم يحاولوا صنع التقدم من خلال الذات ‏.‏‏.‏ لقد اعتادوا تسول النصر واستيراد البقاء من إخوانهم المغاربة المسلمين ‏.‏ 
وحقيقة ‏.‏‏.‏ نعم حقيقة ‏.‏‏.‏ بقيت الأندلس إسلامية باستيرادها النصر أيام المرابطين ثم أيام الموحدين ثم أيام بني مرين ‏.‏‏.‏ وبقيت مملكة غرناطة الإسلامية وحدها أكثر من مائتي سنة تصارع الموت - كوهجة الشمس قبل الغروب ‏.‏

ولكن قانون الحضارة كان قد قال كلمته ‏.‏‏.‏ فإن الذين فشلوا في أن يخلقوا من أنفسهم قوة قادرة على الحياة ما كان ينفعهم أن يشتروا النصر أو يستوردوه ‏.‏

وفي سنة ‏(‏897هـ ‏)‏ 1542م سقطت غرناطة آخر ممالك الإسلام في الأندلس ، وطرد المسلمون شر طردة ‏.‏ وكانت هذه هي النهاية التي تنبأ بها الشاعر ابن حيان وغيره من هؤلاء الذين أدركوا قانون البقاء الذي هو من سنة الله ‏.‏

نعم ‏:‏ أدركوا أن التاريخ لا يقوم بالاستيراد ، ولا تنتصر حركة تقدمه بالمتسولين ‏!‏




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 3- وسقط ملوك الطوائف


4

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

 3- وسقط ملوك الطوائف

عندما أوشكت الخلافة الأموية في الأندلس على السقوط ، لم تسقط دفعة واحدة ‏.‏

لقد جرى عليها ما جرى على الفاطميين بعد ذلك في مصر ، وما جرى على المماليك أيضا ‏.‏‏.‏ لقد ضاعت الزعامة منهم عبر انقلاب سلمي لم ترق فيه قطرة دم - بالمعنى المباشر للانقلابات الدموية - ‏!‏‏!‏

لقد ولي أمر الخلافة طفل في السابعة من عمره يدعى ‏"‏ هشاما ‏"‏ ولما لم يكن بإمكانه حكم البلاد ، فقد كانت أمه ‏"‏ صبح ‏"‏ وصية عليه ، ولم تستطع صبح هذه أن تنفرد بالسلطة ، فقد أشركت معها في الأمر رجلا من أغرب الرجال وأقدرهم يدعى ‏"‏ المنصور بن أبى عامر ‏"‏ ‏.‏‏.‏

وقد نجح هذا المنصور في أن يعبر الانقلاب السلمي بنجاح ، ويحول الخلافة الأموية في الأندلس إلى ملك ينتسب إليه ، ويرثه أبناؤه من بعده ‏!‏‏!‏ وإن كان لبني أمية الاسم الرمزي والخلافة الصورية ‏.‏

ولم يمض أكثر من أربعين سنة حتى كانت دولة العامريين قد أصبحت آخر ومضة تمثلت فيها دولة الخلافة الأموية في الأندلس ، وبسقوط دولة العامريين التي قامت على غير أساس ، انفرط عقد الأندلس ، وظهر بهذه الأرض الطيبة عصر من أضعف وأردأ ما عرف المسلمون من عصور الضعف والتفكك والضياع ‏.‏

لقد ورث خلافة الأمويين أكثر من عشرين حاكما في أكثر من عشرين مقاطعة أو مدينة ، وقد انقسم هؤلاء الحكام إلى بربر وصقالبة وعرب ، وكانت بينهم حروب قومية لم يخمد أوارها طيلة السنوات التي حكموا فيها ، ولقد ترك هؤلاء الملوك المستذلون الضعاف الملوك النصارى يعيشون بهم ويتقدمون في بلادهم ، وانشغلوا هم بحروبهم الداخلية ، وباستعداء النصارى ضد بعضهم البعض ، وتسابقوا على كسب النصارى ، وامتهنوا في ذلك كرامتهم وكرامة الإسلام ، فدفعوا الجزية وتنازلوا طوعا عن بعض مدنهم للنصارى ، وحاربوا في جيوش النصارى ضد المسلمين من إخوانهم في المدن الأخرى من أرض الأندلس الإسلامية ‏.‏

ولا يستطيع المرء أن يزعم أن باستطاعته أن يحصي كل مساوئ الفترة المسماة بفترة ملوك الطوائف ‏.‏

ولقد أدى التنافس بين هؤلاء الملوك إلى رفعة منزلة الشعراء والأدباء والمطربين ، ولم يكن ذلك حبا في الأدب ، ولا إعجابا بفن الطرب ، وإنما كان ذلك من جملة أساليبهم في حرب بعضهم البعض ، وفي محاولة تحصيل المجد والشهرة المزيفين‏.‏

وقد اشتهر من بين هؤلاء الملوك المتنافسين أسرة بني عباد ، التي نبغ فيها المعتمد بن عباد كأمير مشهور عاطفي ، وكشاعر كبير ذي قلم سيال ‏!‏‏!‏

ولقد استفحل الخلاف والتنافس بين هؤلاء الملوك ، كما استفحل كذلك ضعف كل منهم ، وكان من نتائج ذلك طمع النصارى في إشبيلية وفي المدن الأندلسية الأخرى ‏.‏

ولئن كان للمعتمد بن عباد من فضل ، فإن ذلك الفضل لن يكون إلا في محاولته مقاومة هذا الخطر حين رأى دنوه من أبواب المسلمين ‏.‏

ولم يكن أمامه من مخرج غير الاستعانة بقوة المغرب العربي ‏.‏‏.‏ فاستعان بالمرابطين في المغرب الأقصى ، وعندما كان بقية ملوك الطوائف يبدون خشيتهم من المعتمد ، قال لهم كلمته المشهورة ‏:‏ ‏"‏ لأن أرعى الجمال في صحراء العرب خير من أرعى الخنازير في أرض الصليبيين ‏"‏ ‏.‏

ولقد تقدم زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين فعبر البحر و ‏(‏ جبل طارق ‏)‏ لنجدة المسلمين في الأندلس وحقق في ‏(‏ معركة الزلاقة ‏)‏ سنة 479 هـ ‏(‏ 1086 م ‏)‏ انتصارا كبيرا ساحقا على النصارى كان من أثره مد عمر الإسلام في الأندلس فترة أخرى من الزمن ‏.‏

ولقد تبين ليوسف بن تاشفين بعد ذلك أن ملوك الطوائف هؤلاء ليسوا أهلا للبقاء في مراكز السلطة في الأندلس ، وجاءته النداءات والفتاوى من العلماء كالغزالي بوجوب الاستيلاء على الأندلس فاستولى على الأندلس وأعاد إليها وحدتها ، وطرد هؤلاء الطائفيين الذين كانوا يخشون قدومه ، ويفضل بعضهم النصارى عليه ‏.‏

وفي مدينة ‏(‏ أغمات ‏)‏ بالمغرب الأقصى عاش ‏(‏ ابن عباد ‏)‏ أشهر ملوك الطوائف بقية أيامه فقيرا ذليلا لا يجد ما يكفيه ‏!‏‏!‏

إن هذه هي النتيجة الطبيعية لكل ملوك طوائف في كل عصر ، فالذين يخشون الموت سيموتون قبل غيرهم ، والذين يحسبون للفقر حسابه مضحين بكرامة دينهم ووجود أمتهم ‏.‏‏.‏ سوف يصيبهم الفقر من حيث لا يشعرون ‏.‏

ولقد نسي ملوك الطوائف هذه الحقائق ‏.‏‏.‏ فنغص الله كل شيء عليهم حتى الموت ، كما قال ابن صمادح الطائفي حاكم ‏(‏ ألمرية ‏)‏ وهو يحتضر ويسمع أصداء الهجوم على قصره ، فليبحث ملوك الطوائف في كل عصر عن الحياة ، حتى لا يبحثوا ذات يوم عن الموت فلا يجدوه ، وحتى لينغص الله عليهم كل شيء حتى الموت ‏.‏‏.‏ فتلك سنة الله ‏.‏

ولن تجد لسنة الله تبديلا ‏.‏‏.‏‏.‏




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 2-أحفاد ‏"‏ صقر قريش ‏"‏ يسقطون


3

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

2-أحفاد ‏"‏ صقر قريش ‏"‏ يسقطون

خلافة ولدت من خلافة ‏.‏‏.‏ ولئن كان أبو مسلم الخراساني ، وأبو عبيد الله السفاح قد استطاعا أن يقضيا على دولة الخلافة الأموية بدمشق سنة 132 هـ ، وأن يقتلا مروان بن محمد بحلوان مصر ، فيقتلا بقتله آخر خليفة أموي في المشرق العربي، فإن هذه الخلافة المنهارة ، قد نبتت لها بذرة غريبة الشكل والتكوين في أرض تفصلها عنها بحار ، وآلاف الأميال ‏.‏

وقد استطاع عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ، أن يكون هو الفارس لهذه النبتة في الأندلس ، بعد مطاردة عنيفة تصلح أن تكون عملا روائيا عظيما ‏.‏‏.‏

ونجح ‏"‏ صقر قريش ‏"‏ العجيب في أن يهرب أمام الجنود العباسيين حتى وصل إلى فلسطين ، ومنها إلى مصر ، ثم إلى المغرب بعد خمس سنوات من التجول والتخفي عن عيون العباسيين ‏.‏‏.‏‏.‏

لقد كان يحكم الأندلس آنذاك يوسف بن عبد الرحمن الفهري نيابة عن العباسيين ، وقد حاول الفهري مقاومة تسلل وتجمعات عبدالرحمن الداخل ، لكنه هزم أمامه عندما التقيا سنة 139 هـ ، ودخل عبد الرحمن قرطبة ، فتأسس بذلك للأمويين الذين سقطوا في دمشق على يد العباسيين ، ملك جديد في الأندلس الإسلامية ‏.‏ لم تنجح كل محاولات العباسيين على عهد جعفر المنصور في استرداد الأندلس ، كما لم تنجح محاولات ملك الصليبيين ‏(‏ شارلمان ‏)‏ في استغلال الظروف والقضاء على صقر قريش ، واستتب بذلك الأمر للفرع الأموي الذي تكون في الأندلس ‏.‏

لقد عاش عبد الرحمن الداخل يبني ويقوي من دعائم دولته أكثر من ثلاثين سنة بعد ذلك ‏.‏

فلما مات سنة 172 هـ كان قد ترك وراءه دولة قوية البنيان توارثها أبناؤه من بعده ‏.‏‏.‏ تولاها هشام ابنه ، ثم عبد الرحمن الثاني ، إلى أن وصل الأمر إلى عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر ، الذي اعتبر عهده قمة ما وصلت إليه الأندلس الأموية من ازدهار وتقدم ‏.‏

وقد دام حكم الناصر هذا نصف قرن من الزمان ‏.‏ نعمت الأندلس فيه بخير فترات حياتها في ظلال الإسلام ، وطلبت ود الدولة المماليك النصرانية المحيطة بها ، وأصبحت قرطبة ، والمدن الأندلسية الأخرى ، كعبة العلوم ، ومقصد طلاب العلم، وعواصم الثقافة العالمية الراقية ‏.‏‏.‏

وفي سنة 350 هـ مات عبد الرحمن الناصر هذا ، فتربع على عرش الأندلس من بعده ولده الحكم بن عبد الرحمن الناصر ، ثم حفيده هشام الضعيف الذي تسلط عليه الحجاب وأبرز هؤلاء الحجاب المنصور محمد بن عبد الله بن أبي عامر ، الذي حكم باسم الأمويين بمعونة أم الخليفة ‏"‏ صبح ‏"‏ وتمكن من تحويل الخلافة لنفسه ولأبنائه مدة قصيرة ، مكونا خلالها الدولة المنسوبة إليه ، والمسماة بالدولة العامرية ‏.‏

ثم عادت أمور الأمويين إليهم فترات قصيرة قلقة ، إلى أن قضي عليهم قضاء أخيرا في الأندلس سنة 422 هـ ، وعلى أنقاضهم قامت مجموعة دويلات هزيلة في الأندلس عرف عهدها بعهد ملوك الطوائف ، الذي كان من أكثر عهود المسلمين في الأندلس تفككا وضعفا وانحدارا نحو هاوية السقوط ‏.‏

لقد قضى على الأمويين في الأندلس عاملان بارزان - أولهما ‏:‏ أن هؤلاء الأمويين لم يفهموا طبيعة التكوين الأندلسي ، أو فهموه ولم يقوموا بما تتطلبه طبيعته ، وأبرز سمات هذا التكوين ، وجود النصارى في ترقب دائم لأية ثغرة ينفذون منها ، وتباين الأجناس التي تعيش على أرضهم وتستظل برايتهم ، لا يجمعها إلا أقوى وشيجة في التاريخ وهي الإسلام ‏.‏ ولم يكن هناك من حل حضاري لمواجهة طبيعة هذا التكوين إلا تعميق ‏"‏ الإسلامية ‏"‏ وتجديدها بين الحين والحين ، بحركات جهاد مستمرة ضد المماليك النصرانية المتحفزة ‏.‏‏.‏ وحركات جهاد تمتص المشاكل الجنسية الداخلية ، وفي الوقت نفسه توقف النصارى عند حدودهم وتجعلهم في موقف الدفاع لا الهجوم ‏.‏

والعامل الثاني البارز كذلك ، هو ترك بعض هؤلاء الخلفاء الأمور لحُجَّابهم أو نسائهم ، مما مكن لرجل كالمنصور بن أبي عامر سرقة الخلافة دون جهد ‏.‏

ومن حقائق التاريخ التي نستفيدها من الوعي به وبقوانينه ، أن الدولة التي لا تفهم طبيعة تكوينها ، وتعمل على إيجاد حل دائم ملائم لهذه الوضعية ، تكون معرضة للزوال ‏.‏‏.‏ وهذا هو الأمر الذي آلت إليه أمور بني أمية في الأندلس بعد حياة دامت قريبا من ثلاثة قرون ‏.‏‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


2 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا 1-آخر خطواتنا في أوربا



2


أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

 1-آخر خطواتنا في أوربا

قصة ‏"‏ الغنيمة ‏"‏ في تاريخنا غريبة ، والدرس الذي تلقيه علينا - كذلك - أغرب‏!‏‏!‏

لقد بدأت أولى هزائمنا بسبب الغنيمة ، ولقد وقفنا مرغمين - عند آخر مدى وصلت إليه فتوحاتنا ، بسبب الغنيمة - كذلك ‏!‏‏!‏

فقصة الغنيمة ‏.‏‏.‏ هي قصة الهزيمة في تاريخنا ‏.‏

كان قائد المعركة الأولى هو الرسول عليه الصلاة والسلام ‏.‏‏.‏ وخالف الرماة أمره، وخافوا من أن تضيع فرصتهم في الغنيمة ‏.‏‏.‏ فكانت ‏"‏ أحد ‏"‏ وشهد الجبل العظيم استشهاد سبعين رجلا من خيرة المسلمين ‏.‏‏.‏ بسبب الغنيمة ‏.‏‏.‏ نعم بسبب الغنيمة ‏!‏‏!‏

وكان قائد المعركة الأخيرة ‏"‏ عبدالرحمن الغافقي ‏"‏ آخر مسلم قاد جيشا إسلاميا منظما لاجتياز جبال البرانس ، ولفتح فرنسا ، وللتوغل - بعد ذلك - في قلب أوروبا ‏.‏

وهزم الغافقي ‏.‏‏.‏ سقط شهيدا في ساحة ‏"‏ بلاط الشهداء ‏"‏ إحدى معارك التاريخ الخالدة الفاصلة ‏.‏‏.‏ وتداعت أحلام المسلمين في فتح أوربا ، وطووا صفحتهم في هذا الطريق ‏.‏‏.‏ وكان ذلك لنفس السبب الذي استفتحنا به دروس الهزيمة ‏.‏‏.‏ أعني بسبب الغنيمة ‏.‏

ومنذ تم الاستقرار في المغرب العربي، وإسبانيا الإسلامية ، وهم يطمحون إلى اجتياز جبال البرانس وفتح ما وراءها ، هكذا أراد ‏"‏ موسى بن نصير ‏"‏ لكن الخليفة الوليد بن عبد الملك ‏"‏ خشي أن يغامر بالمسلمين في طريق مجهولة ثم فكر على نحو جدي ‏"‏ السمح بن مالك الخولاني ‏"‏ والي الأندلس ما بين عامي ‏(‏ 100 - 102 هجرية ‏)‏ ، وتقدم فاستولى على ولاية ‏(‏ سبتماية ‏)‏ إحدى المناطق الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط جنوب فرنسا ، وعبر - بذلك - ‏"‏ السمح ‏"‏ جبال البرانس ، وتقدم فنزل في أرض فرنسا منعطفا نحو الغرب حيث مجرى نهر الجارون ، مستوليا في طريقه على ما يقابله من البلدان ، حتى وصل إلى - تولوز - في جنوب فرنسا - لكن لم يستطع أن يستقر فيها ، وقتل السمح ، وتراجعت فلول جيشه تحت قيادة أحد قواده ‏(‏ عبد الرحمن الغافقي ‏)‏ فكأن السمح لم ينجح إلا في الاستيلاء على سبتماية ‏.‏

ثم واصل الوالي الجديد بعد ‏(‏ عنبسة بن سحيم الكلبي ‏)‏ التقدم نحو أوربا ، وإن كان قد غير طريق السير ، وتمكن من الوصول إلى ‏"‏ أوتان ‏"‏ في أعالي نهر الرون ، لكنه لم يكن حذرا فلم يؤمِّن طريق عودته فانتهى الأمر بقتله وعاد جيشه إلى أربونة في سبتماوية ‏.‏

لكن عبد الرحمن الغافقي ، كان الشخصية الحاسمة التي أرادت التقدم نحو أوربا وحرصت عليه ، وكان عبد الرحمن مشبعا بروح الإيمان والرغبة في الثأر لما أصاب المسلمين من قبل حين قتل ‏"‏ السمح ‏"‏ وحين رجع هو بالجيوش الإسلامية إلى سبتماوية ‏(‏ وقد أعلن الغافقي الدعوة للجهاد في الأندلس كلها وفي أفريقية ، وقد جاءته وفود المتطوعين من كل مكان ، كما أنه من جانبه استعد استعدادا كبيرا لهذا الغزو ‏)‏ ‏.‏

ولقد التقى المسلمون ‏(‏ عربا وبرابرة ‏)‏ بالمسيحيين بين بلدتي ‏"‏ تورو ‏"‏ و ‏"‏ بواتيه ‏"‏ على مقربة من باريس ، وكان قائد النصارى ‏(‏ شارل مارتل ‏)‏ وزير دولة الفرنجة وأمين القصر ، بينما كان ‏(‏ عبد الرحمن الغافقي ‏)‏ - يقود جيوش المسلمين‏.‏ وكانت المعركة شديدة قاسية استمرت قريبا من سبعة أيام ، وكان الجيش الفرنجي وحلفاؤه أكثر من جيش العرب ، ولكن المسلمين أحسنوا البلاء في القتال ، وكاد النصر يتم لهم ‏.‏‏.‏ لولا أن ظهرت قضية ‏"‏ الغنائم ‏"‏ ‏!‏‏!‏

لقد عرف المسيحيون أن لدى الجيش الإسلامي غنائم كثيرة حصل عليها من معاركه أثناء تقدمه من قرطبة حتى ‏"‏ بواتيه ‏"‏ ‏.‏‏.‏

وقد أثقلت هذه الغنائم ظهور المسلمين ، وكان من عادة العرب أن يحملوا غنائمهم معهم ، فيضعوها وراء جيشهم مع حامية تحميها ‏.‏

وقد فهم النصارى هذا ، ونجحوا في ضرب المسلمين عن طريق التركيز على هذا الجانب ، لقد شغلوهم من الخلف ‏.‏ من جانب الحامية المكلفة بحراسة الغنائم ‏.‏‏.‏ ولم يفطن المسلمون للتخطيط النصراني ، فاستدارت بعض فرقهم لحماية الغنائم ‏.‏‏.‏ وبالتالي اختل نظام الجيش الإسلامي ‏.‏‏.‏ ففرقة تستدير لحماية الغنائم ، وأخرى تقاتل النصارى من الأمام ‏.‏‏.‏

وعبثا حاول عبدالرحمن الغافقي إنقاذ نظام الجيش الإسلامي ، إلا أن سهما أصابه وهو يبذل محاولاته المستميتة ‏.‏‏.‏ فوضع حدا لمحاولات الإنقاذ ، وأصبح جيش المسلمين دون قيادة ‏.‏‏.‏ وتقدم النصارى فأخذوا بخناق المسلمين من كل جانب وقتلوا من جيشهم الكثير ‏!‏‏!‏

لقد كانت ‏"‏ بلاط الشهداء ‏"‏ سنة 114 هجرية آخر خطوات المد الإسلامي في اتجاه أوربا ، أو على الأقل آخر خطواته المشهورة ‏.‏

ثم توقف المد ‏.‏‏.‏ لأن بريق المادة غلب على إشعاعات الإيمان ‏!‏‏!‏

والذين يسقطون في هاوية البحث عن الغنائم لا يمكن أن ينجحوا في رفع راية عقيدة أو حضارة ‏.‏




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا


1

أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

القسم الأول ‏:‏ من قصص سقوطنا في أوروبا

1- آخر خطواتنا في أوروبا
2- أحفاد صقر قريش يسقطون
3- وسقط ملوك الطوائف
4- قصة الفردوس المفقود
5- وقصة أخرى من الأندلس
6- ركن من الفردوس يسقط
7- سقوط غرناطة ‏"‏ آخر مصارعنا في الأندلس ‏"‏

وفيما يلى الشرح كل على حده

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق ذابلة من حضارتنا دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية د. عبد الحليم عويس إهداء ومقدمة



أوراق ذابلة من حضارتنا

دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية

د. عبد الحليم عويس

إهداء ومقدمة

لا أزال أؤمن بأن ثمة دورا كبيرا ينتظر الأمة المسلمة ، ولا أزال أؤمن بأن حركة التاريخ التي هي من سنن الله سوف توقف هذه الأمة أمام قدرها المحتوم ‏.‏‏.‏ لتؤدي واجبها نحو البشرية التائهة ‏.‏‏.‏

فإلى الذين يساعدون التاريخ ، كي تقف هذه الأمة في مكانها الصحيح ‏.‏‏.‏ وكي تؤدي دورها الصحيح ‏.‏‏.‏‏.‏

إليهم ‏.‏‏.‏ وحدهم ‏.‏‏.‏ أهدي هذا الكتاب


بين يدي هذه الصفحات

المكتبة الإسلامية والتاريخية حافلة بالدراسات والقصص حول الصفحات الوضيئة من تاريخنا ‏.‏ ولكم كتب الكاتبون حول صناع الحضارة الإسلامية ، ولكم أطنبوا في الحديث عن أبطالنا ، وعن فضلنا على أوربا ‏.‏‏.‏ وغير أوربا ‏.‏

ولقد ظهر تاريخنا من خلال التركيز ، وكأنه تاريخ أسطوري ، وكأن الذين عاشوه وأسهموا في صنعه ملائكة ليسوا بشرا ‏.‏‏.‏ ‏!‏‏!‏

ولقد كان هذا  المنهج في التناول خطيرا من عدة وجوه ‏:‏

 أولا ‏:‏ لأنه ترك مهمة التحليل العلمي لتاريخنا كتاريخ بشر لهم مزايا وغرائز - لأعداء هذا التاريخ ، فراحوا يركزون على الجوانب السلبية في هذا التاريخ ، وصادف هذا هوى من بعض العقليات التي كانت تسأم التركيز على الماضي بهذه الصورة غير الموضوعية ، وبالتالي ‏.‏‏.‏ انساقت هذه العقليات وراء جماعة المستشرقين الذين يدرسون تاريخنا ‏.‏‏.‏‏.‏ من نقطة الانطلاق المحددة ، وهي تشويه هذا التاريخ وأصحاب هذا التاريخ ‏!‏‏!‏

 ثانيا ‏:‏ وفي غمرة الانبهار العقلي بالمناهج الاستشراقية ‏.‏‏.‏ ضاعت بحكم رد الفعل حقائق موضوعية تتصل بهذا التاريخ ، وانقسم الناس حول هذا التاريخ قسمين ‏:‏  قسم يرفضه بالجملة ، ويراه عقبة في طريق التقدم والمستقبل ،  وقسم آخر يراه كل شيء ، ويراه من جانبه العالمي الإيجابي هو النموذج الحرفي الذي يجب إعادته وتكرار نمطه ‏.‏

وبين طرفي النقيض ‏.‏‏.‏ يمكن أن توجد الحقيقة ، ويمكن أيضا أن تسقط الحقيقة ‏.‏‏!‏‏!‏

ثالثا ‏:‏ لقد صرفنا منهج التركيز على المدح عن الاستفادة الحقيقية من تاريخنا ، ولعل بعض الناس قد وقر في أذهانهم بفعل هذا التركيز ، أن ما نعانيه في هذا القرن من مشكلات حضارية ، ومن تحديات مصيرية ، هو نموذج لم يتكرر في تاريخنا ‏.‏‏.‏ وهم يشعرون - لذلك - بيأس شديد ، ولعلهم يحسون ، وإن كانوا لا يفصحون بأننا لن نعود إلى استئناف مسيرتنا - نحن المسلمين - وبأننا لم يعد لدينا ما يمكن أن نعطيه للحياة في عصر القوة النووية والمركبات الفضائية ، نحن الذين نستورد الساعات والسيارات والآلات البسيطة ‏!‏‏!‏ ‏.‏

إن هذا الكتاب ‏.‏‏.‏ يتناول ‏"‏ أوراقا ذابلة من حضارتنا ‏"‏ من خلال تركيزه على سقوط دول إسلامية بعضها كان درسا أبديا حين كانت الأمراض خبيثة وفتاكة ، وحينما ذهبنا نطلب الدواء من عدونا ‏.‏‏.‏ فكانت فرصته لإعطائنا السموم القاتلة ‏.‏‏.‏ ولعل هذا الدرس لم يتضح بجلاء إلا في الأندلس وجزر البحر الأبيض المتوسط كصقلية ‏.‏‏.‏

ولعل من الملاحظات التاريخية أن القرن الذي شاهد سقوط غرناطة - آخر مصارعنا في الأندلس ‏(‏ 1492م ‏)‏ كان نفسه الذي شاهد سنة 1453م - الفتح الإسلامي الخالد للقسطنطينية ، ذلك الفتح الذي كان من آثاره عند الإنصاف التاريخي حماية المسلمين لفترة تزيد على خمسة قرون ‏.‏‏.‏

لقد سقطت الأندلس ‏.‏‏.‏ كعضو اجتمعت فيه كل عناصر السقوط ، وكان لا بد من بتره ‏.‏‏.‏ فحقت عليه كلمة الله ‏!‏‏!‏

ولقد ظهرت قوة أخرى فتية زاحفة من أواسط آسيا كي تبني للإسلام تاريخا جديدا ‏.‏‏.‏ ولقد أرعبت هذه القوةُ الأحقادَ الأوربية الصليبية ثلاثة قرون على الأقل ‏.‏

إن  درس الأندلس لا يجوز أن يغيب عن بالنا ، ولقد كانت عناصر السقوط فيه تتشكل من عدة نقاط بارزة ‏:‏

 أولا ‏:‏ الصراع العنصري الجنسي

 ثانيا ‏:‏ ارتفاع رايات متعددة بعيدة عن راية الإسلام الواحدة المتصلة بالنفوس والعقول ‏.‏

 ثالثا ‏:‏ استعانة مسلمي الأندلس بالأعداء ضد بعضهم البعض ‏.‏‏.‏‏.‏

وكل العوامل الأخرى ‏.‏‏.‏ تدور حول هذه النقاط بطريقة أو بأخرى ‏!‏ ‏!‏ ولقد دفع مسلمو الأندلس جميعا ثمن أخطائهم ‏:‏ دفع الحكام الثمن حين أذلهم الله وسلبهم ممالكهم ، وهل ننسى أشعار ابن عباد البائسة ، حين أذله الله على يد المرابطين في ‏"‏ أغمات ‏"‏ بالمغرب الأقصى ‏؟‏‏؟‏ وهل ننسى قولة ابن صمادح حاكم ‏"‏ ألمرية ‏"‏ وهو يموت ‏:‏ ‏"‏ نغص علينا كل شيء حتى الموت ‏"‏ ‏؟‏ وهل ننسى دموع ‏.‏‏.‏ أبي عبد الله - آخر ملوك غرناطة ‏.‏‏.‏ حين رحلت به سفينة العار مودعة آخر وجود إسلامي في أوربا ‏.‏‏.‏ رحلت به على أنغام الأمواج الهائجة ‏.‏‏.‏ وكلمات أمه المسكينة تدوي في سمعه ‏:‏ ‏"‏ ابك مثل النساء ملكا لم تحفظه حفظ الرجال ‏"‏ ‏!‏‏!‏

ولقد دفع الشعب الإسلامي الثمن حين استسلم لأمثال هؤلاء الملوك ‏.‏ ولم يأخذ على أيديهم ، فأحرقت دوره ، وسلبت أمواله ، وأرغم على تبديل دينه ، بل وتغيير اسمه ، وحرمته الصليبية الآثمة أبسط حقوق الإنسان ‏!‏‏!‏

على أن ‏"‏ الأوراق الذابلة من حضارتنا ‏"‏ كانت مجرد تغيير في هيئة الحكم بحثا عن طموح شخصي ، أو انطلاقا من دعوى عنصرية ، أو دفاعا عن نعرة مذهبية، أو فشلا من دولة كبيرة جامعة كالعباسيين والأمويين في السيطرة على كل ما تحت يدها ‏.‏‏.‏ مما يمنح الفرصة للمطامع أن تظهر ، وللنعرات أن تحكم ‏.‏

ونحن لا نستطيع القول ‏:‏ بأن هذه الأوراق كانت كلها خيرا أو شرا ، ولعل بعضها كان لفتة قوية للدول الكبرى كي تسير في الطريق الإسلامي الصحيح ‏.‏‏.‏ كما أننا كذلك لا نميل إلى القول ‏:‏ بأن هذه الصفحات التي أدت إلى تغيير دولة بدولة أو حكم بحكم كانت تسير بالأمة في طريق الهاوية ‏.‏‏.‏ فلا شك أن ثمة مزايا أخرى يمكن أن تكون قد تناثرت على الطريق ‏.‏

إنني لا أميل إلى ما يعتقده البعض من أن التاريخ يسير في طريق عمودي ‏.‏‏.‏ سواء إلى أعلى أو على أسفل ‏.‏‏.‏ عن تجربة تاريخنا الإسلامي تكشف لنا أن حركة التاريخ في دائرة الحضارات الكبرى الجامعة - كالحضارة الإسلامية - حركة لولبية - إن صح هذا التعبير - فثمة انحناءة إلى أسفل في جانب تقابلها انحناءات إلى أعلى في جوانب أخرى ، فهي حركة دورية تنتظمها مراحل الهبوط والصعود ‏.‏‏.‏ الهبوط بفعل التناحر والفساد الداخليين ، والصعود بفعل الاستجابة لتحديات خارجية قوية ‏.‏ ومن اللافت للنظر أن مراحل الهبوط - في التجربة التاريخية لهذه الأمة - قد ارتبطت بأوضاع داخلية ، فهذه الأمة لم تضرب من خارجها بقدر ما ضربت من داخلها ، بل إن الأعداء الخارجين لم ينفذوا إليها إلا من خلال السوس الذي ينخر فيها من الداخل ‏.‏‏.‏ ولقد أفادنا الأعداء بتدخلهم كثيرا ، وغالبا ما كان لتدخلهم فضل إيقاظ الضمير الإسلامي ، أو إعلان الجهاد العام ، أو إظهار ‏"‏ صلاح دين ‏"‏ أو ‏"‏ سيف دين ‏"‏ مما من شأنه أن يجمع المسلمين تحت راية واحدة ‏.‏

لقد كانت الأمة المسلمة قادرة بما فيها من عناصر القوة الكامنة على الاستجابة للتحديات الخارجية ، كأروع ما تكون الاستجابة للتحديات ، ولو لم ترهق هذه الأمة - في أغلب مراحل تاريخها - بحكام يشلون حركتها ، ويخنعون أمام أعدائها ، ويبددون من طاقتها حفاظا على أنفسهم ‏.‏‏.‏ لو لم تكن هذه الظاهرة مستشرية على هذا النحو ، ولو أن هذه الأمة قد تركت لفطرتها وتراثها وقيمها وحضارتها التي غرسها ورعاها الإسلام ‏.‏‏.‏ لو تم هذا لكان في الإمكان أن تحدث منعطفات كثيرة في تاريخ هذه الأمة ‏.‏ هي لصالحها ‏.‏‏.‏ ولحساب رقيها وازدهارها‏.‏

لقد حاولت من خلال هذه الأوراق الذابلة أن أمد الطرف - في تاريخنا الإسلامي - إلى آفاق ثلاثة ‏:‏ الأندلس ‏(‏أوروبا‏)‏ ، والمشرق العربي بخلافتيه الكبيرتين ‏(‏ العباسية والفاطمية ‏)‏ والدول التي تبعتهما ، ثم المغرب العربي ‏.‏‏.‏ وهي الأجنحة الثلاثة الشهيرة التي تزعمت العالم الإسلامي ، ومثلث القيادة الفكرية والسياسية بالنسبة لمسلمي العالم ‏.‏

ولم تكن الأوراق التي اخترتها إلا مجرد نماذج من هذه الأجنحة ‏.‏ ولربما كانت هناك دول أخرى كفيلة بمدنا بشارات من شارات طريق السقوط ‏.‏‏.‏ لكن الاستقصاء ، فضلا عن صعوبته ، لم يكن من أهداف هذه الصفحات ‏.‏

إن هذا البحث ‏.‏‏.‏ وجبة خفيفة من وجبات تاريخنا ‏.‏ لكنها وجبة من نوع خاص ‏.‏‏.‏ ليست زاخرة بأنواع الدسم والمشهيات ، فإن جسم الحضارة كأجسام الأفراد - لا يستقيم بالدسم الدائم ‏!‏‏!‏

وهذا البحث دعوة لتشريح تاريخنا من جديد ‏.‏‏.‏ وبجرأة ، فلأن نشرحه نحن - بإنصاف - أولى من أن نتركه لأدعياء المنهج العلمي يشرحونه - بحقد وعنف وإجحاف ‏.‏‏.‏ ‏!‏‏!‏

وهو كذلك بحث للذين يقرءون تاريخنا ‏.‏‏.‏ ليتعلموا ، أو ليناقشوا ، أو ليعرفوا معالم المستقبل ‏.‏

 وتبقى في النهاية كلمة ‏:‏

لسوف تبقى هذه الأمة ، ولسوف تؤدي دورها ، لسوف تقوم من عثرتها ‏.‏‏.‏ هكذا يقول لنا معلمنا العظيم ‏.‏‏.‏ ‏"‏ تاريخنا ‏"‏ ذو الأربعمائة وألف سنة - أطال الله عمره‏!‏‏!‏

ولقد كبونا كثيرا ‏.‏‏.‏ ثم قمنا

ولقد حاربنا العالم كله ذات يوم ‏.‏‏.‏ ونجونا ‏.‏‏.‏ وانتصرنا ‏.‏‏.‏ فقط ثمة شرط واحد ‏:‏ أن نعرف من أين نبدأ ، وإلى أية غاية نريد ‏!‏‏!‏ ودائما يعلمنا تاريخنا أن آخر أمتنا لن يصلح إلا بما صلح به أولها ‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







الأربعاء، 16 يوليو 2014

فهرس أحجار على رقعة الشطرنج ( وليم جاي كار )


فهرس

أحجار على رقعة الشطرنج

( وليم جاي كار )


0- حول الكتاب:

1- مراحل المؤامرة:

2- حركة الثورة العالمية:

3- اليهود:

4- النورانيون:

5- الثورة الإنجليزية:

6- الثورة الفرنسية:

7- الثورة الأمريكية والمناورات المالية:

8- الثورة الروسية:

9- الحرب العالمية الأولى والصهيونية:

10-معاهدة فرساي:

11-ستالين:

12-الثورة الأسبانية:

13-الحرب العالمية الثانية:

14-خاتمة:


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



15 والاخيرة أحجار على رقعة الشطرنج ( وليم جاي كار ) خاتمة




15 والاخيرة


أحجار على رقعة الشطرنج

( وليم جاي كار )

خاتمة


"أنا أعرف تمردكم وقلوبكم الصلبة.. إنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم، ويصيبكم الشر في آخر الأيام".. النبي موسى علية السلام.

***

في ختام هذا الكتاب لابد لنا من تعليق (مترجم الكتاب)..

إن القارئ الذي فرغ من قراءة الكتاب، يعود إلي مراجعة نفسه الآن مشدوها، ويتساءل: هل لليهود كل هذا النفوذ في العالم؟.. أصحيح أن النازية والشيوعية تعملان بوحي موجه واحد؟

هل يعقل أن جميع زعماء العالم العظام، كانوا أدوات، أو "أحجار شطرنج" ـ علي رأي المؤلف ـ بيد القوي الخفية؟

بل قد يصل التساؤل إلي حد الشك بوجود منظمة النورانيين، أو مجمع حكماء صهيون أصلا.

ولو تركت مشكلة تقدير قوة نفوذ اليهود لهم، فقد يزعمون لأنفسهم توجيه الأوامر للملائكة، وتسخير الشياطين، والتحالف مع الإله.. فقد جاء في أحد نسخ التلمود علي لسان مناحم ".. وقد اعترف الله بخطئه عندما صرح بتخريب الهيكل، فصار يبكي ويمضي ثلاثة أجزاء الليل يزأر كالأسد، ويقول: تبا لي لقد حرضت علي خراب بيتي وإحراق الهيكل ونهب أولادي".

فما لاشك فيه أن اليهود طراز خاص من البشر، ذوو صفات معينة، وإمكانيات خاصة.. وكان لهم دور مُخزٍ في جميع الأحداث التاريخية المهمة، فهم مشوشو العالم ومسببو آلامه وويلاته.. ولكن نتائج أعمالهم تصيبهم هم دائما أكثر من غيرهم.

وجورج واشنطن زعيم الولايات المتحدة يقول فيهم:

"ومن المؤسف أن الدولة لم تطهر أراضيها من هؤلاء الحشرات، رغم علمها ومعرفتها بحقيقتهم.. إن اليهود أعداء سعادة أميركا ومفسدو هنائها".

أما الماسونية التي تدعي الصهيونية السيطرة عليها، هل حقيقة أن جميع أعضائها أدوات بأيدي اليهود؟.. إنّ في بلادنا ماسونيين كثيرون لا يعرفون من الماسونية غير الاسم ((هذا قبل أن يتم حظر الماسونية في مصر والدول العربية.. بالمناسبة: كان حمال الدين الأفغاني ـ أستاذ محمد عبده ـ منتسبا للمحافل الماسونية!!!.. بالمناسبة أيضا: إذا كانت المحافلل الماسونية قد ألغيت، فقد حل محلها في بلادنا نوادي الروتاري والليونز، التي استقطبت كبار الشخصيات وعلى أعلى المستويات!!!)).. هناك تجار انتسبوا في سبيل المال، وهناك مخدوعون انتسبوا حبا في السلام.. إن جميع هؤلاء عندما يكتشفون الحقائق سيكونون أشد عداء للصهيونية من غيرهم، لأنهم خدعوا أكثر من غيرهم.

وهاهي الشيوعية العالمية تحاول أن تتخلص من النفوذ اليهودي منذ أيام خروشوف.. وليست المشاكل الأخيرة التي أثيرت ضد السوفيت في دول أوروبا الشرقية إلا من صنع اليهود.. وفي بلادنا شيوعيون كثيرون يقتضي الأنصاف أن نبرئهم من الارتباط بالخارج، إنهم لا يفهمون من الشيوعية إلا أنها ستنقلهم من حياتهم إلي جنات النعيم.

إننا ونحن ننشر هذا الكتاب تنويرا للقارئ العربي نريده أن يعلم تمام العلم أن اليهود شعب مخطط، لا يتورع عن سلوك أنذل السبل لتنفيذ مخططاته وتنفيذ مآربه.. ولكننا نريده أن يعلم أيضا أن الصهيونية ليست قدرا لا بد منه، كما يدعي "شعب الله المختار".. ولكن التنظيم لا يقابل بالفوضى، والعلم لا يقابل بالجهل، والإيمان لا يقابل بالتواكل، والتعاون لا يقابل بالفرقة.

إن احتلال اليهود للقدس نذير بتدمير جديد، وقضاء نهائي علي مهزلة "شعب الله المختار"، وذلك يجب أن يشكل حافزا للعمل الجدّي لإعادة الأمور الشاذة في فلسطين إلي وضعها الطبيعي، لأن النصر لا ينزل من السماء، ولا يخرج من باطن الأرض، إنما أيدي العاملين المخلصين، تلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنه الله تبديلا.


تم بحمد الله تنزيل الكتاب بتوفيق من الله اللهم انفعنا بما علمتنا


يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






14 أحجار على رقعة الشطرنج ( وليم جاي كار ) الحرب العالمية الثانية الأحداث التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية:


14

أحجار على رقعة الشطرنج

( وليم جاي كار )

الحرب العالمية الثانية

الأحداث التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية:

بينما فيما سبق، كيف مهد المرابون الدوليون لاعادة تسليح ألمانيا سريا بمساعدة ستالين، وذلك رغم القيود التي فرضت عليها في معاهدة فرساي.. ولكي ندرك الأسباب التي ساعدت علي ظهور هتلر، يجب أن نلم بالمؤامرات السياسية التي حيكت في الفترة التي ما بين 1924 ـ 1934م.

إذا استثنينا الشيوعيين الألمان، نجد أن أكثرية الشعب الألماني كانت تنفق علي الأمور التالية: أن ألمانيا لم تكن لتنهزم في الحرب العالمية الأولي، لولا الخيانة التي جعلتها ضحية الحرب.. وأن الممولين الدوليين هم الذين استعملوا ما يسمي بالديمقراطية في كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لفرض الهزيمة علي القوات المسلحة الألمانية.. وأن الحزب الشيوعي بقيادة اليهود وبمساعدة الممولين الدوليين، هو السبب في خلق حالة الفوضى التي سبقت توقيع الهدنة، وفي قيام الثورة بعدها.

واتفق الجميع أن علي كل وطنيّ ألماني، ذكرا كان أم أنثي، أن يعمل أقصي جهده لبناء ألمانيا بعد الحرب، ولتحطيم الأغلال الاقتصادية والعسكرية التي فرضتها معاهدة فرساي علي أمتهم.

وإذا استثنيا الشيوعيين مرة أخرى، نجد أن أكثرية الزعماء السياسيين الألمان كانوا يتفقون علي وجوب تحرير أنفسهم من الاتفاقيات الاقتصادية، المفروضة علي أمتهم من قبل الممولين والمرابين الدوليين.. لقد أدرك الزعماء الألمان خطر هذه الاتفاقيات علي استقلال البلاد، لأن الفوائد المفروضة علي القروض المالية بموجب هذه الاتفاقيات ستؤدي حتما غلي وقوع البلاد في برائن دائنيها، تماما كما وقعت بريطانيا عام 1694، وفرنسا عام 1790، والولايات المتحدة عام 1791 فرائس في أيدي المرابين العالميين.. وعلم الجميع أن مثل هذه القروض ستكون دينا واستبعادا لكل أفراد الشعب، لأن تسديدها لن يكون إلا بفرض مزيد من الضرائب، يدفعها المواطنون جميعا.

عندئذ، صمم قادة الحزب الفاشي علي خلق عملة ألمانية لا تستند إلي القروض، بل تعتمد علي الدخل القومي والممتلكات الوطنية، وعلي موارد الصناعة والزراعة والثروات الطبيعية، وعلي الطاقة الإنتاجية للأمة.. ووجد الشعب الألماني بصورة عامة، أنه يشارك شعوب إيطاليا وأسبانيا واليابان آمالهم وأمانيهم في المستقبل السياسي والاقتصادي لهذه البلدان، فظهر حلف المحور إلي الوجود، وبدأت الحركة الفاشية التي تزعمها هتلر وموسوليني وفرانكو.

وينقل لنا التاريخ الجهود الضخمة التي بذلها هؤلاء الثلاثة لإعادة بناء بلادهم، والنهوض بها من الأزمات والثورات والحروب التي وقعت فيها.. فلقد طوروا الصناعة والزراعة بشكل يشبه المعجزات.. أما نجاح عملية إعادة البناء العسكري، فيعود إلي المساعدة التي قدمها عملاء النورانيين الذين كانوا يخططون لإيقاع البلاد الفاشية والبلاد الرأسمالية في حرب عالمية أخري.

أيّد كل من هتلر وموسوليني السياسة الفاشية المعتدلة بادئ الأمر، وقررا إصلاح الفساد وتطهير البلاد من الشيوعية، وتخليصها من تحكم النورانيين علي صناعتها واقتصادها بشكل عام.. ولكن ما إن تقدم الوقت، حتى وقعا معا تحت تأثير لوردات الحرب النازيين، الذين ادعوا أن سلاما دائما لا يمكن أن يستتب في العالم، إلا عن طريق الاحتلال العسكري.

وهكذا بيعت القيادة العسكرية العليا في إيطاليا واليابان لمؤيدي مخطط ونظريات كارل ريتر التي نشرها عام 1849.. أما فرانكو فلم يقبل أن يبقي ضمن المخطط، لأن معتقداته الدينية وإيمانه جعلاه يؤمن بأن كل أيديولوجية تنكر وجود الله هي في صف الشيطان وتعمل معه.

وبالإضافة إلي احتلال فرنسا وبريطانيا، خطط النازيون لإبادة اليهود في هذين البلدين كما أبادوهم في البلدان الأوروبية.. وشمل المخطط تصفية الممولين الدوليين وكبار الرأسماليين والاستيلاء علي أموالهم وممتلكاتهم.

وفي الوقت الذي كان هتلر ما يزال يعاني عذاب السجن قبل عام 1934، لأنه كان يعتبر العدو اللدود للوردات الحرب النازيين والممولين الدوليين، كتب كتابة "كفاحي Mein Kampf"، حيث يقول في الصفحة الأخيرة: "وبهذا يقف الحزب الاشتراكي الوطني موقفا إيجابيا من المسيحية، ولكنه لا يترك أمور العقيدة لجماعة من المحترفين.. ومن جهة أخري يحارب الروح المادية اليهودية المتغلغلة في نفوسنا وفي نفوس الآخرين".

وكان هتلر قد أعلن سياسته بالنسبة لبريطانيا قبل ذلك في عام 1933، مشيرا إلي أن ماركس وستالين ولينين قد أكدوا مرارا أنه قبل أن تتوصل الشيوعية العالمية إلي هدفها الأخير، يجب عليها أن تدمر بريطانيا وإمبراطوريتها.. وقال هتلر في معرض حديثة في ذلك الوقت: "إنى علي استعداد للدفاع عن الإمبراطورية البريطانية بالقوة إذا دعت الحاجة".

أما عن معاهدة فرساي، فقد كتب هتلر يقول: "إنها لم تكن لمصلحة بريطانيا، ولكنها كانت أولا وأخيرا في صالح اليهود لتدمير ألمانيا".. وكتب أيضا: "وحتى في بريطانيا نفسها، هناك صراع دائم بين ممثلي المصلح البريطانية ومصالح الديكتاتورية اليهودية العالمية.. وفيما تعمل بريطانيا جاهدة لأخذ مكانتها في العالم، نجد أن اليهود في داخلتها يشكلون لها المتاعب والمشاكل، لذلك سيبدأ الكفاح ضد الخطر اليهودي العالمي في بريطانيا، في نفس الوقت الذي يبدأ في غيرها من البلدان".

ولم يغير هتلر رأيه الشخصي بشأن التحالف مع بريطانيا أبدا.. لقد كان يعلم أن بقاء ألمانيا كقوة كبري يعتمد علي التحالف مع الإمبراطورية البريطانية.. لذلك بدأ الإعداد لحملة التحالف عام 1936، فرتّب محادثات غير رسمية بين الدبلوماسيين البريطانيين والألمان.. ولما فشلت المحادثات في تكوين التحالف الذي كان يسعى جهده لتحقيقه، قال: "تهون كل التضحيات في سبيل التحالف مع بريطانيا.. هذا التحالف يجلب التأييد لمستعمراتنا، ويجعل إلي جانبنا قوة بحرية عظيمة، كما يوفر علينا الدخول في منافسة مع الصناعة البريطانية".

وقد أدي هذا الفشل في التحالف مع بريطانيا، إلي أضعاف معارضة "الإيديولوجية التوتاليتارية" التي كان ينادي بها المتطرفون من لوردات الحرب النازيين.. واقتنع هتلر، بعد فشل المحادثات، أنّه لا يمكن للسياسة المعتدلة أن توقف سيطرة المرابين الدوليين علي سياسة بريطانيا الخارجية.. وهكذا اضطر هتلر للاعتراف بصدق كارل ريتر عندما قال: "لكي يعود السلام وتعود الحرية الاقتصادية إلي العالم، يجب أولا القضاء علي الممولين اليهود، وعلي جميع أعضاء الحركة الثورية العالمية، الذين يوجهون الشيوعية ويسيطرون عليها".

***

في المحادثات التي جرت بين بريطانيا وألمانيا في كانون الثاني من عام 1936، مثل الأولى اللورد لندندري، ومثل الثانية غورنغ وهتلر نفسه.. في هذه المحادثات، شرح الهر غورنغ تفاصيل وتاريخ الحركة الثورية العالمية كما فصلها البروفيسور كارل ريتر وغيره.. ثم حاولا إقناعه بضرورة استعمال الحرب الشاملة في وجه مثل هذه العقلية الديكتاتورية.. وفصلا له الخطة الألمانية التي تقضي باحتلال جميع الدول الشيوعية وتحرير شعوبها وإعدام جميع الخونة فيها.. وأوضحا له أن الطريق الوحيد لمحو الشيوعية هو بإفناء الشعب اليهودي برمته.. وقدّما له الوثائق التي تبرهن عن ارتباط الشيوعية بكبار أغنياء اليهود، الذين يوجهون حركتها ويمولونها، كما يوجهون ويمولون في نفس الوقت الصهيونية السياسية، للوصول إلي هدفهم السري المنشود وهو التحضير للعهد الذي سيرجع مسيحهم المنقذ إلي الأرض.

ويقال أن هتلر وعد بالوقوف في وجه الخطط المتطرفة للوردات الحرب النازين، كما وعد بتحديد نشاطه ضد الشيوعية داخل القارة الأوروبية فقط، شرط أن تدخل بريطانيا في حلف مع ألمانيا.. ولكن اللورد لندندري أبدي شكّه في أن تشارك الحكومة البريطانية في خطة تقضي بإفناء الشيوعية، وأنها ستعتبرها عملية إفناء بشرية.. عندئذ عرض هتلر حلا وسطا.. قال إن المانيا ستقوم وحدها بهذه المهمة، شرط أن تدخل بريطانيا معها في اتفاقية بألا تقوم حرب بين البلدين لمدة عشر سنوات مهما كانت الظروف.. وأوضح هتلر أن الطريق الوحيد لاستقلال بريطانيا وفرنسا وروسيا هو بالاستقلال الاقتصادي، وأن علي هذه البلدان أن تنفض عن كاهلها تلك الديون الباهظة، وتتسلم زمام اقتصادها بذاتها، حتى يعود الاقتصاد العالمي إلي حالته الطبيعية.. ثم بين أن الهدف الذي يسعى إليه حزبه الاشتراكي الوطني، هو أن يضع حلا جذريا مباشرا لنفوذ المرابين وسيطرتهم علي الشؤون الوطنية الداخلية والعالمية.. ويقال إنه استشهد بقول بنجامين ديزرائيلي، علي لسان أحد شخصياته في كتابه المشهور "Coningsby": "وهكذا تري يا عزيزي كوننغسي، أن الذين يحكمون العالم هم أشخاص مختلفون جدا عمن يتخيلهم أولئك الذين يجهلون ما يدور وراء الستار".

وهنا دعم غورنغ رأي هتلر، مشيرا إلي أن التاريخ يبين كيف استطاع اليهود الأغنياء وذوو النفوذ أن يتحكموا باقتصاد وسياسة الدول التي تمكنوا من التسرب إليها.. وقد حققوا ذلك بوسائل غير مشروعة وطرق فاسدة ومفسدة.. عندئذ استشهد الهر فون ربنتروب بما حدث في كندا، عندما كان اللورد لندندري نفسه فيها.. لقد بين له أن لجنة ستيفن الملكية التي حققت في قضية الجمارك الكندية، وجدت أن البلاد تعاني من سرقة مبلغ مئة مليون دولار سنويا.. هذه السرقة تنظيمها حركة عالمية تتغلغل في البلاد وتنشر الفساد والرذيلة، "فتكبل" العديد من المسؤولين ورجال الحكومة، بإيقاعهم في الرشوة والرذيلة.. وأضاف ربنتروب أن حالة الولايات المتحدة هي أسوأ عشرات المرات من كندا، وأنه للقضاء علي هذا الخطر، يجب التخلص من الثلاثمئة رجل الذين يشكلون العقول المدبرة التي توجه العناصر السلبية والمجرمة لتحقيق وتنفيذ خطتهم بعيدة المدى، وهي السيطرة علي العالم من خلال الحركة الثورية العالمية.

ويقال إن غورنغ ناقش بعد ذلك قضية تمويل المرابين العالميين للثورة الروسية عام 1917، مبينا النتيجة التي تمكّن هؤلاء من تحقيقها، وهي نشر العداوة والبغض الذي لم تره البشرية حتى ذلك الوقت.

ثم ذكّر هتلر مندوب بريطانيا اللورد لندندري، بالملايين من المسيحيين الذين ذبحوا بدون رحمة في البلدان الشيوعية منذ ثورة أكتوبر 1917، وأضاف أن المسئولين عن هذه المذابح لا يمكن اعتبارهم غير لصوص ومخربين عالميين.

وكانت آخر قضية ناقشها المجتمعون، قضية محاولة ستالين تحويل أسبانيا إلي ديكتاتورية شيوعية.. وهكذا تمت تعرية جميع بنود المؤامرة العالمية، من الطريقة السرية التي تمكنت بها ألمانيا من إعادة تسليح نفسها، إلي سيطرة محفل الشرق للماسونيين الأحرار علي فرنسا، إلي الطريقة التي دفعت بها بريطانيا إلي ترك التسليح، في نفس الوقت الذي كان أعداؤها الألداء يتسلحون علي أكمل وجه.. وتبين أن الألمان يرون استحالة استتباب الأمن، ما لم يتم القضاء علي الشيوعية والصهيونية، لأنهم كانوا يؤمنون بأن هاتين الحركتين كانتا تعدان لقيام حرب ثانية.

وفي النهاية اختتم هتلر المحادثات بطريقته الخطابية، متمنيا على اللورد لندندري أن يحاول إقناع حكومته بالدخول في الحلف المقترح مع ألمانيا.. وقال بالحرف الواحد: "لأنني مقتنع بأن الإمبراطورية البريطانية والكنيسة الكاثوليكية، كلاهما مؤسستان عالميتان، بقاؤهما ضروري لحفظ القانون والنظام العالمي في المستقبل.

***

إن هذا الأقوال عن هتلر قد تبدو غريبة عن الرأي العام، لذلك سنسوق الحقائق التاريخية التالية لدعمها:

عاد اللورد لندندري إلي لندن بعد المحادثات وقدم تقريرا إلي الحكومة البريطانية.. وفي 21 شباط 1936 أرسل رسالة إلي ربنتروب، قال في أحد مقاطعها: "لقد نسي هتلر وغورنغ، أننا قاسينا هنا في انكلترا من اجتياح الثورة لعدة قرون.. وبالنسبة لليهود، فإننا لا نحب الإفناء.. وبالاضافة إلي ذلك فإن شعورا ماديا بأنكم تحاولون السيطرة علي قوة عظيمة، بإمكانها الرد علي هذه المحاولة من أماكن تشمل الأرض بكاملها.. ويمكننا أن نتبع خطوات اليهود ومساهمتهم في إثارة الشغب في العالم، ولكننا في نفس الوقت سنجد أن بعضهم يقف موقف حازما في الطرف المقابل، مستعملا نفوذه وأمواله للوقوف في وجه النشاط الشرير والماكر الذي يقوم به إخوانهم".

ولما تأكد هتلر من فشل تحالف بريطانيا معه، أخذ يميل أكثر فأكثر نحو اليمين، لأنه اقتنع أنه يستحيل علي أي فرد، أو أي مجموعة من الأفراد، أو أي أمة بمفردها، أن تحطم نفوذ المرابين العالميين في الدول المسماة بالديمقراطية، وذلك لتحكمهم المالي بهذه الدول، ولإيقاعهم إياها تحت ديون طائلة.

وفي تموز 1936، اندلعت الحرب الأهلية في أسبانيا، وتبعها تقارب وتجاذب بين فرانكو وهتلر وموسوليني.. لقد أدي تصميم فرانكو علي الكفاح من أجل إخراج الشيوعيين من بلاده، لجعل هتلر يقوم بتحصين حدوده عسكريا، لأنه كان يرغب جدا بمعرفة ما إذا كان ستالين يقوم بأي محاولة لتوسيع حدوده علي حساب الدول الأوروبية الأخرى.. وكانت الصحافة المعادية لهتلر تصف كل خطوة يقوم بها "بالعدوان الفاشي".. أما هتلر فكان يبرر خطواته بأنها احترازية، وصرح بأن اهتمامه الأول ينصبّ علي منع ستالين من تأسيس منطقة نفوذ حول خط العرض أربعين في أوروبا.. ولو أنه سمح له بذلك لوقعت ألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية في الفخ، كما يقع الذباب في بيت العنكبوت.

***

بدأ النازيون بنشر الإيديولوجية الجرمانية الوثنية بين الشعب الألماني.. وتقضي هذه العقيدة بتفوق العرق الجرماني الذي يجب أن يخضع العالم بالقوة العسكرية وينشئ الدولة الجرمانية.. ومن مسلمات هذه العقيدة أن الطاعة لرئيس الدولة الجرمانية يجب أن تكون عمياء لا تناقش أبدا.

وهكذا بدأ الصراع بين المسيحيين المتدينين بشقيهم الكاثوليكي والبروتستانتي والدولة.. وهاجم رجال الدين النازية، معلنين أنها تعمل علي تحطيم الإنسانية.. فكان رد النازيين أن رجال الكنيسة يخالفون القانون ويتحدون السلطة.. عندئذ أعلن رجال الدين بأن النازية تعادي وتناقض الخطة الإلهية في خلق البشرية.. فاتهم النازيون الكنيسة بأنها تتدخل فيما لا يعينها من شؤون الدولة.

وأصدر هتلر قانونا صارما، حظر فيه علي رجال الدين انتقاد الأوضاع السائدة أو التعرض لقانون الدولة.. وهددهم بتنفيذ العقوبات بهم إذا أثبتت المحاكم مخالفتهم للقانون.

وننقل بعض ما جاء في المنشور الذي أمر البابا بيوس الحادي عشر بتوزيعه علي العالم المسيحي في الرابع عشر من آذار 1937، وعنوانه "حول ظروف الكنيسة في ألمانيا".. في هذا المنشور أخبر البابا جميع الكاثوليك أن ما سيأتي في كلامه عن النازيين هو عين الصدق.. وحول فكرة التفوق الجرماني، كتب يقول: "قد يكون هناك تفاوت وتباين بين الشعوب أو الحكومات أو ممثلي السلطات الأهلية وغيرها، وقد يتمتع البعض بمركز مرموق بسبب الاختلاف الفطري والذكاء البشري الطبيعي.. ولكن رفع هذه الفئات أو الشعوب أو المجموعات إلي مركز التفوق المثالي، فهذا تغيير للفطرة وتعدٍّ عليها، لأن الكمال لله، فهو الخالق والمدير وليس لفرد أو جماعة أن يطالبوا بحق العبودية لأنفسهم.. ولا يقع في خطأ الايمان "بالوطن الإله" أو "بالوطن الدين"، إلا غبي يحاول تضييق قدرة الله بهذه الحدود الضيقة، وهو سبحانه الملك المشرع، الذي لا تقاس قدرة الأمم والشعوب إلي قدرته، إلا كما تقاس نقطة الماء إلى البحر".

هذا بالنسبة للكاثوليك.. أما البروتستانت، فقد واجهوا النازية بشجاعة، ونشروا رسالة في التاسع عشر من آب 1938، أكدوا فيها أن موقف النازيين من الدين المسيحي في ألمانيا هو "متناقض بصورة مكشوفة مع تأكيدات الفوهور".. وجاء فيها أيضا "إن ما يهدف إليه النازيون ليس كبت الكنيسة الكاثوليكية فقط أو الكنائس البروتستانتية، بل هو القضاء علي الفكرة المسيحية الحقيقية القائمة علي الاعتقاد بإله واحد واستبدالها بفكرة إله جرماني.. وماذا تعني هذه المحاولة لاستبدال الإله المسيحي بإله جرماني؟.. وما الذي تعنيه فكرة الإله الجرماني هذه؟.. أهو يختلف عن إله بقية الشعوب؟.. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن لكل أمة إلهها الخاص بها.. والمعني الحقيقي لهذه الفكرة هو أنه ليس هناك إله علي الإطلاق".

***

توحدت القوي النازية السوداء أو القوي الشيوعية الحمراء في حربها ضد المسيحية، وضد الامبراطورية الرومانية.. وهذا الوضع المعقد هو الذي حدا برجال الكنيسة أن يقفوا ذلك الموقف القومي ضد النازية السوداء، في حين أنهم تركوا الخطر الأقل أهمية وهو الخطر الفاشي ـ الفكرة المعادية للشيوعية التي استعملها فرانكو.. وهذا الوضع هو الذي يشرح أسباب تحالف الكاردينال منذزنتي مع القادة الفاشيين للتخلص من السيطرة الشيوعية علي بلاده.

وفي ظل هذه الأوضاع، وجد الملايين من شعوب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا واليابان، أنفسهم مضطرين إلي اختيار أحد طرفين.. إما موالاة الشيوعية، أو موالاة الفاشية.. ودلهم هوبسون علي الطريق، وهو أن يختاروا الأقل ضررا والأبعد عن الشيطان.

وهكذا نجحت المؤامرة الشيطانية في تهيئة الوضع لقيام الحرب العالمية الثانية، فالديكتاتورية الروسية كانت تعيد تسليح الألمان سرا.. والديكتاتورية الإيطالية بقيادة موسوليني كانت تبني سرا أسطولا من الغواصات للمهندسين والعلماء الألمان.. وقد جربت هذه الغواصات عمليا في الحرب الأهلية الأسبانية، حيث تم البرهان عام 1936 عن قوة هذه الغواصات ومناعتها ضد جميع الأسلحة البريطانية التي تستخدمها ضد الغواصات، لأن الغواصات الحديثة، صارت تغوص إلي عمق خمسمائة قدم تحت سطح البحر، وهي مسافة لم يكن أي سلاح في ذلك الوقت ليتمكن من الوصول إليها.. ولم يبق هذا الأمر سرا بالنسبة للحكومة البريطانية، بل تسربت إليها أخبار هذه الاستعدادات.. وبرهن الكابتن ماكس مارتون من البحرية الملكية البريطانية، بالتجربة العملية، إمكانية مهاجمة الأسطول البريطاني وهو رابض في موانئه، وذلك بأن استطاع أن يتفادى بغواصته جميع الأسلحة المضادة للغواصات، ويغرق نظريا اثنى عشر سفينة راسية في الميناء.. وبدلا من أن يتلقى الكابتن مارتن الثناء والتقدير من قادة الأسطول، نال سخطهم واستياءهم وتوقفت ترقيته ثم كتم صوته تماما.. وبقي علي هذه الحال، حتى عام 1940، عندما هددت الغواصات الألمانية الحديثة بريطانيا بالاستسلام أو الموت جوعا.. عندئذ طلب منه قيادة المعركة المضادة للغواصات في المحيط الأطلنطي.

ورغم التحذيرات المبكرة، لم يكن يرافق السفن البريطانية، عندما اندلعت الحرب، أي سلاح بحري للحماية.. وكانت النتيجة أن خسرت بريطانيا 75 بالمئة من أسطولها التجاري وأربعين ألف بحري، قبل أن تتمكن من إعادة دفة الحرب إلي جانبها عام 1943.

***

ونعود إلي ألمانيا، فنجد أن هتلر قد اتخذ خطوة معادية للمرابين الدوليين، وذلك بإعلانه للسياسة الاقتصادية المستقلة، وللإصلاح المالي.. وطلب من كل من اليابان وإيطاليا وأسبانيا أن تدعمه في تحديه لقوي الكارتل والاحتكارات التي كان يديرها الممولون الدوليون، وخصوا البنك الدولي الذي كان آخر نتاج لعقوبتهم المدبرة.. ونفذ الرايخ خطوته بالتخلص من الدكتور هانس مدير بنك الرايخ وعميل المرابين العالميين.. وقبل أن يقوم هتلر بهذه الخطوة الجريئة، لم يكن أحد ليتسطيع أن يحرك الدكتور هانس من منصبه، إلا إذا وافق هو علي ذلك ووافق أعضاء البنك الدولي بالإجماع.

وكان الممولون الدوليون قد أنشأوا منذ الحرب العالمية الأولى ستة وعشرين بنكا مركزيا، علي غرار البنوك الاحتياطية الفيدرالية التي أنشئت عام 1913 باشراف وتوجية المستر بول واربورغ، الذي جاء إلي أميركا عام 1907 ثم أصبح شريكا في مؤسسة كوهن ـ لوب وشركائهم في نيويورك.

وكانت نظرية واربورغ تقضي بانشاء "تنظيم مصرفي مركزي" ترجع إليه جميع السلطات علي هذه البسيطة.. ومن هنا، كان هتلر يدرك أنه إذا استطاع واربورغ وأصحابة إنشاء البنك الدولي، فإنهم سيتمكنون من إنشاء بيروقراطية تتمكن من التدخل في جميع القضايا العالمية، تماما كما يتدخل بنك انكلترا في شؤونها الداخلية وسياستها الخارجية ((هذا واضح الآن بالفعل.. وانظروا لكلّ التنازلات المشينة التي تقدّمها مصر مقابل قروض البنك الدولي)).

وفي معرض حديثنا عن الحركة الاقتصادية في تيك المرحلة من التاريخ، سننقل ما جاء علي لسان الرئيس الأمريكي ثيودرو ولسن عام 1916، أي بعد ثلاث سنوات من بدء العمل بنظام بنوك الاحتياط الفيدرالية التي نظمها الصهيوني واربورغ.. يقول ولسن في حديثه عن الوضع الاقتصادي الأميركي: "تسيطر علي أمتنا الصناعية ـ كما هي الحال في جميع الدول الصناعية الكبري ـ أنظمة التسليف والقروض.. ويرجع مصدر هذه القروض إلي فئة قليلة من الناس، تسيطر بالتالي علي نماء الأمة، وتكون هي الفئة الحاكمة في البلاد.. ولهذا لم تعد الحكومات ـ حتى أشدها سيطرة وتنظيما وتحضرا ـ تعبر عن رأي الأكثرية التي تنتخبها، ولكنها في الحقيقة تعبر عن رأي ومصالح الفئة القليلة المسيطرة".

وهذه هي حقيقة ما يسميه العالم المتحضر اليوم بالديمقراطية.. ويشارك الرئيس الأمريكي فرانكان روزفلت رأي الرئيس ولسن، وذلك بما جاء علي لسانه عندما وقعت الأزمة ـ أو المأساة ـ الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات.. قال روزفلت يومها: "إن ستين عائلة أمريكية فقط هم الذين يتحكمون باقتصاد الأمة.. ويعاني ثلث الشعب الأمريكي من سوء المسكن والمأكل والملبس".. وقال أيضا: "إن عشرين بالمئة من العاملين في مشاريع W. P. A. هم في حالة يرثي لها من سوء التغذية، حتى إنهم لا يستطيعون العمل اليومي بكامله.. وإني مصمم علي إخراج رجال المصارف من برجهم العاجي".

ولكن روزفلت نفسه ما لبث أن تغّير.. لقد وجد نفسه يقود بلاده لتحارب نفس الدول التي وافقت على السياسة التي نادي بها عقب انتخابه مباشرة.. وبعد عمر طويل قضاه في خدمة الرأسماليين، مات روزفلت في بيت أغني وأقوي رجل في الولايات المتحدة، برنارد باروخ، الرجل الذي بقي أربعين عاما يسيطر علي البلاد من خلف الستار.. وإذا كان أحد القراء يشك في ما قلناه عن برنارد باروخ، فكيف يفسر زيارات رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل المتكررة لهذا الرجل؟.. وكيف يفسر صدور بيانات تشرشل التاريخية المؤيدة للصهيونية السياسية، مباشرة عقب زيارته لباروخ عام 1954؟

وهكذا أصبحت الديمقراطية كلمة يستعملها الحكام لخداع شعوبهم.. فهي تستخدم في البلاد الرأسمالية، حيث يسرح الممولون العالميون ويمرحون، متلاعبين بقيمة العملات فيها، بزيادة السيولة المالية أو إنقاصها حسب مشيئتهم ومصالحهم.. وتصبح الديمقراطية التي تسمي كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة نفسها بها، تعني ارتباط هذه البلدان مع الممولين الدوليين عن طريق الديون والقروض.. ومن جهة ثانية، تسمي البلدان الشيوعية نفسها بلدانا ديمقراطية لأنها تقع تحت سيطرة نفس المجموعة من المرابين والممولين العالميين.

ونري السير انتوني إيدن يعبر عن رأي الممولين، عندما وجه رسالة إذاعية إلي الشعب الأمريكي في الحادي عشر من أيلول 1939، يقول في أحد مقاطعها: "لقد آن لنا تخليص أوروبا من التعصب والأطماع وسيطرة الأهواء.. ويجب علينا أن نبني حضارتنا الجديدة من خلال عالم متحارب".. إنه العفن الفكري ليس إلا.. وهل الحروب للبناء أم للتدمير؟

ولقد حاول العديد من البريطانيين تجنيب بلادهم وحليفاتها الدخول في حرب ثانية مع ألمانيا.. ولم يتركوا مناسبة منذ عام 1930 إلا وعبروا فيها عن استيائهم من قيام حرب أخري.. ولكنهم كانوا جميعا يُنعتون بأنهم نازيون سود يعملون لمصلحة لوردات الحرب النازيين.. ومن البريطانيين الذين أعلنوا عن عدائهم للشيوعية وأبدوا الفاشية، السير اوزويلد موسلي.. وقد قام هو والعديد من رجال السياسة والجنرالات المتقاعدين بجهد صامت وجريء لتحذير أعضاء الحكومة من الوقوع فريسة المؤامرة العالمية.

وكانت الحركة المعادية للسامية قد بدأت في انكلترا منذ عام 1920، عندما عاد مارسدن إلي إنكلترا، وفي حوزته نسخة من الكتاب الذي ألفه البوفيسور سرجي نيلوس عام 1905 بعنوان "الخطر اليهودي".

وفيما كان مارسدن يترجم هذه الوثائق، تلقي تحذيرا بالموت إذا أصر علي نشر الكتاب.. ولكن مارسدن لم يخف من التحذير، فنشر الكتاب وسماه "بروتوكولات حكماء صهيون".. وبعد سنوات قليلة من نشر الكتاب مات مارسدن بالفعل كما جاء في التحذير وبظروف غامضة.

أدي نشر هذا الكتاب إلي ضجة كبري في إنكلترا، ومن ثم في العالم أجمع.. وعمد المرابون العالميون لتفادي هذه الفضيحة الدامغة التي كشفت أمرهم، إلي شن حملة دعائية معاكسة ضد مارسدن، متهمة إياه بالكذب وبعدائه الصريح للسامية.. ومن الأبحاث والدراسات التي قمت بها بنفسي أستطيع القول، بأن الوثائق التي جاءت في كتاب البروفيسور نيلوس "الخطر اليهودي" وفي كتاب مارسدن "بروتوكولات حكماء صهيون" هي نفسها الخطة النورانية طويلة الأمد، التي شرحها آمشيل روتشيلد لرفاقة في اجتماع فرانكفورت عام 1773.

ومما لا شك فيه أن الوثائق التي وقعت في أيدي البروفيسور نيلوس، كانت إشارات إضافية يمكن الاعتماد عليها في شرح الطريقة التي تم بها تنفيذ المخطط، وكيف تم استخدام الدارونية والماركسية والنيتشية [نسبة إلي نيتشه] منذ عام 1773.

ولا يستطيع قارئ هذه الوثائق ـ مهما كان مصدرها ـ أن ينكر أن تسلسل الأحداث العالمية جاء تعبيرا عن البرنامج الذي اقترحته الوثائق منذ عام 1773.. وسيدهش أكثر من هذا التنبؤ الدقيق الذي لم يخطئ أبدا.

يقول ماكس ناردو في خطابه في المؤتمر الصهيوني السادس الذي عقد في بازل في سويسرا عام 1903: "دعوني أخبركم الكلمات التالية، وكأني أصعد بكم درجات السلم درجة درجة.. المؤتمر الصهيوني.. مشروع أوغندا البريطانية.. الحرب العالمية المتوقعة.. مؤتمر السلام حيث يتم بمساعدة بريطانيا قيام دولة يهودية حرة في فلسطين".

وقد قرأ العديد من رجال السياسة والصحافة هذه الوثائق، فحملتهم علي البحث والتدقيق في القضايا العالمية.. ومن بين هؤلاء اللورد سيدنهام وهنري فورد.. وقد قام هذا الأخير بعد قراءة الوثائق بتأليف كتاب قيم، جاءت نهاية دراسته مطابقة للأبحاث التي قمت بها بنفسي.. وفي 17 شباط عام 1921 أجرت النيويورك وورلد مقابلة مع السيد هنري فورد، ونقلت عنه ما يلي: "إن أهم شيء أريد أن أقوله عن "البروتوكولات" هو أن ما جاء فيها يتطابق مع ما يجري اليوم.. لقد مضى علي ظهورها ستة عشر عاما، ومازالت تتوافق مع الوضع الدولي حتى الآن".. ((بل وحتّى الآن، بعد قرن من ظهورها!!!!!))

لقد مضي الآن علي عبارة فورد هذه اربع وثلاثون سنة، وهي ما تزال حتى الآن مطابقة للواقع الذي نعيشه.. وهذا كاف ليجعل كل منصف يعترف بأن هذه الوثائق لم تكن إلا نسخة أصلية للخطة التي يتم تنفيذها يوما بعد يوم، وأنها قد حققت معظم أغراضها.

وفي نهاية حديثنا عن "بروتوكولات حكماء صهيون"، يجدر بنا أن نذكر علاقة مؤلفة المستر مارسدن بالملك الانكليزي ادوارد الثامن، لما لهذه العلاقة من تأثير علي الملك نفسه، وعلي كشف بعض جوانب التآمر الذي حدث في انكلترا في ذلك الوقت.. لقد بقي مارسدن يعمل في جريدة المورننغ بوست من عام 1921 حتى عام 1927، فكسب العديد من الأصدقاء.. ولكنه في نفس الوقت كسب عداوة قوية من قبل المتآمرين.. وفي عام 1927 تم اختياره لمرافقة ولي العهد أمير ويلز في رحلة حول الامبراطورية.. وليس من المعقول أن يترك السيد مارسدن هذه المناسبة دون أن يطلع الأمير علي الوثائق وعلي المؤامرات التي يحيكها الممولون الدوليون الذين يخططون للشيوعية والصهيونية معا.. وهكذا عاد ولي العهد إلي بريطانيا وقد تغيرا كثيرا، ولم يعد ذلك "الأمير المرح المسرف"، بل أصبح رجلا جديا عميق التفكير.. إلا إن مارسدن ما أن وصل إلي بريطانيا حتى تغيرت صحته، ثم مات بعد أيام قليلة.. وهذا يذكرنا بما حدث لميرابو الذي مات مسموما، بعد أن أطلع الملك لويس علي الدوافع الحقيقية للثورة الفرنسية.

كان انقلاب ولي العهد بعد عودته من الرحلة عميقا شاملا، فقد أخذ يهتم بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وأخذ يزور مناجم الفحم ويتحدث مع العمال في بيوتهم، خارجا بذلك عن التقاليد الملكية.. ثم أخذ يعارض كل سياسة يعتقد أنها غير صالحا، مبديا راية بجرأة في جميع الأمور حتى السياسة الخارجية، متحديا بذلك "القوي الخفية"، وخصوصا عندما تم تتويجه في 20 كانون الثاني عام 1936.. وهكذا دخل ادوارد الثامن في صراع عنيف مع المسيرين الحقيقيين للسياسة البريطانية.. إلا أنه لم يصمد طويلا، لأن المرابين لم يتركوه لحظة دون أن يشهروا به، وخصوصا بعد مرافقته للمستر مارسدن.. فقد صوروه للناس علي أنه زير نساء وأنه يميل "لليمين"، وأن له علاقة بالسير أوزويلد موزللي المؤيد للحركة الفاشية.. ولكن هذا كله لم يؤثر علي سيرة الملك الجدية التي كان يعيشها، إلي أن عزم علي الزواج من سيدة أمريكية مطلقة تدعي "والي سيمبسون".. عندئذ تحركت أجهزة الدعاية اليسارية بكل قواها، مثيرة الرأي العام ضد هذه السيدة، وأصبحت هذه القضية الشغل الشاغل لانكلترا.. وهكذا حمل المستر بالدوين أوامر المرابين بشأن تنحية الملك عن عرشه.. وكان علي الملك اختيار أحد أمرين: إما التخلي عن العرش، أو التخلي عن زواجه من مس سيمبسون، فاختار الحل الذي يحفظ له كرامته ولا يجعله ألعوبة في أيدي خصومه، وتنحي عن العرش.



اندلاع الحرب العالمية الثانية:

بعد تنحي الملك أدوار الثامن عن العرش، قام عدد كبير من المثقفين والمفكرين البريطانيين ـ بما فيهم أعضاء البرلمان وقادة الجيش المتقاعدين ــ بحملة دعائية واسعة، محاولين إقناع الحكومة البريطانية بحقيقة المؤامرة التي يحيكها "المرابون العالميون".. ومن بين هؤلاء الكابتن رامزي والأدميرال السير باري دومفيل، الذين توصلا في عام 1938، إلي أن قادة اليهودية العالمية الذين يتزعمهم رجال المصارف والممولون اليهود العالميون، يستعملمون الأموال الكثيرة التي في حوزتهم لشراء المراكز الحساسة، بهدف خلق النزاعات بين الأمم، في خطة بعيدة المدى تهدف إلي الإعداد لمجيء مسيح اليهود لتخليصهم، وعندها ستتمكن الحكومة المركزية الموجودة في فلسطين من فرض الحكم الديكتاتوري علي جميع شعوب وأمم العالم.

وقد حاول الكابتن رامزي والأدميرال دومفيل جهدهما لمنع توريط بريطانيا في حرب مع ألمانيا، وبذل الكابتن رامزي جهدا كبيرا في سبيل إقناع المستر تشامبرلين ـ رئيس الوزراء البريطاني ـ بالخطر علي المصالح البريطانية، إذا حقق المتآمرون الدوليون خطتهم وورطوا بريطانيا في حرب مع ألمانيا.. ومع أنه لم يقنع رئيس الوزراء، إلا إنّه علي الأقل أثر فيه تأثيرا كافيا، جعله يصلح الأمور مع هتلر ويعود من ميونج وهو يلوح بمظلته المشهورة، وبورقة قال عنها إنها اتفاقية "تضمن السلام في وقتنا هذا".

بعد هذا الاعلان مباشرة، قامت الصحافة التي يسيطر عليها المرابون الدوليون بحملة حاقدة علي الفاشية، لاعنة تشامبرلين ومتهمة إياه بأنه "امرأة عجوز تحاول شراء السلام بأي ثمن"، وبأنه متضامن مع الفاشية.. وفي موسكو أحرق العملاء هناك تمثالا وهميا لتشامبرلين، في تظاهرة كبيرة في الساحة العامة.. لقد صورت هذه الصحافة، الفاشية الألمانية والإيطالية علي أنها عقائد إلحادية سوداء ذات أهداف توتاليتارية مطلقة.. وكان القليل من الناس من يفهم الفرق بين النازية والفاشية والشيوعية والاشتراكية.

ومما نعرفه عن بعض التفاصيل التي جرت خلف الستار، أن الكابتن رامزي وعد رئيس الوزراء البريطاني بتسليمه وثيقة تشهد بالمؤامرة علي المصالح البريطانية.. وكانت هذه الوثيقة عبارة عن رسائل سرية بالشفرة تبودلت بين ونستون تشرشل والرئيس الأميركي روزفلت.. ووعد رامزي بإحضار هذه الرسائل ليبرهن له عن عزم الممولين العالميين علي إشعال الحرب العالمية الثانية.

وكان الكابتن رامزي قد علم بهذه الرسائل السرية عن طريق "تايلر كنت" الضابط الأييركي المكلف ببثّ واستلام الرسائل في السفارة الأمريكية في لندن.. ولقد اتصل تايلر كنت بالكابتن رامزي، لأنه كان يعرف أنه يشك في "مؤامرة يهودية عالمية"، ويعلم أنه يحاول جهده لإيقاف الحرب.. ولما عرض رامزي أن ينقل هذه الوثائق إلي رئيس الوزراء، وافق كنت علي إحضار الوثائق إلي منزله في غلوستر بلندن.

في هذا الوقت كان المتآمرون العالميون يعملون بنشاط واسع.. في آذار 1939 تمكن هؤلاء من دافع تشامبرلين للتوقيع علي معاهدة لحماية البولنديين من العدوان الألماني، وذلك بإبراز إنذار مزور من ألمانيا للبولنديين.. والحقيقة أن ألمانيا لم ترسل هذا الإنذار، بل عرضت مشروعا مقبولا لحل سلميّ لمشكلة الممر البولندي ودانزنغ، التي سببتها معاهدة فرساي الجائرة.

ولكن بقيت المذكرة مهملة أشهرا عديدة، في حين كانت الصحافة المعادية لهتلر تشن عليه الحملات العنيفة المضادة.. وقد صورته هذه الصحافة رجلا لا يوثق به، فانطلت الكذبة علي الجميع، واستخدموا قول هتلر بعد احتلاله لسدتنلاند، وهو أنه لا يطلب أي شيء بعد ذلك، كمثال علي تعدّي هتلر علي جميع الاتفاقيات، كما تعدي علي معاهدة فرساي من قبل.. كما حولوا مذكرة هتلر السلمية التي وجهها إلي بولندا إلي مذكرة عدوانية، واعتمدوهما مثالا آخر علي نواياه التوسعية.

والحقيقة أن هتلر أعلن أنه لن يطلب أي شيء آخر بعد أن توصل إلي رفع الظلم الذي فرضته عليه معاهدة فرساي التي صاغها أعداء الإنسانية.. وكان هتلر صادقا في ذلك الوعد ولم يتقدم إلا إلى منطقة السدتنلاند وجزء من تشيكوسلوفوكيا والممر البولندي ودانزنغ، فلقد كانت معاهدة فرساي قد فصلت بروسيا عن بقية ألمانيا بإيجاد الممر البولندي.. أما دازنغ فهي مدينة ألمانية فصلتها المعاهدة وعزلتها عن بقية المناطق الألمانية.. وأما القسم المعروف اليوم بتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يضم إليه قسما من الرعايا الألمان الذين عوملوا معاملة سيئة ونال منهم التشيكيون.. ولم يدخل هتلر النمسا إلا بعد أن طلب شعبها حمايته من العدوان الشيوعي، وهذا ما ينكره الجميع اليوم.

وبشكل عام، كانت الصحافة الغربية قد هيأت الشعوب هناك لنقف موقفا معاديا للألمان ولجميع الدول التي تؤيد سياستها كفرنسا وغيرها.

ولما حمل الشعب الألماني هتلر إلي مركز القيادة وقف تشرشل ليعلن ان هتلر ليس إلا "وحش وليد الكذب والخداع".. ولكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن هتلر كان يحاول مرة بعد مرة، الوصول إلي حل عادل لمشكلة الممر البولندي ودانزنغ، ولكن المرابين العالميين لم يسمحوا له بذلك، وذلك بايهام رئيس الوزراء البريطاني الستر تشامبرلين بأن هتلر قد أرسل مذكرة الإنذار.. وكان هذا الخداع والكذب هما اللذان جعلا المستر تشامبرلين ينصح مترددا الحكومة الملكية بإعلان الحرب علي ألمانيا.

***

قد يعتبر القارئ هذه الاتهامات التي أوجهها للمرابين العالميين غير صحيحة وبعيدة عن الحقيقة.. ولكن إذا حاول أن يجري مقارنة بين ما حدث قبيل وبعد الحرب العالمية الأولى، وبين ما حدث قبيل وبعد الحرب العالمية الثانية لوجد تقاربا كبيرا في المخططات والنتائج.

لقد انتهت الحرب الكبرى بمعاهدة فرساي، التي لا يستطيع أحد أن يقول بأن قادة وزعماء مسيحيين حقيقيين يمكنهم أن يوقعوا معاهدة شبيهة بهذه المعاهدة الجائرة.. ولكنّ الحكاية أعيدت مرة ثانية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بتبني الحلفاء سياسة "الاستسلام غير المشروط"، وبتبني خطة "ستالين ـ وابت ـ مورغانتو" الاقتصادية، وبتقسيم ألمانيا إلي قسمين، وباختلاف الأزمة الفرنسية بعد الحرب، بالإضافة إلي تلك اللعبة الخطيرة التي لعبها الممولون الدوليون والقادة الديكتاتورية في كل من روسيا والصين بعد نهاية الحرب مع اليابان.

***

ولما تعب هتلر من انتظار الرد البولندي، ومن الحرب المشينة التي وجهتها ضده صحافة الحلفاء، أمر جيوشه بالتحرك نحو بولندا.. عندئذ أعلنت بريطانيا الحرب علي ألمانيا بموجب اتفاقيتها السباقة مع بولندا.. وهنا نستطيع تبين الجريمة الشنعاء التي ارتكبها المرابون العالميون وخططوا لها.. لقد وعدوا البولنديين بمساعدة بريطانيا وحمايتها مع أنهم يدركون تماما بأن بريطانيا عاجزة فعلا عن أي مساعدة جوية كانت أو برية أو بحرية.

وليس أدل من قول اللورد لوثيان ـ الذي كان سفير بريطانيا في الولايات المتحدة ـ حين صرح في آخر حديث له في مجلس العموم "لو أن مبدأ السيادة الذاتية تم تطبيقه لصالح ألمانيا وليس ضدها، لكان هذا يعني إعادة السدتنلاند وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء من بولندا والممر البولندي ودانزنغ جميعا إلي الرايخ".

وقد امتنع الطيران الألماني عن قصف بريطانيا بالقنابل طيلة الشهر الأولي للحرب، وبصورة أدق طيلة فترة وجود تشامبرلين علي رأس الحكومة البريطانية.. وامتنعت بريطانيا عن الإغارة علي الأراضي الألمانية بدورها، وذلك تنفيذا لما قاله تشامبرلين يوم إعلان الحرب في 2 أيلول 1939، من أنه سيصدر أوامره إلي قواته بعدم ضرب أية أهداف سوي الأهداف العسكرية فقط.. وهذا يعني تفادي الغارات علي المدنيين والمدن الآمنة.

***

استمرت الحرب فترة من الزمن بعد انسحاب الإنكليز من دنكرك علي هذه الصورة الهادئة شبة السلمية، فالألمان يمتنعون عن الإغارة علي إنكلترا، والإنكليز لا يقومون بأعمال عدوانية.. وسميت هذه الفترة "بالحرب السخيفة".. عندئذ اشتدت حملة الدعاية والتشهير بتشامبرلين، في الوقت الذي كان ونستون تشرشل قد تسلم القيادة العليا للقوات البريطانية، فقام بمغامرة فاشلة في النرويج، أودت بحياة العديد من الجنود والضباط الإنكليز، وأعادت إلي الذاكرة فشل تشرشل في الانتورب عام 1914، وفشله في احتلال غاليبولي عام 1915.. ولا يعود هذا الفشل إلي عدم مقدرته العسكرية فقد كان شديد الذكاء والحنكة، ولكنه كان جزءا من مخطط يرمي إلي الإطاحة بحكومة تشامبرلين، كما أطيح بحكومة اسكويت إبان الحرب العالمية الأولى.. وهكذا لم يقع اللوم علي تشرشل في فشله هذا، بل كانت الحملة الدعائية كلها ضد تشامبرلين، حتى اضطر إلي الاستقالة ليخلفه ونستون تشرشل، أحد الوجوه التي خلفت اسكويت من قبل.

وفي أيار 1940 تحالف تشرشل مرة أخري مع الاشتراكيين، ليؤلف حكومة جديدة سيتم علي يدها تحويل الحرب من "حرب سخيفة" إلي حرب فعلية.. وفي مساء اليوم الذي صعد فيه ونستون تشرشل إلي الحكم في 11 أيار 1940، صدرت الأوامر إلي الطائرات البريطانية بالإغارة علي المدن الألمانية، فاتحة بذلك الباب للألمان كي يردوا بالمثل، فتتحول الحرب بعد ذلك إلي حرب تدميرية فعلية.. ومع أن هناك العديد من الذين دافعوا عن سياسة تشرشل في ضرب الأهداف المدنية، إلا إنهم لم يتمكنوا من تعليل هذه السياسة أبدا.

***

اتجه القادة النازيون إذ ذاك إلي هتلر شخصيا، وأبلغوه رأيهم بضرورة مهاجمة الاتحاد السوفياتي، تفاديا لترك ألمانيا مكشوفة الظهر حين تشرع في عملياتها الحربية واسعة النطاق.. فلم يرَ الفوهور بدا من الموافقة علي رأيهم.. وفي 22 حزيران 1941 اقتحمت الجيوش الألمانية الاتحاد السوفياتي.. عندئذ وبشكل مباشر، وحدت بريطانيا والولايات المتحدة جهودها المادية لمساعدة ستالين للوقوف بوجه القوات الألمانية ودحرها.. وبدأت حملة منظمة لإرسال السفن المحملة بالذخيرة الحربية إلي روسيا.. وقد تم إرسالها عن طريق الخليج العربي وموررمانسك.

وفي هذه الأثناء كان تشرشل يقوم بحملة اعتقالات واسعة لجميع الذين كانوا يعارضون قيام الحرب مع ألمانيا.. وقد اعتمد في هذه الاعتقالات علي مذكرة كانت قد صدرت إبان الحرب الأهلية في أيرلندا، وكانت تقضي باعتقال جميع من يشتبه بأنهم ينتمون إلي الجيش الجمهوري الايرلندي.. وهكذا تم اعتقال أعداد كبيرة من الشخصيات دون محاكمة أو استجواب، ودون أن يتمتعوا بحق الدفاع عن أنفسهم.. وقد صدرت أوامر الاعتقال هذه جميعا عن طريق هربرت موريسون وزير الداخلية في ذلك الوقت ـ وهو الذي يعود بعد ذلك ليظهر في كندا إبان حملة التبرعات لصالح الصهيونية عام 1954.. وقد علل هذه الحملة الواسعة من الاعتقالات، بأنها جاءت حفاظا علي السلامة العامة، وللتحكم بالأشخاص الذين يخشى شرهم.. ولقد أثبتت التحريات التي جرت بعد الحرب، أن هذه الاعتقالات لم يكن لها أي مبرر إطلاقا، وإنها اعتمدت علي حجج سخيفة جدا.

وكان من بين المعتقلين، الكابتن رامزي والأدميرال السير باري دومفيل وزوجتاهما وأصدقاؤها.. وقد سجنوا جميعا مع العديد من المواطنين، في سجن بريكستون.. فبقي بعضهم حتى أيلول 1944.

وكانت قد سبقت عملية الاعتقالات هذه، حملة واسعة قامت بها الصحافة التابعة للمرابين العالميين، لتهيئة الجو لتشرشل ليقوم بخطوته.. وقد أوهمت هذه الصحافة الجماهير بأن لألمانيا طابورا خامسا قويا ومنظما بين صفوف الإنكليز، وأن هذا الطابور يقوم بالإعدادات اللازمة لهبوط القوات الألمانية.

وهناك العديد من الشواهد التي تبرهن علي ارتباط حكومة تشرشل باليهودية العالمية، وهي التي اعتقلت بشكل جائر العديد من الشخصيات البارزة وذات المكانة عند الشعب الإنكليزي، لا لذنب، ولكن لأنهم نادوا بأعلى صوتهم معلنين أن "اليهودية العالمية" هي التي دفعت بريطانيا إلي التورط في الحرب مع ألمانيا.

ويرد علي مزاعم رجال حكومة تشرشل ما برهن عليه القضاء البريطاني وتحقيقات المخابرات البريطانية، إذ لم تثبت علي أي من المعتقلين علي الإطلاق تهمة التعاون مع الألمان التي لفقها عملاء المرابين العالميين.. وقد حاول هؤلاء تلفيق مثل هذه التهمة لزوجة الاميرال نيكولسون، أحد كبار قادة البحر البريطانيين السابقين، ولكن القضاء برأها، فعمدت حكومة تشرشل إلي اعتقالها دون أية تهمة، للانتقام منها علي مناداتها قبل الحرب بمنع نشوب مثل هذه الحرب.

ولم يُخمد السجن صوت الأميرال دومفيل ولا الكابتن رامزي، فكتب الأول كتابة الشهير "من أميرال البحار الناشئ"، كشف فيه عن سر الأحداث والجهات التي قادت إلي الحرب العالمية الثانية، وحذر منها الشعب الإنكليزي.. كما ألف رامزي كتابه "حرب دون اسم".. وتمكن هذان الكتابان ـ بالرغم من اختفائهما من الأسواق ـ من فضح أسرار المؤامرة للرأي العام الإنكليزي والأوروبي.

***

وتوفي رئيس الوزراء الأسبق نيفل تشامبرلين والألم يمزق فؤاده، وهو يري بلاده تساق إلي مجزرة شاملة للدفاع عن مصالح ومآرب حفنة من المرابين العالميين.. وتابعته حملة التشهير التي شنها هؤلاء إلي يوم وفاته، بل هي لا تزال تتابعه حتى الآن في كتب التاريخ، التي تصفه بالضعف والخوف من هتلر.. بينما لا يزال السير ونستون تشرشل يعيش حتى الآن مغمورا بالأمجاد وفي بحبوحة الثراء، تلاحقه أكاليل المديح أينما ذهب!

***

فور هجوم هتلر على روسيا، أعلن تشرشل وروزفلت أنهما وحكومتيهما سيسعيان لمساندة ستالين بكل الإمكانيات المتوافرة ليهما.. وقال تشرشل، في كلمة مؤثرة، إنه لا يتوانى عن وضع يده في يد الشيطان، إذا ما وعده هذا الأخير بالمساعدة للقضاء علي الفاشية الألمانية.

بعد ذلك شرع تشرشل ورزفلت بتقديم المساعدات غير المحدودة لستالين، واقترضا من أصحاب البنوك العالميين مبالغ خيالية، ثم قاما بتحويلها وفوائدها إلي حساب القرض القومي لكل من البلدين، بحيث تولى دفعها بعد ذلك المواطنون العاديون، بينما كان أصحاب المصارف يستريحون ويجنون مئات الملايين من الدولارات من تلك الصفقة.

واتفق ستالين وروزفلت وتشرشل علي معاداة الألمان.. وأكد روزفلت لستالين أنهم بعد الانتهاء من الحرب لن يكون هناك من الألمان ما يكفي لإثارة القلق.. وقد نقل فيما بعد أنه أمر بإطلاق النار علي 50000 ضابط ألماني بدون محاكمة.. ولم تكفّ الصحافة الموجهة عن الضرب علي أوتار سياسة النازيين الرامية إلي القضاء علي الشعب اليهودي.. ولكنها لم تأت علي ذكر سياسة روزفلت التي هدفت إلي استئصال الشعب الألماني.

وحلّ ستالين الكومينترن، وفي المقابل قدم روزفلت إليه تنازلات جديدة، فقد أطلقت يد ستالين في 600 مليون بشري يقطنون أوروبا الشرقية.

ولا يستطيع إلا تشرشل، أن يشرح لماذا كان يجلس ويصغي لإقتراحات روزفلت بإعطاء هونج كونج للصين الشيوعية لإرضاء ماوتسي تونج.. وكيف كان بإمكان تشرشل التظاهر بالصداقة الحميمة للرئيس الأمريكي، بينما كان الأخير يكرر دائما أنه يعتقد أن حل الكومنولث البريطاني ضروري لتقدم الإنسان ورخائه، وكان هتلر علي النقيض من ذلك في أفكاره.

***

ولم يظهر ستالين علي حقيقته إلا بعد ما احتل برلين وألمانيا الشرقية.

كان الرأسماليون الغربيون ينظرون بعين الاهتمام والجدية لتحديات ستالين الظاهرة.. ولكنهم لم يكونوا يستطيعون فعل شيء.. وكان لديهم ورقة رابحة.. وقبل أن يلعبوا تلك الورقة أصدروا تعليماتهم لروزفلت ليحاول مرة أخيرة إعادة ستالين إلي الصف.. وعرض روزفلت إطلاق يد ستالين في الشرق الأقصى وإعطائه كل ما يطلب، مقابل أن يماشي أصحاب رؤوس الأموال في الغرب.. وركزت الصحافة الموجهة على أن روزفلت أطلق يد ستالين في الشرق الأقصى لأن مستشاريه العسكريين أخبروه أنه لا يمكن إخضاع اليابان بعد استسلام ألمانيا قبل سنتين من القتال الضاري.. وكانت هذه الكذبة من الوضوح، بحيث لم يضطر الجنرال ماك آرثر للكذب مباشرة.. وكان الجنرالات الأمريكيون علي علم بأن اليابان كانت تطلب عقد مفاوضات للصلح قبل ذلك الوقت بكثير.

ومرة أخري استولي ستالين علي ما يريد في منشوريا.. ثم عاد وكسر وعوده ورجع إلي تحدياته.. وكان ذلك كافيا لإثارة غضب القوي الخفية التي تدير البيت الأبيض.. ولا بد أنهم قدموا اقتراحا جهنميا مما جعل روزفلت يمرض ويموت.. وقيل إنه مات في منزل برنارد باروخ.. بعد ذلك قرر مستشارو حكومة الولايات المتحدة لعب الورقة الرابحة..  القنبلة الذرية.. وألقيت القنبلتان الذريتان علي هيروشيما وناجازاكي، ليعلم ستالين ما هو مخبأ له إن لم يسر علي الطريق.. وكانت حقيقة توفر القنابل الذرية لدي الولايات المتحدة قد أبقيت سرية حتى ذلك التاريخ.. وفي الوقت الذي ألقيت فيه القنابل، كانت اليابان قد هزمت، وكان الاستسلام وشيك الوقوع.. وهكذا ثم قتل ما يفوق مئة ألف إنسان وجرح وتشويه أكثر من ضعفي هذه العدد، لمجرد الإثبات لستالين أن الولايات المتحدة تمتلك فعلا قنابل ذرية.. وهكذا نري أن تشرشل أمر بقصف ألمانيا لإيهام ستالين بحسن نية الأمميين الغربيين، وبأنهم يسعون لصداقته، وأن الولايات المتحدة قصفت اليابان بالقنابل الذرية لتحذير ستالين بأنه يجب أن يسير علي الطريق وإلا......


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ