إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 1 أغسطس 2016

437 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث



437


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة قبض على أمير الحاج طاشتكين ببغداد وكان نعم الأمير عادلًا في الحاد رفيقًا بهم نحبًا لهم له أوراد كثيرة من صلوات وصيام وكان كثير الصدقة لا جرم وقفت أعماله بين يديه فخلص من السجن على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

وفيها خرج السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل من الحبس بعد موت قزل أرسلان بن إيلدكز والتقى هو وقتلغ إينانج بن البهلوان بن إيلدكز فانهزم إينانج إلى الري وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى سنة تسعين وخمسمائة‏.‏

وفيها في رجب توفي الأمير السيد علي بن المرتضى العلوي الحنفي مدرس جامع السلطان ببغداد‏.‏

وفي شعبان منها توفي أبو علي الحسن بن هبة الله بن البوقي الفقيه الشافعي الواسطي وكان عالمًا بالمذهب انتفع به الناس‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


436 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك شهاب الدين أجمير وغيرها من الهند



436


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك شهاب الدين أجمير وغيرها من الهند

قد ذكرنا سنة ثلاث وثمانين غزوة شهاب الدين الغوري إلى بلد الهند وانهزامه وبقي إلى الآن وفي نفسه الحقد العظيم على الجند الغورية الذين انهزموا وما ألزمهم من الهوان‏.‏

فلما كان هذه السنة خرج من غزنة وقد جمع عساكره وسار منهم يطلب عدوه الهندي الذي هزمه تلك النوبة فلما وصل إلى برشاوور تقدم إليه شيخ من الغورية كان يدل عليه فقال له‏:‏ قد قربنا من العدو وما يعلم أحد أني نمضي ولا من نقصد ولا نرد على الأمراء سلامًا وهذا لا يجوز فعله فقال له السلطان‏:‏ اعلم أنني منذ هزمني هذا الكافر ما نمت مع زوجتي ولا غيرت ثياب البياض عني وأنا سائر إلى عدوي ومعتمد على الله تعالى لا على الغورية ولا على غيرهم فإن نصرني الله سبحانه ونصر دينه فمن فضله وكرمه وإن انهزمنا فلا تطلبوني فيمن انهزم ولو هلكت تحت حوافر الخيل‏.‏

فقال له الشيخ‏:‏ سوف ترى بني عمك من الغورية ما يفعلون فينبغي أن تكلمهم وترد سلامهم‏.‏

ففعل ذلك وبقي أمراء الغورية يتضرعون بين يديه ويقولون سوف ترى ما نفعل‏.‏

وسار إلى أن وصل إلى موضع المصاف الأول وجازه مسيرة أربعة أيام وأخذ عدة مواضع من بلاد العدو فلما سمع الهندي تجهز وجمع عساكره وسار يطلب المسلمين فلما بقي بين الطائفتين مرحلة عاد شهاب الدين وراءه والكافر في أعقابه أربع منازل فأرسل الكافر إليه يقول له‏:‏ أعطني يدك إنك تصاففني في باب غزنة حتى أجيء وراءك إلا فنحن مثقلون ومثلك لا يدخل البلاد شبه اللصوص ثم يخرج هاربًا ما هذا فعل السلاطين فأعاد الجواب‏:‏ إنني لا أقدر وتم على حاله عائدًا إلى أن بقي بينه وبين بلاد الإسلام ثلاثة أيام والكافر في أثره يتبعه حتى لحقه قريبًا من مرندة فجرد شهاب الدين من عسكره سبعين ألفًا وقال‏:‏ أريد هذه الليلة تدورون حتى تكونوا وراء عسكر العدو وعند صلاة الصبح تأتون أنتم من تلك الناحية وأنا من هذه الناحية ففعلوا ذلك وطلع الفجر‏.‏

ومن عادة الهنود أنهم لا يبرحون من مضجعهم إلى أن تطلع الشمس فلما أصبحوا حمل عليهم عسكر المسلمين من كل جانب وضربت الكوسات فلم يلتفت ملك الهند إلى ذلك وقال‏:‏ من يقدم علي أنا هذا والقتل قد كثر في الهنود والنصر قد ظهر للمسلمين فلما رأى ملك الهند ذلك أحضر فرسًا له سابقًا وركب ليهرب فقال له أعيان أصحابه‏:‏ إنك حلفت لنا أنك لا تخلينا وتهرب فنزل عن الفرس وركب الفيل ووقف موضعه والقتال شديد والقتل قد كثر في أصحابه فانتهى المسلمون إليه وأخذوه أسيرًا وحينئذ عظم القتل والأسر في الهنود ولم ينج منهم إلا القليل‏.‏

وأحضر الهندي بين يدي شهاب الدين فلم يخدمه فأخذ بعض الحجاب بلحيته وجذبه إلى الأرض حتى أصابها جبينه وأقعده بين يدي شهاب الدين فقال له شهاب الدين‏:‏ لو استأسرتني ما كنت تفعل بي فقال الكافر‏:‏ كنت استعملت لك قيدًا من ذهب أقيدك به وغنم المسلمون من الهنود أموالًا كثيرة وأمتعة عظيمة وفي جملة ذلك أربعة عشر فيلًا من جملتها الفيل الذي جرح شهاب الدين في تلك الوقعة‏.‏

وقال ملك الهند لشهاب الدين‏:‏ إن كنت طالب بلاد فما بقي فيها من يحفظها وإن كنت طالب مال فعندي أموال تحمل أجمالك كلها‏.‏

فسار شهاب الدين وهو معه إلى الحصن الذي له يعول عليه وهو أجمير فأخذه وأخذ جميع البلاد التي تقاربه وأقطع جميع البلاد لمملوكه قطب الدين أيبك وعاد إلى غزنة وقتل ملك الهند‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




435 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك صلاح الدين يافا



435


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك صلاح الدين يافا

لما رحل الفرنج نحو عكا كان قد اجتمع عند صلاح الدين عسكر حلب وغيره فسار إلى مدينة يافا وكانت بيد الفرنج فنازلها وقاتل من بها منهم وملكها في العشرين من رجب بالسيف عنوة ونهبها المسلمون وغنموا ما فيها وقتلوا الفرنج وأسروا كثيرًا وكان بها أكثر ما أخذوه من عسكر مصر والقفل الذي كان معهم وقد ذكر ذلك‏.‏

وكان جماعة من المماليك الصلاحية قد وقفوا على أبواب المدينة وكل من خرج من الجند ومعه شيء من الغنيمة أخذوه منه فإن امتنع ضربوه وأخذوا ما معه قهرًا ثم زحفت العساكر إلى القلعة فقاتلوا عيها آخر النهار وكادوا يأخذونها فطلب من بالقلعة الأمان على أنفسهم وخرج البطرك الكبير الذي لهم ومعه عدة من أكابر الفرنج في ذلك وترددوا وكان قصدهم منع المسلمين عن القتال فأدركهم الليل وواعدوا المسلمين أن ينزلوا بكرة غد ويسلموا القلعة‏.‏

فلما أصبح الناس طالبهم صلاح الدين بالنزول عن الحصن فامتنعوا وإذا قد وصلهم نجدة من عكا وأدركهم ملك إنكلتار فأخرج من بيافا من المسلمين وأتاه المدد من عكا وبرز إلى ظاهر المدينة واعترض المسلمين وحده وحمل علهم فلم يتقدم إليه أحد فوقف بين الصفين واستدعى طعامًا من المسلمين ونزل فأكل فأمر صلاح الدين عسكره بالحملة عليهم وبالجد في قتالهم فتقدم إليه بعض أمرائه يعرف بالجناح وهو أخو المشطوب ابن عي بن أحمد الهكاري فقال له‏:‏ يا صلاح الدين قل لمماليكك الذين أخذوا أمس الغنيمة وضربوا الناس بالحماقات أن يتقدموا فيقاتلوا إذا كان القتال فنحن وإذا كان الغنيمة فلهم‏.‏

فغضب صلاح الدين من كلامه وعاد عن الفرنج‏.‏

وكان رحمه الله حليمًا كريمًا كثير العفو عند المقدرة ونزل في خيامه وأقام حتى اجتمعت العساكر وجاء إليه ابنه الأفضل وأخوه العادل وعساكر الشرق فرحل بهم إلى الرملة لينظر ما يكون منه ومن الفرنج فلزم الفرنج يافا ولم يبرحوا منها‏.‏

وعود صلاح الدين إلى دمشق في العشرين من شعبان من هذه السنة عقدت بين المسلمين والفرنج هدنة لمدة ثلاث سنين وثمانية أشهر أولها هذا التاريخ وافق أول أيلول وكان سبب الصلح أن ملك إنكلتار لما رأى اجتماع العساكر وأنه لا يمكنه مفارقة ساحل البرح وليس بالساحل للمسلمين بلد يطمع فيه وقد طالت غيبته عن بلاده راسل صلاح الدين في الصلح وأظهر من ذلك ضد ما كان يطلب منه المصاف والحرب فأعاد الفرنجي رسله مرة بعد مرة ونزل عن تتمة عمارة عسقلان وعن غزة والداروم والرملة وأرسل إلى الملك العادل في تقرير هذه القاعدة فأشار هو وجماعة الأمراء بالإجابة إلى الصلح وعرفوه ما عند العسكر من الضجر والملل وما قد هلك من أسلحتهم ودوابهم ونفد من نفقاتهم وقالوا‏:‏ إن هذا الفرنجي إنما طلب الصلح ليركب البحر ويعود إلى بلاده فإن تأخرت إجابته إلى أن يجيء الشتاء وينقطع الركوب في البحر نحتاج للبقاء هاهنا سنة أخرى وحينئذ يعظم الضرر على المسلمين‏.‏

وأكثروا القول له في هذا المعنى فأجاب حينئذ إلى الصلح فحضر رسل الفرنج وعقدوا الهدنة وتحالفوا على هذه القاعدة وكان في جملة من حضر عند صلاح الدين باليان بن بارزان الذي كان صاحب الرملة ونابلس فلما حلف صلاح الدين قال له‏:‏ اعلم أنه ما عمل أحد في الإسلام ما عملت ولا هلك من الفرنج مثل ما هلك منهم هذه المدة فإننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة فكانوا ستمائة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد بعضهم قتلته أنت وبعضهم مات وبعضهم غرق‏.‏

وأما صلاح الدين فإنه بعد تمام الهدنة سار إلى البيت المقدس وأمر بإحكام سوره وعمل المدرسة والرباط والبيمارستان وغير ذلك من مصالح المسلمين ووقف عليها الوقوف وصام رمضان بالقدس وعزم على الحج والإحرام منه فلم يمكنه ذلك فسار عنه خامس شوال نحو دمشق واستناب بالقدس أميرًا اسمه عز الدين جورديك وهو من المماليك النورية‏.‏

ولما سار عنه جعل طريقه على الثغور الإسلامية كنابلس وطبرية وصفد وتبنين وقصد بيروت وتعهد هذه البلاد وأمر بإحكامها فلما كان في بيروت أتاه بيمند صاحب أنطاكية وأعمالها واجتمع به وخدمه فخلع عليه صلاح الدين وعاد إلى بلده فلما عاد رحل صلاح الدين إلى دمشق فدخلها في الخامس والعشرين من شوال وكان يوم دخوله إليها يومًا مشهودًا وفرح الناس به فرحًا عظيمًا لطول غيبته وذهاب العدو عن بلاد الإسلام‏.‏

في هذه السنة منتصف شعبان توفي الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سلجوق السلجوقي بمدينة قونية وكان له من البلاد قونية وأعمالها وأقصرا وسيواس وملطية وغير ذلك من البلاد وكانت مدة ملكه نحو تسع وعشرين سنة وكان ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة إلى بلاد الروم فلما كبر فوق بلاده على أولاده فاستضعفوه ولم يلتفتوا إليه وحجر عليه ولده قطب الدين‏.‏

وكان قلج أرسلان قد استناب في تدبير ملكه رجلًا يعرف باختيار الدين حسن فلما غلب قطب الدين على الأمر قتل حسنًا ثم أخذ والده وسار به إلى قيسارية ليأخذها من أخيه الذي سلمها إليه أبوه فحصرها مدة فوجد والده قلج أرسلان فرصة فهرب ودخل قيسارية وحده‏.‏

فلما علم قطب الدين ذلك عاد إلى قونية وأقصر فملكهما ولم يزل قلج أرسلان يتحول من ولد إلى ولد وكل منهم يتبرم به حتى مضى إلى ولده غياث الدين كيخسرو صاحب مدينة برغلوا فلما رآه فرح به وخدمه وجمع العساكر وسار هو معه إلى قونية فملكها وسار إلى اقصرا ومعه والده قلج أرسلان فحصرها فمرض أبوه فعاد به إلى قونية فتوفي بها ودفن هناك وبقي ولده غياث الدين في قونية مالكًا لها حتى أخذتها منه أخوه ركن الدين سليمان على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

وقد حدثني بعض من أثق به من أهل العلم بما يحكيه وكان قد وصل تلك البلاد بغير هذا ونحن نذكره قال إن قلج أرسلان قسم بلاده بين أولاده في حياته فسلم دوقاط إلى ابنه ركن الدين سليمان وسلم قونية إلى ولده كيخسر وغياث الدين وسلم أنقرة وهي التي تسمى انكشورية إلى ولده محيي الدين وسلم ملطية إلى ولده معز الدين قيصر شاه وسلم أبلستين إلى ولده قطب الدين وسلم نكسار إلى ولد آخر وسلم أماسيا إلى ولد أخيه‏.‏

هذه أمهات البلاد وينضاف إلى كل بلد من هذه ما يجاورها من البلاد الصغار التي ليست مثل هذه ثم إنه ندم على ذلك وأراد أن يجمع الجميع لولده الأكبر قطب الدين وخطب له ابنه صلاح الدين يوسف صاحب مصر والشام ليقوى به فلما سمع باقي أولاده بذلك امتنعوا عليه وحرجوا عن طاعته وزال حكمه عنهم فسار يتردد بينهم على سبيل الزيارة فيقيم عند كل واحد منهم مدة وينتقل إلى الآخر ثم إنه مضى إلى ولده كيخسرو صاحب قونية على عادته فخرج إليه ولقيه وقبل الأرض بين يديه وسلم قونية إليه وتصرف عن أمره فقال لكيخسرو‏:‏ أريد أن أسير إلى ولدي الملعون محمود وهو صاحب قيسارية وتجيء أنت معي لأخذها منه فتجهز وسار معه وحصر محمودًا بقيسارية فمرض قلج أرسلان وتوفي عليها‏.‏

فعاد كيخسرو وبقي كل واحد من الأولاد على البلد الذي بيده‏.‏

وكان قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس إذا أراد أن يسير من إحدى المدينتين إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية وبها أخوه نور الدين محمود وليست على طريقه إنما كان يقصدها ليظهر المودة لأخيه والمحبة له وفي نفسه الغدر فكان أخوه محمود يقصده ويجتمع به ففي بعض المرات نزل بظاهر البلد على عادته وحضر أخوه محمود عنده غير محتاط فقتله قطب الدين وألقى رأسه إلى أصحابه وأراد أخذ البلد فامتنع من به من أصحاب أخيه عليه ثم إنهم سلموه إليه على قاعدة استمرت بينهم‏.‏

وكان عند محمود أمير كبير وكان يحذره من أخيه قطب الدين ويخوفه فلم يصغ إليه وكان جوادًا كثير الخير والتقدم في الدولة عند نور الدين فلما قتل قطب الدين أخاه قتل حسنًا معه وألقاه على الطريق فجاء كلب يأكل من لحمه فثار الناس وقالوا‏:‏ لا سمعًا ولا طاعة‏!‏ هذا رجل مسلم وله هاهنا مدرسة وتربة وصدقات دارة وأفعال حسنة لا نتركه تأكله الكلاب فأمر به فدفن في مدرسته وبقي أولاد قلج أرسلان على حالهم‏.‏

ثم إن قطب الدين مرض ومات فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى سيواس وهي تجاوره فملكها ثم سار منها إلى قيسارة وأقصرا ثم بقي مديدة وسار إلى قونية وبها أخوه غياث الدين وفحصره بها وملكها ففارقها غياث الدين إلى الشام ثم إلى بلد الروم وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى ثم سار بعد ذلك إلى ركن الدين إلى نكسار وأماسيا فملكها وسار إلى ملطية سنة سبع وتسعين وخمسمائة فملكها وفارقها أخوه معز الدين إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب وكان معز الدين هذا تزوج ابنة للعادل فأقام عنده‏.‏

واجتمع لركن الدين ملك جميع الإخوة ما عدا أنقرة فإنه منيعة لا يوصل إليها فجعل عليها عسكرًا يحصرها صيفًا وشتاء ثلاث سنين فتسلمها سنة إحدى وستمائة ووضع على أخيه الذي كان بها من يقتله إذ فارقها فلما سار عنها قتل‏.‏

وتوفي ركن الدين في تلك الأيام ولم يسمع خبر قتل أخيه بل عاجله الله تعالى لقطع رحمه‏.‏

وإنما أوردنا هذه الحادثة هاهنا لنتبع بعضها بعضًا ولأني لم أعلم تاريخ كل حادثة منها لأثبتها فيه‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


434 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عود الفرنج إلى عكا



434


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عود الفرنج إلى عكا

لما عاد الملك الأفضل فيمن معه وعاد الملك العادل وابن تقي الدين فيمن معهما من عساكرهما ولحقتهم العساكر الشرقية عسكر الموصل وعسكر ديار بكر وعسكر سنجار وغير ذلك من البلاد واجتمعت العساكر بدمشق أيقن الفرنج أنهم لا طاقة لهم بها إذا فارقوا البحر فعادوا نحو عكا يظهرون العزم على قصد بيوت ومحاصرتها فأمر صلاح الدين ولده الأفضل أن يسير إليها في عسكره والعساكر الشرقية جميعها معارضًا للفرنج في مسيرهم نحوها فسار إلى مرج العيون واجتمعن العساكر معه فأقام هنالك ينتظر مسير الفرنج فلما بلغهم ذلك أقاموا بعكا ولم يفارقوها‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


433 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر سير الأفضل والعادل إلى بلاد الجزيرة




433


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر سير الأفضل والعادل إلى بلاد الجزيرة

قد تقدم ذكر موت تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين واستيلاء ولده ناصر الدين محمد على بلاد الجزيرة فلما استولى عليها أرسل إلى صلاح الدين يطلب تقريرها عليه مضافًا إلى ما كان لأبيه بالشام فلم ير صلاح الدين أن مثل تلك البلاد تسلم إلى صبي فما أجابه إلى ذلك فحدث نفسه بالامتناع على صلاح الدين لاشتغاله بالفرنج فطلب الأفضل علي بن صلاح الدين من أبيه أن يقطعه ما كان لتقي الدين وينزل عن دمشق فأجابه إلى ذلك وأمره بالمسير إليها فسار إلى حلب في جماعة من العسكر وكتب صلاح الدين إلى أصحاب البلاد الشرقية مثل صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب الجزيرة وصاحب ديار بكر وغيرها يأمرهم بإنفاذ العساكر إلى ولده الأفضل‏.‏

فلما رأى ولد تقي الدين ذلك علم أنه لا قوة له بهم فراسل الملك العادل عم أبيه يسأله إصلاح حاله مع صلاح الدين فأنهى ذلك إلى صلاح الدين وأصلح حاله وقرر قاعدته بأن يقرر له ما كان لأبيه بالشام وتؤخذ منه البلاد الجزرية واستقرت القاعدة على ذلك‏.‏

وأقطع صلاح الدين البلاد الجزرية وهي حران والرها وسميساط وميافارقين وحاني العادل وسيره إلى ابن تقي الدين ليتسلم منه البلاد ويسيره إلى صلاح الدين ويعيد الملك الأفضل أين أدركه فسار العادل فلحق الأفضل بحلب فأعاده إلى أبيه وعبر العادل الفرات وتسلم البلاد من ابن تقي الدين وجعل نوابه فيها واستصحب ابن تقي الدين معه وعاد إلى صلاح الدين بالعساكر وكان عوده في جمادى الآخرة من هذه السنة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


432 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر استيلاء الفرنج على عسكر المسلمين



432


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر استيلاء الفرنج على عسكر المسلمين

في تاسع جمادى الآخرة بلغ الفرنج الخبر بوصول عسكر من مصر ومعهم قفل كبير ومقدم العسكر فلك الدين سليمان أخو العادل لأمه ومعه عدة من الأمراء فأسرى الفرنج إليهم فواقعهم بنواحي الخليل فانهزم الجند ولم يقتل منهم رجل من المشهورين إنما قتل من الغلمان والأصحاب وغنم الفرنج خيامهم وآلاتهم وأما القفل فإنه أخذ بعضه وصعد من نجا جبل الخليل فلم يقدم الفرنج على أتباعهم ولو اتبعوهم نصف فرسخ لأتوا عليهم وتمزق من نجا من القفل وتقطعوا ولقوا شدة إلى أن اجتمعوا‏.‏

حكى لي بعض أصحابنا وكنا قد سيرنا معه شيئًا للتجارة إلى مصر وكان قد خرج في هذا القفل قال‏:‏ لما وقع الفرنج علينا كنا قد رفعنا أحمالنا للسير فحملوا علينا وأوقعوا بنا فضربت أحمالي وصعدت الجبل ومعي عدة أحمال لغيري‏.‏

فلحقنا قوم من الفرنج فأخذوا الأحمال التي في صحبتي وكنت بين أيديهم بمقدار رمية سهم فلم يصلوا إلي فنجوت بما معي وسرت لا أدري أين أقصد وإذ قد لاح لي بناء كبير على جبل فسألت عنه فقيل لي‏:‏ هذا الكرك فوصلت إليه ثم عدت منه إلى القدس سالمًا‏.‏

وسار هذا الرجل من القدس سالمًا فلما بلغ بزاعة عند حلب أخذه الحرامية فنجا من العطب وهلك عند ظنه السلامة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



431 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ما كان من ملك إنكلتار



431


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ما كان من ملك إنكلتار

في تاسع جمادى الأولى من هذه السنة استولى الفرنج على حصن الداروم فخربوه ثم ساروا إلى البيت المقدس وصلاح الدين فيه فبلغوا بيت نوبة‏.‏

وكان سبب طمعهم أن صلاح الدين فرق عساكره الشرقية وغيرها لأجل الشتاء وليستريحوا وليحضر البدل عوضهم وسار بعضهم مع ولده الأفضل وأخيه العادل إلى البلاد الجزرية لما نذكره إن شاء الله تعالى وبقي من حلقته الخاص بعض العساكر المصرية فظنوا أنهم ينالون غرضًا فلما سمع صلاح الدين بقربهم منه فرق أبراج البلد على الأمراء وسار الفرنج من بيت نوبة إلى قلونية سلخ الشهر وهي على فرسخين من القدس فصب المسلمون عليهم البلاء

وتابعوا إرسال السرايا فبلي الفرنج منهم بما لا قبل لهم به وعلموا أنهم إذا نازلوا القدس كان الشر إليهم أسرع والتسلط عليهم أمكن فرجعوا القهقرى وركب المسلمون أكتافهم بالرماح والسهام‏.‏

ولما أبعد الفرنج عن يافا سير صلاح الدين سرية من عسكره إليها فقاربوها وكمنوا عندها فاجتاز بهم جماعة من فرسان الفرنج مع قافلة فخرجوا عليهم فقتلوا منهم وأسروا وغنموا وكان ذلك آخر جمادى الأولى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


430 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر نهب بني عامر البصرة ذكر قتل المركيس وملك الكندهر



430


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر نهب بني عامر البصرة

ذكر قتل المركيس وملك الكندهر

في هذه السنة في ثالث عشر ربيع الآخر قتل المركيس الفرنجي لعنه الله صاحب صور وهو أكبر شياطين الفرنج‏.‏

وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسل مقدم الإسماعيلية وهو سنان وبذل له أن يرسل من يقتل ملك إنكلتار وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار فلم يمكنهم قتل ملك إنكلتار ولم يره سنان مصلحة لهم لئلا يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم وشره في أخذ المال فعدل إلى قتل المركيس فأرسل رجلين في زي الرهبان واتصلا بصاحب صيدا وابن بارزان صاحب الرملة وكانا مع المركيس بصور فأقاما معهما ستة أشهر يظرهان العبادة فأنس بهما المركيس ووثق بهما فلما كان بعد التاريخ عمل الأسقف بصور دعوة للمركيس فحضرها وأكل طعامه وشرب مدامه وخرج من عنده فوثب عليه الباطنيان المذكوران فجرحاه جراحًا وثيقة وهرب أحدهما ودخل كنيسة يختفي فيها فاتفق أن المركيس حمل إليها ليشد جراحه فوثب عليه ذلك الباطني فقتله وقتل الباطنيان بعده‏.‏

ونسب الفرنج قتله إلى وضع من ملك إنكلتار لينفرد بملك الساحل الشامي فلما قتل ولي بعده مدينة صور كند من الفرنج من داخل البحر يقال له الكند هري وتزوج بالملكة في ليلته ودخل بها وهي حامل وليس الحمل عندهم مما يمنع النكاح‏.‏

وهذا الكند هري هو ابن أخت ملك إفرنسيس من أبيه وابن أخت ملك إنكلتار من أمه وملك كند هري هذا بلاد الفرنج بالساحل بعد عود ملك إنكلتار وعاش إلى سنة أربع وتسعين وخمسمائة فسقط من سطح فمات وكان عاقلًا كثير المدارة والاحتمال‏.‏

ولما رحل ملك إنكلتار إلى بلاده أرسل كند هري هذا إلى صلاح الدين يستعطفه ويستميله يطلب منه خلعة وقال‏:‏ أنت تعلم أن لبس القباء والشربوش عندنا عيب وأنا ألبسهما منك محبة لك فأنفذ إليه خلعة سنية منها القباء والشربوش فلبسهما بعكا‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



429 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر قتل المركيس وملك الكندهر



429


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر قتل المركيس وملك الكندهر

في هذه السنة في ثالث عشر ربيع الآخر قتل المركيس الفرنجي لعنه الله صاحب صور وهو أكبر شياطين الفرنج‏.‏

وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسل مقدم الإسماعيلية وهو سنان وبذل له أن يرسل من يقتل ملك إنكلتار وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار فلم يمكنهم قتل ملك إنكلتار ولم يره سنان مصلحة لهم لئلا يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم وشره في أخذ المال فعدل إلى قتل المركيس فأرسل رجلين في زي الرهبان واتصلا بصاحب صيدا وابن بارزان صاحب الرملة وكانا مع المركيس بصور فأقاما معهما ستة أشهر يظرهان العبادة فأنس بهما المركيس ووثق بهما فلما كان بعد التاريخ عمل الأسقف بصور دعوة للمركيس فحضرها وأكل طعامه وشرب مدامه وخرج من عنده فوثب عليه الباطنيان المذكوران فجرحاه جراحًا وثيقة وهرب أحدهما ودخل كنيسة يختفي فيها فاتفق أن المركيس حمل إليها ليشد جراحه فوثب عليه ذلك الباطني فقتله وقتل الباطنيان بعده‏.‏

ونسب الفرنج قتله إلى وضع من ملك إنكلتار لينفرد بملك الساحل الشامي فلما قتل ولي بعده مدينة صور كند من الفرنج من داخل البحر يقال له الكند هري وتزوج بالملكة في ليلته ودخل بها وهي حامل وليس الحمل عندهم مما يمنع النكاح‏.‏

وهذا الكند هري هو ابن أخت ملك إفرنسيس من أبيه وابن أخت ملك إنكلتار من أمه وملك كند هري هذا بلاد الفرنج بالساحل بعد عود ملك إنكلتار وعاش إلى سنة أربع وتسعين وخمسمائة فسقط من سطح فمات وكان عاقلًا كثير المدارة والاحتمال‏.‏

ولما رحل ملك إنكلتار إلى بلاده أرسل كند هري هذا إلى صلاح الدين يستعطفه ويستميله يطلب منه خلعة وقال‏:‏ أنت تعلم أن لبس القباء والشربوش عندنا عيب وأنا ألبسهما منك محبة لك فأنفذ إليه خلعة سنية منها القباء والشربوش فلبسهما بعكا‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


428 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عمارة الفرنج عسقلان



428


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عمارة الفرنج عسقلان

في هذه السنة في المحرم رحل الفرنج نحو عسقلان وشرعوا في عمارتها وكان صلاح الدين بالقدس فسار ملك إنكلتار جريدة من عسقلان إلى يزك المسلمين فواقعهم وجرى بين الطائفتين قتال شديد انتصف بعضهم من بعض‏.‏

وفي مدة مقام صلاح الدين بالقدس ما برحت سراياه تقصد الفرنج فتارة تواقع طائفة منهم وتارة تقطع الميرة عنهم ومن جملتها سرية كان مقدمها فارس الدين ميمون القصري وهو من مقدمي المماليك الصلاحية خرج على قافلة كبيرة للفرنج فأخذها وغنم ما فيها‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

427 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير = ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة



427


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

= ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة

== ذكر عمارة الفرنج عسقلان
== ذكر قتل المركيس وملك الكندهر
== ذكر نهب بني عامر البصرة
== ذكر ما كان من ملك إنكلتار
== ذكر استيلاء الفرنج على عسكر المسلمين
== ذكر سير الأفضل والعادل إلى بلاد الجزيرة
== ذكر عود الفرنج إلى عكا
== ذكر ملك صلاح الدين يافا
== ذكر ملك شهاب الدين أجمير وغيرها من الهند
== ذكر عدة حوادث


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

426 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث ذكر قتل قزل أرسلان



426


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

ذكر قتل قزل أرسلان

في شعبان من هذه السنة قتل قزل أرسلان واسمه عثمان بن إيلدكز وقد ذكرنا أنه ملك البلاد بعد وفاة أخيه البهلوان ملك أران وأذربيجان وهمذان وأصفهان والري وما بينها وأطاعه صاحب فارس وخوزستان واستولى على السلطتان طغرل بن أرسلان بن طغرل فاعتقله في بعض القلاع ودانت له البلاد‏.‏

وفي آخر أمره سار إلى أصفهان والفتن بها متصلة من لدن توفي البهلوان إلى ذلك الوقت فتعصب على الشافعية وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة وضرب النوب الخمس ثم إنه دخل ليلة قتل إلى منزله لينام وتفرق أصحابه فدخل إليه من قتله على فراشه ولم يعرف قاتله فأخذ أصحابه صاحب بابه ظنًا وتخمينًا وكان كريمًا



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


425 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر قتل قزل أرسلان



425


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر قتل قزل أرسلان

في شعبان من هذه السنة قتل قزل أرسلان واسمه عثمان بن إيلدكز وقد ذكرنا أنه ملك البلاد بعد وفاة أخيه البهلوان ملك أران وأذربيجان وهمذان وأصفهان والري وما بينها وأطاعه صاحب فارس وخوزستان واستولى على السلطتان طغرل بن أرسلان بن طغرل فاعتقله في بعض القلاع ودانت له البلاد‏.‏

وفي آخر أمره سار إلى أصفهان والفتن بها متصلة من لدن توفي البهلوان إلى ذلك الوقت فتعصب على الشافعية وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة وضرب النوب الخمس ثم إنه دخل ليلة قتل إلى منزله لينام وتفرق أصحابه فدخل إليه من قتله على فراشه ولم يعرف قاتله فأخذ أصحابه صاحب بابه ظنًا وتخمينًا وكان كريمًا




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

424 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عود الفرنج إلى الرملة



424


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عود الفرنج إلى الرملة

في العشرين من ذي الحجة عاد الفرنج إلى الرملة وكان سبب عودهم أنهم كانوا ينقلون ما يريدونه من الساحل فلما أبعدوا عنه كان المسلمون يخرجون على من يجلب لهم الميرة فيقطعون الطريق ويغنمون ما معهم ثم إن ملك إنكلتار قال لمن معه من الفرنج الشاميين‏:‏ صوروا لي مدينة القدس فإني ما رأيتها فصوروها له فرأى الوادي يحيط بها ما عدا موضعًا يسير من جهة الشمال فسأل عن الوادي وعن عمقه فأخبر أنه عميق وعر المسلك‏.‏

فقال‏:‏ هذه مدينة لا يمكن حصرها ما دام صلاح الدين حيًا وكلمة المسلمين مجتمعة لأننا إن نزلنا في الجانب الذي يلي المدينة بقيت سائر الجوانب غير محصورة فيدخل إليهم منها الرجال والذخائر وما يحتاجون إليه وإن نحن افترقنا فنزل بعضنا من جانب الوادي وبعضنا من الجانب الآخر جمع صلاح الدين عسكره وواقع إحدى الطائفتين ولم يمكن الطائفة الأخرى إنجاد أصحابهم لأنهم إن فارقوا مكانهم خرج من بالبلد من المسلمين فغنموا ما فيه وإن تركوا فيه من يحفظه وساروا نحو أصحابهم فإلى أن يتخلصوا من الوادي ويلحقوا بهم يكون صلاح الدين قد فرغ منهم هذا سوى ما يتعذر علينا من إيصال ما يحتاج إليه من العلوفات والأقوات‏.‏

فلا قال لهم ذلك علموا صدقه ورأوا قلة الميرة عندهم وما يجري للجالبين لها من المسلمين فأشاروا عليه بالعود إلى الرملة فعادوا خائبين خاسرين‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



423 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر رحيل الفرنج إلى نطرون



423


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر رحيل الفرنج إلى نطرون

لما رأى صلاح الدين أن الفرنج قد لزموا يافا ولم يفارقوها وشرعوا في عمارتها‏.‏

رحل من منزلته إلى النطرون ثالث عشر رمضان وخيم به فراسله ملك إنكلتار يطلب المهادنة فكانت الرسل تتردد إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب أخي صلاح الدين فاستقرت القاعدة أن ملك إنكلتار يزوج أخته من العادل أبي بكر بن أيوب أخي صلاح الدين فاستقرت القاعدة أن ملك إنكلتار يزوج أخته من العادل ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل وتكون عكا وما بيد الفرنج من البلاد لأخت ملك إنكلتار مضافًا إلى مملكة كانت لها داخل البحر قد ورثتها من زوجها وأن يرضى الداوية بما يقع الاتفاق عليه فعرض العادل ذلك على صلاح الدين فأجاب إليه فلما ظهر الخبر اجتمع القسيسون والأساقفة والرهبان إلى أخت ملك إنكلتار وأنكروا عيها فامتنعت من الإجابة وقيل كان المانع منه غير ذلك والله أعلم‏.‏

وكان العادل وملك إنكلتار يجتمعان بعد ذلك ويتجاريان حديث الصلح وطلب من العادل أن يسمعه غناء المسلمين فأحضر له مغنية تضرب بالجنك فغنت له فاستحسن ذلك ولم يتم بينهما صلح وكان ملك إنكلتار يفعل ذلك خديعة ومكرًا‏.‏

ثم إن الفرنج أظهروا العزم على قصد البيت المقدس فسار صلاح الدين إلى الرملة جريدة وترك الأثقال بالنطرون وقرب من الفرنج وبقي عشرين يومًا ينتظرهم فلم يبرحوا فكن بين الطائفتين مدة المقام عدة وقعات في كلها ينتصر المسلمون على الفرنج وعاد صلاح الدين إلى النطرون ورحل الفرنج من يافا إلى الرملة ثالث ذي القعدة على عزم قصد البيت المقدس فقرب بعضهم من بعض فعظم الخطب واشتد الحذر فكان كل ساعة يقع الصوت في العسكرين بالنفير فلقوا من ذلك شدة شديدة وأقبل الشتاء وحالت الأوحال والأمطار بينهما‏.‏

لما رأى صلاح الدين أن الشتاء قد هجم والأمطار متوالية متتابعة والناس منها في ضنك وحرج ومن شدة البرد ولبس السلاح والسهر في تعب دائم وكان كثير من العساكر قد طال بيكارها فأذن لهم في العود إلى بلادهم للاستراحة والإراحة وسار هو إلى البيت المقدس فيمن بقي معه فنزلوا جميعًا داخل البلد فاستراحوا مما كانوا فيه ونزل هو بدار الأقسا مجاور بيعة قمامة وقدم إليه عسكر من مصر مقدمهم الأمير أبو الهيجاء السمين فقويت نفوس المسلمين بالقدس‏.‏

وسار الفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة على عزم قصد القدس فكانت بينهم وبين يزك المسلمين وقعات أسر المسلمون في وقعة منها نيفًا وخمسين فارسًا من مشهوري الفرنج وشجعانهم وكان صلاح الدين لما دخل القدس أمر بعمارة سوره وتجديد ما رث منه فأحكم الموضع الذي ملك البلد منه وأتقنه وأمر بحفر خندق خارج الفصيل وسلم كل برج إلى أمير يتولى عمله فعمل ولده الأفضل من ناحية باب عمود إلى باب الرحمة وأرسل أتابك عز الدين مسعود صاحب الموصل جماعة من الحصاصين ممن له في قطع الصخر اليد الطولى فعملوا له هناك برجًا وبدنة وكذلك جميع الأمراء‏.‏

ثم إن الحجارة قلت عند العمالين فكان صلاح الدين رحمه الله يركب وينقل الحجارة بنفسه على دابته من الأمكنة البعيدة فيقتدي به العسكر فكان يجمع عنده ن العمالين في اليوم الواحد ما يعملونه عدة أيام‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



422 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان



422


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان

لما فرغ الفرنج لعنهم الله من إصلاح أمر عكا برزوا منها في الثامن والعشرين من رجب وساروا مستهل شعبان نحو حيفا مع شاطئ البحر لا يفارقونه فلما سمع صلاح الدين برحيلهم نادى في عسكره بالرحيل فساروا‏.‏

وكان على اليزك ذلك اليوم الملك الأفضل ولد صلاح الدين ومعه سيف الدين إيازكوش وعز الدين جورديك وعدة من شجعان الأمراء فضايقوا الفرنج في مسيرهم وأرسلوا عليهم من السهام ما كاد يحجب الشمس ووقعوا على ساقة الفرنج فقتلوا منها جماعة وأسروا جماعة‏.‏

وأرسل الأفضل إلى والده يستمده ويعرفه الحال فأمر العساكر بالمسير إليه فاعتذروا بأنهم ما ركبوا بأهبة الحرب وإنما كانوا على عزم المسير لا غير فبطل المدد وعاد ملك الإنكلتار إلى ساقة الفرنج فحماها وجمهم وساروا حتى أتوا حيفا فنزلوا بها ونزل المسلمون بقيمون قرية بالقرب منهم وأحضر الفرنج من عكا عوض من قتل منهم وأسر ذلك اليوم وعوض ما هلك من الخيل ثم ساروا إلى قيسارية والمسلمون يسايرونهم ويتخطفون منهم من قدروا عليه فيقتلونه لأن صلاح الدين كان قد أقسم أنه لا يظفر بأحد منهم إلا قتله بمن قتلوا ممن بعكا‏.‏

فلما قاربوا قيسارية لاصقهم المسلمون وقاتلوهم أشد قتال فنالوا منهم نيلًا كثيرًا ونزل الفرنج بها وبات المسلمون قريبًا منهم فلما نزلوا خرج من الفرنج جماعة فأبعدوا عن جماعتهم فأوقع بهم المسلمون الذين كانوا في اليزك فقتلوا منهم وأسروا ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف وكان المسلمون قد سبقوهم إليها ولم يمكنهم مسايرتهم لضيق الطريق فلما وصل الفرنج إليهم حمل المسلمون علهم حملة منكرة وألحقوهم بالبحر ودخله بعضهم فقتل منهم كثير‏.‏

فلما رأى الفرنج ذلك اجتمعوا وحملت الخيالة على المسلمين حملة رجل واحد فولوا منهزمين لا يلوي أحد على أحد‏.‏

وكان كثير من الخيالة والسوقة قد ألفوا القيام وقت الحرب قريبًا من المعركة فلما كان ذلك اليوم كانوا على حالهم فلما انهزم المسلمون عنهم قتل خلق كثير والتجأ المنهزمون إلى القلب وفيه صلاح الدين فلو علم الفرنج أنها هزيمة لتبعوهم واستمرت الهزيمة وهلك المسلمون لكن كان بالقرب من المسلمين شعرة كثيرة الشجر فدخلوها وظنها الفرنج مكيدة فعادوا وزال عنهم ما كانوا فيه من الضيق وقتل من الفرنج كند كبير من طواغيتهم وقتل من المسلمين مملوك لصلاح الدين اسمه أياز الطويل وهو من الموصوفين بالشجاعة والشهامة لم يكن في زمانه مثله‏.‏

فلما نزل الفرنج نزل المسلمون وأعنة خيلهم بأيديهم ثم سار الفرنج إلى يافا فنزلوها ولم يكن بها أحد من المسلمين فملكوها‏.‏

ولما كان من المسلمين بأرسوف من الهزيمة ما ذكرناه سار صلاح الدين عنهم إلى الرملة واجتمع بأثقاله بها وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بتخريب عسقلان وقالوا له‏:‏ قد رأيت ما كان منا بالأمس وإذا جاء الفرنج إلى عسقلان ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها فهم لا شك يقاتلوننا لننزاح عنها فينزلوا عليها فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على عكا ويعظم الأمر علينا لأن العدو قد قوي بأخذ عكا وما فيها من الأسلحة وغيرها وضعفنا نحن بما خرج عن أيدينا ولم تطل المدة حتى نستجد غيرها‏.‏

فلم تسمح نفسه بتخريبها وندب الناس إلى دخولها وحفظها فلم يجبه أحد إلى ذلك وقالوا‏:‏ إن أردت حفظها فادخل أنت معنا أو بعض أولادك الكبار وإلا فما يدخلها منا أحد لئلا يصيبنا ما أصاب أهل عكا فلما رأى الأمر كذلك سار إلى عسقلان وأمر بتخريبها فخربت تاسع عشر شعبان وألقيت حجارتها في البحر وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية ما لا يمكن حصره وعفى أثرها حتى لا يبقى للفرنج في قصدها مطمع‏.‏

ولما سمع الفرنج بتخريبها أقاموا مكانهم ولم يسيروا إليها وكان المركيس لعنه الله لما أخذ الفرنج عكا قد أحس من ملك إنكلتار بالغدر به فهرب من عنده إلى مدينة صور وهي له وبيده وكان رجل الفرنج رأيًا شجاعة وكل هذه الحروب هو أثارها فلما خربت عسقلان أرسل إلى ملك إنكلتار يقول له‏:‏ مثلك لا ينبغي أن يكون ملكًا ويتقدم على الجيوش تسمع أن صلاح الدين قد خرب عسقلان وتقيم مكانك يا جاهل لما بلغك أنه قد شرع في تخريبها كنت سرت إليه مجدًا فرحلته وملكتها صفوًا بغير قتال ولا حصار فإنه ما خربها إلا وهو عاجز عن حفظها‏.‏

وحق المسيح لو أنني معك كانت عسقلان اليوم بأيدينا لم يخرب منها غير برج فلما خربت عسقلان رحل صلاح الدين عنها ثاني شهر رمضان ومضى إلى الرملة فخربت حصنها وخب كنيسة لد وفي مدة مقامه لتخريب عسقلان كانت العساكر مع الملك العادل أبي بكر بن أيوب نجاه الفرنج ثم سار صلا الدين إلى القدس بعد تخريب الرملة فاعتبره وما فيه من سلاح وذخائر وقرر قواعده وأسبابه وما يحتاج إليه وعاد إلى المخيم ثامن رمضان‏.‏

وفي هذه الأيام خرج ملك إنكلتار من يافا ومعه نفر من الفرنج من معسكرهم فوقع به نفر من المسلمين فقاتلوهم قتالًا شديدًا وكاد ملك إنكلتار يؤسر ففداه بعض أصحابه بنفسه فتخلص الملك وأسر ذلك الرجل‏.‏

وفيها أيضًا كانت وقعة بين طائفة من المسلمين وطائفة من الفرنج انتصر فيها المسلمون‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



421 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك الفرنج عكا



421


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك الفرنج عكا

في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة استولى الفرنج لعنهم الله على مدينة عكا وكان أول وهن دخل على من بالبلد أن الأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب كان فيها ومعه عدة من الأمراء كان هو أمثلهم وأكبرهم خرج إلى ملك إفرنسيس وبذل له تسليم البلد بما فيه على أن يطلق المسلمين الذين فيه ويمكنهم من اللحاق بسلطانهم فلم يجبه إلى ذلك فعاد علي بن أحمد إلى البلد فوهن من فيه وضعفت نفوسهم وتخاذلوا وأهمتهم أنفسهم‏.‏

ثم إن أميرين ممن كان بعكا لما رأوا ما فعلوا بالمشطوب وأن الفرنج لم يجيبوا إلى الأمان اتخذوا الليل جملًا وركبوا في شيني صغير وخرجوا سرًا من أصحابهم ولحقوا بعسكر المسلمين وهم عز الدين أرسل الأسدي وابن عز الدين جاولي ومعهم غيرهم فلما أصبح الناس ورأوا ذلك ازدادوا وهنًا إلى وهنهم وضعفًا إلى ضعفهم وأيقنوا بالعطب‏.‏

ثم إن الفرنج أرسلوا إلى صلاح الدين في معنى تسليم البلد فأجابهم إلى ذلك والشرط بينهم أن يطلق من أسراهم بعدد من في البلد ليطلقوا هم من بعكا وأن يسلم إليهم صليب الصلبوت فلم يقنعوا بما بذل فأرسل إلى من بعكا من المسلمين يأمرهم أن يخرجوا من عكا يدًا واحدة ويسيروا مع البحر ويحملوا على العدو حملة واحدة ويتركوا البلد بما فيه ووعدهم أنه يتقدم إلى تلك الجهة التي يخرجون منها بعساكره يقاتل الفرنج فيها ليلحقوا به فشرعوا في ذلك واشتغل كل منهم باستصحاب ما يملكه فما فرغوا من أشغالهم حتى أسفر الصبح فبطل ما عزموا عليه لظهوره‏.‏

فلما أصبحوا عجز الناس عن حفظ البلد وزحف إليهم الفرنج بحدهم وحديدهم فظهر من بالبلد على سوره يحركون أعلامهم ليراها المسلمون وكانت هي العلامة إذا حزبهم أمر فلما رأى المسلمون ذلك ضجوا بالبكاء والعويل وحملوا على الفرنج من جميع جهاتهم ظنًا منهم أن الفرنج يشتغلون عن الذين بعكا وصلا الدين يحرضهم وهو في أولهم‏.‏

وكان الفرنج قد زحفوا من خنادقهم ومالوا إلى جهة البلد فقرب المسلمون من خنادقهم حتى كادوا يدخلونها عليهم ويضعون السيف فيهم فوقع الصوت فعاد الفرنج ومنعوا المسلمين وتركوا في مقابلة من بالبلد من يقاتلهم‏.‏

فلما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع ولا يدفع عنهم ضرًا خرج إلى الفرنج وقرر معهم تسليم البلد وخروج من فيه بأموالهم وأنفسهم وبذلك لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المعروفين وإعادة صليب الصلبوت وأربعة عشر ألف دينار للمركيس صاحب صور فأجابوه إلى ذلك وحلفوا له عليه وأن تكون مدة تحصيل المال والأسرى إلى شهرين‏.‏

فلما حلفوا له سلم البلد إليهم ودخلوه سلمًا فلما ملكوه غدروا واحتاطوا على من فيه من المسلمين وعلى أموالهم وحبسوهم وأظهروا أنهم يفعلون ذلك ليصل إليهم ما بذل لهم وراسلوا صلاح الدين في إرسال المال والأسرى والصليب حتى يطلقوا من عندهم فشرع في جمع المال وكان هو لا مال له إنما يخرج ما يصل إليه من دخل البلاد أولًا بأول‏.‏

فلما اجتمع عنده من المال مائة ألف دينار جمع الأمراء واستشارهم فأشاروا بأن لا يرسل شيئًا حتى يعود فيستحلفهم على إطلاق أصحابه وأن يضمن الداوية ذلك لأنهم أهل تدين يرون الوفاء‏.‏

فراسلهم صلاح الدين في ذلك فقال الداوية‏:‏ لا نحلف ولا نضمن لأننا نخاف غدر من عندنا وقال ملوكهم‏:‏ إذا سلمتم إلينا المال والأسرى والصليب فلنا الخيار فيمن عندنا فحينئذ علم صلا الدين عزمهم على الغدر فلم يرسل إليهم شيئًا وأعاد الرسالة إليهم وقال‏:‏ نحن نسلم إليكم هذا المال والأسرى والصليب ونعطيكم رهنًا على الباقي وتطلقون أصحابنا وتضمن الداوية الرهن ويحلفون على الوفاء لهم فقالوا‏:‏ لا نحلف إنما ترسل إلينا المائة ألف دينار التي حصلت والأسرى والصليب ونحن نطلق من أصحابكم من نريد ونترك من نريد حتى يجيء باقي المال فعلم الناس حينئذ غدرهم وإنما يطلقون غلمان العسكر والفقراء والأكراد ومن لا يؤبه له ويمسكون عندهم الأمراء وأرباب الأموال يطلبون منهم الفداء فلم يجبهم السلطان إلى ذلك‏.‏

فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب ركب الفرنج وخرجوا إلى ظاهر البلد بالفارس والراجل وركب المسلمون إليهم وقصدوهم وحملوا عليهم فانكشفوا عن موقفهم وإذا أكثر من كان عندهم من المسلمين قتلى قد وضعوا فيهم السيف وقتلوهم واستبقوا الأمراء والمقدمين ومن كان له مال وقتلوا من سواهم من سوادهم وأصحابهم ومن لا مال له فلما رأى صلاح الدين ذلك تصرف في المال الذي كان جمعه ورد الأسرى والصليب إلى دمشق‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



420 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وصول الفرنج من الغرب في البحر إلى عكا



420


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وصول الفرنج من الغرب في البحر إلى عكا

و في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر إلى الفرنج الذين على عكا وكان أول من وصل منهم الملك فليب ملك إفرنسيس وهو من أشرف ملوكهم نسبًا وإن كان ملكه ليس بالكثير وان وصوله إليها ثاني عشر ربيع الأول ولم يكن في الكثرة التي ظنوها وإنما كان معه ست بطس وكان صلاح الدين على شفرعم فكان يركب كل يوم ويقصد الفرنج ليشغلهم بالقتال عن مزاحفة البلد وأرسل إلى الأمير أسامة مستحفظ بيروت يأمره بتجهيز ما عنده من الشواني والمراكب وتشحينها بالمقاتلة وتسييرها في البحر ليمنع الفرنج من الخروج إلى عكا ففعل ذلك وسير الشواني في البحر فصادفت خمسة مراكب مملوءة رجالًا من أصحاب ملك انكلتار الفرنج كان قد سيرهم بين يديه وتأخر هو بجزيرة قبرس ليملكها فأقبلت شواني المسلمين مع مراكب الفرنج فاستظهر المسلمون عليهم وأخذوهم وغنموا ما معهم من قوت ومتاع ومال وأسروا الرجال‏.‏

وكتب أيضًا صلاح الدين إلى من بالقرب من النواب له يأمرهم بمثل ذلك ففعلوا‏.‏

وأما الفرنج الذين على عكا فإنهم لازموا قتال من بها ونصبوا عليها سبعة مجانيق رابع جمادى الأولى فلما رأى صلاح الدين ذلك تحول من شفرعم ونزل عليهم لئلا يتعب العسكر كل يوم في المجيء إليهم والعود عنهم فقرب منهم‏.‏

وكانوا كلما تحركوا للقتال ركب وقاتلهم من وراء خندقهم فكانوا يشتغلون بقتالهم فيخف القتال عمن بالبلد‏.‏

ثم وصل ملك انكلتار ثالث عشر جمادى الأولى‏.‏

وكان قد استولى في طريقه على جزيرة قبرس وأخذها من الروم فإنه لما وصل إليها غدر بصاحبها وملكها جميعًا فكان ذلك زيادة في ملكه وقوة للفرنج فلما فرغ منها سار عنها إلى من على عكا من الفرنج فوصل إليهم في خمس وعشرين قطعة كبارًا مملوءة رجالًا وأموالًا فعظم به شر الفرنج واشتدت نكايتهم في المسلمين‏.‏

وكان رجل زمانه شجاعة ومكرًا وجلدًا وصبرًا وبلي المسلمون منه بالداهية التي لا مثل لها‏.‏

ولما وردت الأخبار بوصوله أمر صلاح الدين بتجهيز بطسة كبيرة مملوءة من الرجال والعدة والقوت فجهزت وسيرت من بيروت وفيها سبع مائة مقاتل فلقيها ملك إنكلتار مصادفة فقاتلها وصبر من فيها على قتالها فلما أيسوا من الخلاص نزل مقدم من بها إلى أسفلها وهو يعقوب الحلبي مقدم الجندارية يعرف بغلام ابن شقين فخرقها خرقًا واسعًا لئلا يظفر الفرنج بمن فيها وما معهم من الذخائر فغرق جميع ما فيها‏.‏

وكانت عكا محتاجة إلى رجال لما ذكرناه من سبب نقصهم ثم إن الفرنج عملوا دبابات زحفوا بها فأحرق المسلمون بعضها وأخذوا بعضها ثم عملوا كباشًا وزحفوا بها فخرج المسلمون وقاتلوهم بظاهر البلد وأخذوا تلك الكباش فلما رأى الفرنج أن ذلك جميعه لا ينفعهم عملوا تلًا كبيرًا من التراب مستطيلًا وما زالوا يقربونه إلى البلد ويقاتلون من ورائه لا ينالهم من البلد أذى حتى صار على نصف علوه فكانوا يستظلون به ويقاتلون من خلفه فلم يكن للمسلمين فيه حيلة لا بالنار ولا بغيرها فحينئذ عظمت المصيبة على من بعكا من المسلمين فأرسلوا إلى


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



419 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عبور تقي الدين الفرات وملكه حران



419


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عبور تقي الدين الفرات وملكه حران

وغيرها من البلاد الجزرية ومسيره إلى خلاط ومؤتة في هذه السنة في صفر سار تقي الدين من الشام إلى البلاد الجزرية‏:‏ حران والرها كان قد أقطعه إياها عمه صلاح الدين بعد أخذها من مظفر الدين مضافًا إلى ما كان له بالشام وقرر معه أنه يقطع البلاد للجند ويعود وهم معه إليه ليتقوى بهم على الفرنج فلما عبر الفرات وأصلح حال البلاد سار إلى ميافارقين وكانت له فلما بلغها تجدد له طمع في غيرها من البلاد المجاورة لها فقصد مدينة حاني من ديار بكر فحصرها وملكها وكان في سبع مائة فارس فلما سمع سيف الدين بكتمر صاحب خلاط بملكه حاني جمع عساكره وسار إليه فاجتمعت عساكره أربعة آلاف فارس فلما التقوا اقتتلوا فلم يثبت عسكر خلاط لتقي الدين بل انهزموا وتبعهم تقي الدين ودخل بلادهم‏.‏

وكان بكتمر قد قبض على مجد الدين بن رشيق وزير صاحبه شاه أرمن وسجنه في قلعة هناك فلما انهزم كتب إلى مستحفظ القلعة يأمره بقتل ابن رشيق فوصل القاصد وتقي الدين قد نازل القلعة فأخذ الكتاب وملك القلعة وأطلق ابن رشيق وسار إلى خلاط فحصرها ولم يكن في كثرة من العسكر فليم يبلغ منها غرضًا فعاد عنها وقصد ملازكرد وحصرها وضيق على من بها وطال مقامه عليها فلما ضاق عيهم الأمر طلبوا منه المهلة أيامًا ذكروها فأجابهم إليها‏.‏

ومرض تقي الدين فمات قبل انقضاء الأجل بيومين وتفرقت العساكر عنها وحمله ابنه وأصحابه ميتًا إلى ميافارقين وعاد بكتمر فقوي أمره وثبت ملكه بعد أن أشرف على الزوال وهذه الحادثة من الفرج بعد الشدة فإن ابن رشيق نجا من القتل وبكتمر نجا من أن يؤخذ‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



418 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر حصر عز الدين صاحب الموصل الجزيرة



418


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر حصر عز الدين صاحب الموصل الجزيرة

ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


417 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير = ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة



417


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

= ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة

== ذكر حصر عز الدين صاحب الموصل الجزيرة
== ذكر عبور تقي الدين الفرات وملكه حران
== ذكر وصول الفرنج من الغرب في البحر إلى عكا
== ذكر ملك الفرنج عكا
== ذكر رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان
== ذكر رحيل الفرنج إلى نطرون
== ذكر عود الفرنج إلى الرملة
== ذكر قتل قزل أرسلان
== ذكر عدة حوادث


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

416 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث



416


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة في ربيع الأول تسلم الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة وكان سير إليها جيشًا حصروها سنة خمس وثمانين فقاتلوا عليها قتالًا شديدًا ودام الحصار وقتل من الفريقين خلق كثير فلما ضاقت عليهم الأقوات سلموها على أقطاع عينوها ووصل صاحبها وأهلها إلى بغداد وأعطوا أقطاعًا ثم تفرقوا في البلاد واشتدت الحاجة بهم حتى رأيت بعضهم وإنه ليتعرض و في هذه السنة توفي مسعود بن النادر الصفار ببغداد وكان مكثرًا من الحديث حسن الخط خيرًا ثقة‏.‏

وفيها توفي أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري بالموصل وكان قاضيها وقبلها ولي قضاء حلب وجميع الأعمال بها وكان رئيسًا جوادًا ذا مروءة عظيمة يرجع إلى دين وأخلاق جميلة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


415 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه بخراسان



415


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه بخراسان

كان سلطان شاه أخو خوارزم شاه قد تعرض إلى بلاد غياث الدين ومعز الدين ملكي الغورية من خراسان فتجهز غياث الدين وخرج من فيروزكوه إلى خراسان سنة خمس وثمانين وخمسمائة فبقي يتردد بين بلاد الطالقان وبنجده ومرو وغيرها يريد حرب سلطان شاه فلم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ست وثمانين فجمع سلطان شاه عساكره وقصد غياث الدين فتصافًا واقتتلا فانهزم سلطان شاه وأخذ غياث الدين بعض بلاده وعاد إلى غزنة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

414 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين



414


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين

في هذه السنة ملك ابن الرنك وهو من ملوك الفرنج غرب بلاد الأندلس مدينة شلب وهي من كبار مدن المسلمين بالأندلس واستولى عليها فوصل الخبر بذلك إلى الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب الغرب والأندلس فتجهز في العساكر الكثيرة وسار إلى الأندلس وعبر المجاز وسير طائفة كثيرة من عسكره في البحر ونازلها وحصرها وقاتل من بها قتالًا شديدًا حتى ذلوا وسألوا الأمان فأمنهم وسلموا البلد وعادوا إلى بلادهم‏.‏

وسير جيشًا من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة وفتكوا في الفرنج فخافهم ملك طليطلة من الفرنج وأرسل يطلب الصلح فصالحه خمس سنين وعاد أبو يوسف إلى مراكش وامتنع من هذه الهدنة طائفة من الفرنج لم يرضوها ولا أمكنهم إظهار الخلاف فبقوا متوقفين حتى دخلت سنة تسعين وخمسمائة فتحركوا‏.‏ وسنذكر خبرهم هناك إن شاء الله تعالى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


413 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر تسيير البدل إلى عكا والتفريط فيه حتى أخذت



413


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر تسيير البدل إلى عكا والتفريط فيه حتى أخذت

لما هجم الشتاء وعصفت الرياح خاف الفرنج على مراكبهم التي عندهم لأنها لم تكن في الميناء فسيروها إلى بلاد صور والجزائر فانفتح الطريق إلى عكا في البحر فأرسل أهلها إلى صلاح الدين يشكون الضجر والملل والسآمة وكان بها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين مقدمًا على جندها فأمر صلاح الدين بإقامة البدل وإنفاذه إليها وإخراج من فيها وأمر أخا الملك العادل بمباشرة ذلك فانتقل إلى جانب البحر ونزل تحت جبل حيفا وجمع المراكب والشواني وكلما جاءه جماعة من العسكر سيرهم إليها وأخرج عوضهم فدخل إليها عشرون أميرًا وكان بها ستون أميرًا فكان الذين دخلوا قليلًا بالنسبة إلى الذين خرجوا وأهمل نواب صلاح الدين تجنيد الرجال وإنفاذهم‏.‏

وكان على خزانة ماله قوم من النصارى وكانوا إذا جاءهم جماعة قد جندوا تعنتوهم بأنواع شتى تارة بإقامة معرفة وتارة بغير ذلك فتفرق بهذا السبب خلق كثير وانضاف إلى ذلك تواني صلاح الدين ووثوقه بنوابه وإهمال النواب فانحسر الشتاء والأمر كذلك وعادت مراكب الفرنج إلى عكا وانقطع الطريق إلا من سابح يأتي بكتاب‏.‏

وكان من جملة الأمراء الذين دخلوا إلى عكا سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وعز الدين أرسل مقدم الأسدية بعد جاولي وابن جاولي وغيرهم وكان دخولهم عكا أول سنة سبع وثمانين وكان قد أشار جماعة على صلاح الدين بأن يرسل إلى من بعكا النفقات الواسعة والذخائر والأقوات الكثيرة ويأمرهم بالمقام فإنهم قد جربوا وتدربوا واطمأنت نفوسهم على ما هم فيه فلم يفعل وظن فيهم الضجر والملل وأن ذلك يحملهم على العجز والفشل فكان الأمر بالضد‏.‏

كان زين الدين يوسف بن زين الدين علي صاحب إربل قد حضر عند صلاح الدين بعساكره فمرض ومات ثامن عشر شهر رمضان وذكر العماد الكاتب في كتابه البرق الشامي قال‏:‏ جئنا إلى مظفر الدين نعزيه بأخيه وظننًا به الحزن وليس له أخ غيره ولا ولد يشغله عنه فإذا هو في شغل شاغل عن العزاء مهتم بالاحتياط على ما خلفه وهو جالس في خيام أخيه المتوفي وقد قبض على جماعة من أمرائه واعتقلهم وعجل عليهم وما أغفلهم منهم بلداجي صاحب قلعة خفتيذكان وأرسل إلى صلاح الدين يطلب منه إربل لنزل عن حران والرها فأقطعه إياها وأضاف إليها شهرزور وأعمالها ودربند قرابلي وبنيث قفجاق ولما مات زين الدين كاتب من كان بإربل مجاهد الدين قايماز لهواهم فيه وحسن سيرته فيهم وطلبوه إليهم لملكوه فلم يجسر هو ولا صاحبه عز الدين أتابك مسعود بن مودود على ذلك خوفًا من صلاح الدين‏.‏

وكان أعظم الأٍسباب في تركها أن عز الدين كان قد قبض على مجاهد الدين فتمكن زين الدين من إربل ثم إن عز الدين أخرج مجاهد الدين من القبض وولاه نيابته وقد ذكرنا ذلك أجمع‏.‏

فلما ولاه النيابة عنه لم يمكنه وجعل معه إنسانًا كان من بعض غلمان مجاهد الدين فكان يشاركه في الحكم ويحل عليه ما يعقده فلحق مجاهد الدين من ذلك غيظ شديد فلما طلب إلى إربل قال لمن يثق به‏:‏ لا أفعل لئلا يحكم فيها فلان ويكف يدي عنها فجاء مظفر الدين إليها وملكها وبقي غصة في حلق البيت الأتابكي لا يقدرون على إساغتها‏.‏

وسنذكر ما اعتمده معهم مرة بعد أخرى إن شاء الله تعالى‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




412 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر خروج الفرنج من خنادقهم



412


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر خروج الفرنج من خنادقهم

لما تتابعت الأمداد إلى الفرنج وجند لهم الكند هري جمعًا كثيرًا بالأموال التي وصلت معه عزموا على الخروج من خنادقهم ومناجزة المسلمين فتركوا على عكا من يحصرها ويقاتل أهلها وخرجوا حادي عشر شوال في عدد كالرمل كثرة وكالنار جمرة فلما رأى صلاح الدين ذلك نقل أثقال المسلمين إلى قيمون وهو على ثلاثة فراسخ عن عكا وكان قد عاد إليه من فرق من عساكره لما هلك ملك الألمان ولقي الفرنج على تعبئة حسنة‏.‏

وكان أولاده الأفضل علي والظاهر غازي والظافر مما يلي القلب وأخوه العادل أبو بكر في الميمنة ومعه عساكر مصر ومن انضم إليهم وكان في الميسرة عماد الدين صاحب سنجار وتقي الدين صاحب حماة ومعز الدين سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر مع جماعة من أمرائه واتفق أن صلاح الدين أخذه مغس كان يعتاده فنصب له خيمة صغيرة على تل مشرف على العسكر ونزل فيها ينظر إليهم فسار الفرنج شرقي نهر هناك حتى وصلوا إلى رأس النهر فشاهدوا عساكر الإسلام وكثرتها فارتاعوا لذلك ولقيهم الجالشية وأمطروا عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس فلما رأوا ذلك تحولوا إلى غربي النهر ولزمهم الجالشية يقاتلونهم والفرنج قد تجمعوا ولزم بعضهم بعضًا وكان غرض الجالشية أن تحمل الفرنج عليهم فيلقاهم المسلمون ويلتحم القتال فيكون الفصل ويستريح الناس وكان الفرنج قد ندموا على مفارقة خنادقهم فلزموا مكانهم وباتوا ليلتهم تلك‏.‏

فلما كان الغد عادوا نحو عكا ليعتصموا بخندقهم والجالشية في أكتافهم يقاتلونهم تارة بالسيوف وتارة بالرماح وتارة بالسهام وكلما قتل من الفرنج قتيل أخذوه معهم لئلا يعلم المسلمون ما أصابهم فلولا ذلك الألم الذي حدث بصلاح الدين لكانت هي الفصيل وإنما لله أمر هو بالغه فلما بلغ الفرنج خندقهم ولم يكن لهم بعدها ظهور منه عاد المسلمون إلى خيامهم وقد قتلوا وفي الثالث والعشرين من شوال أيضًا كمن جماعة من المسلمين وتعرض للفرنج جماعة أخرى فخرج إليهم أربع مائة فارس فقاتلهم المسلمون شيئًا من قتال وتطاردوا لهم وتبعهم الفرنج حتى جازوا الكمين فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد‏.‏

واشتد الغلاء على الفرنج حتى بلغت غرارة الحنطة أكثر من مائة دينار صوري فصبروا على هذا وكان المسلمون يحملون إليهم الطعام من البلدان منهم الأمير أسامة مستحفظ بيروت كان يحمل الطعام وغيره ومنهم سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب كان يحمل من صيدا أيضًا إليهم وكذلك من عسقلان وغيرها ولولا ذلك لهلكوا جوعًا خصوصًا في الشتاء عند انقطاع مراكبهم عنهم لهياج البحر‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


411 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكا



411


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكا

و في هذه السنة في العشرين من جمادى الآخرة خرجت الفرنج فأرسلها وراجلها من وراء خنادقهم وتقدموا إلى المسلمين وهم كثير لا يحصى عددهم وقصدوا نحو عسكر مصر ومقدمهم الملك العادل أبو بكر بن أيوب وكان المصريون قد ركبوا واصطفوا للقاء الفرنج فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا فانحاز المصريون عنهم ودخل الفرنج خيامهم ونهبوا أموالهم فعطف المصريون عليهم فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق الفرنج فقطعوا المدد عن أصحابهم الذين خرجوا وكانوا متصلين كالنمل فلما انقطعت أمدادهم ألقوا بأيديهم وأخذتهم السيوف من كل ناحية فلم ينج منهم إلا الشريد وقتل منهم مقتلة عظيمة يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل‏.‏

وكانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر وكان مقدمهم علاء الدين خرمشاه بن عز الدين مسعود صاحب الموصل فحملوا أيضًا على الفرنج وبالغوا في قتالهم ونالوا منهم نيلًا كثيرًا هذا جميعه ولم يباشر القتال أحد من الحلقة التي مع صلاح الدين ولا أحد من الميسرة وكان بها عماد الدين زنكي صاحب سنجار وعسكر إربل وغيرهم‏.‏

ولما جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم ولانت عريكتهم وأشار المسلمون على صلاح الدين بمباكرتهم القتال ومناجزتهم وهم على هذه الحال من الهلع والجزع فاتفق أنه وصله من الغد كتاب من حلب يخبر فيه بموت ملك الألمان وما أصاب أصحابه من الموت والقتل والأسر وما صار أمرهم إليه من القلة والذلة واشتغل المسلمون بهذه البشرى والفرح بها عن قتال من بإزائهم وظنوا أن الفرنج إذا بلغهم هذا الخبر ازدادوا وهنًا على وهنهم وخوفًا على خوفهم فلما كان بعد يومين أتت الفرنج أمداد في البحر مع كند كبير من الكنود البحرية يقال له الكند هري ابن أخي ملك إفرنسيس لأبيه وابن أخي ملك انكلتار لأمه ووصل معه من الأموال شيء كثير يفوق الإحصاء فوصل إلى الفرنج فجند الأجناد وبذل الأموال فعادت نفوسهم فقويت واطمأنت وأخبرهم أن الأمداد واصلة إليهم يتلو بعضها بعضًا فتماسكوا وحفظوا مكانهم ثم أظهروا أنهم يريدون الخروج إلى لقاء المسلمين وقتالهم فانتقل صلاح الدين من مكانه إلى الخروبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة ليتسع المجال وكانت المنزلة قد أنتنت بريح القتلى‏.‏

ثم إن الكند هري نصب منجنيقًا ودبابات وعرادات فخرج من بعكا من المسلمين فأخذوها وقتلوا عندها كثيرًا من الفرنج ثم إن الكند هري بعد أخذ مجانيقه أراد أن ينصب منجنيقًا فلم يتمكن من ذلك لأن المسلمين بعكا كانوا يمنعون من عمل ستائر يستتر بها من يرمي من المنجنيق فعمل تلًا من تراب بالبعد من البلد‏.‏

ثم إن الفرنج كانوا ينقلون التل إلى البلد بالتدريج ويستترون به ويقربونه إلى البلد فلما صار من البلد بحيث يصل من عنده حجر منجنيق نصبوا وراءه منجنيقين وصار التل سترة لهما وكانت الميرة قد قلت بعكا فأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية يأمرهم بإنفاذ الأقوات واللحوم وغير ذلك في المراكب إلى عكا فتأخر إنفاذها فسير إلى نائبه بمدينة بيروت في ذلك فسير بطسة عظيمة مملوءة من كل ما يريدونه وأمر من بها فلبسوا ملبس الفرنج وتشبهوا بهم ورفعوا عليها الصلبان فلما وصلوا إلى عكا لم يشك الفرنج أنها لهم فلم يتعرضوا لها فلما حاذت ميناء عكا أدخلها من بها ففرح بها المسلمون وانتعشوا وقيت نفوسهم وتبلغوا بما فيها إلى أن أتتهم الميرة من الإسكندرية‏.‏

وخرجت ملكة من الفرنج من داخل البحر في نحو ألف مقاتل فأخذت بنواحي الإسكندرية وأخذ من معها ثم إن الفرنج وصلهم كتاب من بابا وهو كبيرهم الذي يصدرون عن أمره وقوله عندهم كقول النبيين لا يخالف والمحروم عندهم من حرمه والمقرب من قربه وهو صاحب رومية الكبرى يأمرهم بملازمة ما هم بصدده ويعلمهم أنه قد أرسل إلى جميع الفرنج يأمرهم بالمسير إلى نجدتهم برًا وبحرًا ويعلمهم بوصول الأمداد إليهم فازدادوا قوة وطمعًا‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



410 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام



410


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام

في هذه السنة خرج ملك الألمان من بلاده وهم نوع من الفرنج من أكثرهم عددًا وأشدهم بأسًا وكان قد أزعجه ملك الإسلام البيت المقدس فجمع عساكره وأزاح علتهم وسار عن بلاده وطريقه على القسطنطينية فأرسل ملك الروم بها إلى صلاح الدين يعرفه الخبر ويعد أنه لا فلما وصل ملك الألمان إلى القسطنطينة عجز ملكها عن منعه من العبور لكثرة جموعه لكنه منع عنهم الميرة ولم يمكن أحدًا من رعيته من حمل ما يريدونه إليهم فضاقت بهم الأزواد والأقوات وساروا حتى عبروا خليج القسطنطينية وصاروا على أرض بلاد الإسلام وهي مملكة الملك قلج أرسلان ابن مسعود بن سليمان بن قتلمش بن سلجق‏.‏

فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأوج فما زالوا يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقون ما قدروا عليه وكان الزمان شتاء والبرد يكون في تلك البلاد شديدًا والثلج متراكمًا فأهلكهم البرد والجوع والتركمان فقل عددهم‏.‏

فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ليمنعهم فلم يكن له بهم قوة فعاد إلى قونية وبها أبوه قد حجر ولده المذكور عليه وتفرق أولاده في بلاده وتغلب كل واحد منهم على ناحية منها فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره فنازلوا قونية وأرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا له‏:‏ ما قصدنا بلادك ولا أردناها وإنما قصدنا البيت المقدس وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره فأذن في ذلك فأتاهم ما يريدون فشبعوا وتزودوا وساروا ثم طلبوا من قطب الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم وأن يسلم إليهم جماعة من أمرائه رهائن وكان يخافهم فسلم إليهم نيفًا وعشرين أميرًا كان يكرههم فساروا بهم معهم ولم يمتنع اللصوص وغيرهم من قصدهم والتعرض إليهم فقبض ملك الألمان على من منعه من الأمراء وقيدهم فمنهم من هلك في أسره ومنهم من فدى نفسه‏.‏

وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون فأمدهم بالأقوات والعلوفات وحكمهم في بلاده وأظهر الطاعة لهم ثم ساروا نحو أنطاكية وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده ودخل ملكهم إليه ليغتسل فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى الله شره‏.‏

وكان معه ولد له فصار ملكًا بعده وسار إلى أنطاكية فاختلف أصحابه عليه فأحب بعضهم العود إلى بلاده فتخلف عنه وبعضهم مال إلى تمليك أخ له فعاد أيضًا وسار فيمن صحت نيته له فعرضهم وكانوا نيفًا وأربعين ألفًا ووقع فيهم الوباء والموت فوصلوا إلى أنطاكية وكأنهم قد نبشوا من القبور فتبرم بهم صاحبها وحسن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكا فساروا على جبلة ولاذقية وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون وخرج أهل حلب وغيرها إليهم وأخذوا منهم خلقًا كثيرًا ومات أكثر ممن أخذ فبلغوا طرابلس وأقاموا بها أيامًا فكثر فيهم الموت فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا ولما وصولا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد‏.‏

وكان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم ويعده أنه يمنعهم من العبور في بلاده فلما عبروها وخلفوها أرسل يعتذر بالعجز عنهم لأن أولاده حكموا عليه وحجروا عليه وتفرقوا عنه وخرجوا عن طاعته‏.‏

وأما صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان فإنه استشار أصحابه فأشار كثير منهم عليه بالمسير إلى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتصلوا بمن على عكا فقال‏:‏ بل نقيم إلى أن يقربوا منا وحينئذ نفعل ذلك لئلا يستسلم من بعكا من عساكرنا لكنه سير بعض من عنده من العساكر منها عسكر حلب وجبلة ولاذقية وشيزر وغير ذلك إلى أعمال حلب ليكونوا في أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم وكان حال المسلمين كما قال الله عز وجل‏:‏ ‏ «‏إذ جاءكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا‏» ‏ ‏ «‏الأحزاب 10‏:‏ 11‏» ‏‏.‏ فكفى الله شرهم ورد كيدهم في نحرهم‏.‏

ومن شدة خوفهم أن بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية وكان أخي رحمه الله يتولاها فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن فأرسل إليه في بيع الغلة فوصل كتابه يقول‏:‏ لا تبع الحبة الفرد واستكثر لنا من التبن ثم بعد ذلك وصل كتابه يقول‏:‏ تبيع الطعام فما بنا حاجة إليه ثم إن ذلك الأمير قدم الموصل فسألناه عن المنع من بيع الغلة ثم الإذن فيها بعد مدة يسيرة فقال‏:‏ لما وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنا أننا ليس لنا بالشام مقام فكتبت بالمنع من بيع الغلة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا إليكم فلما أهلكهم الله تعالى وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


409 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر إحراق الأبراج ووقعة الأسطول


409


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر إحراق الأبراج ووقعة الأسطول

كان الفرنج في مدة مقامهم على عكا قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدًا طول كل برج منها في السماء ستون ذراعًا وعملوا كل برج منها خمس طبقات كل طبقة مملوءة من المقاتلة وقد جمعوا أخشابها من الجزائر فإن مثل هذه الأبراج العظيمة لا يصلح لها من الخشب إلا القليل النادر وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها وأصلحوا الطرق لها وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات وزحفوا بها في العشرين من ربيع الأول فأشرفت على السور وقاتل من بها من عليه فانكشفوا وشرعوا في طم خندقها فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرًا‏.‏

فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانًا سبح في البحر فأعلمه ما هم فيه من الضيق وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم فركب هو وعساكره وتقدموا إلى الفرنج وقاتلوهم من جميع جهاتهم قتالًا عظيمًا دائمًا يشغلهم عن مكاثرة البلد فافترق الفرنج فرقتين‏:‏ فرقة تقاتل صلاح الدين وفرقة تقاتل أهل عكا إلا أن الأمر قد خف عمن بالبلد ودام القتال ثمانية أيام متتابعة آخرها الثامن والعشرون من الشهر وسئم الفريقان القتال وملوا منه لملازمته ليلًا ونهارًا والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج فإنهم لم يتركوا حيلة إلا وعملوها فلم يفد ذلك ولم يغن عنهم شيئًا وتابعوا رمي النفط الطيار عليها فلم يؤثر فيها فأيقنوا بالبوار والهلاك فأتاهم الله بنصر من عنده وإذن في إحراق الأبراج‏.‏

وكان سبب ذلك أن إنسانًا من أهل دمشق كان مولعًا بجمع آلات النفاطين وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار فكان من يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه وهو يقول‏:‏ هذه حالة لا أباشرها بنفسي إنما أشتهي معرفتها وكان بعكا لأمر يريده الله فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرهما فلما فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها وقال له‏:‏ تأمر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتى أحرقه‏.‏

وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد ومن فيه ما يكاد يقتله فازداد غيظًا بقوله وحرد عليه فقال له‏:‏ قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمي بالنفط وغيره فلم يفلحوا فقال له من حضر‏:‏ لعل الله تعالى قد جعل الفرنج على يد هذا ولا يضرنا أن نوافقه على قوله فأجابه إلى ذلك وأمر المنجنيقي بامتثال أمره فرمى عدة قدور نفطًا وأدوية ليس فيها نار فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئًا يصيحون ويرقصون ويلعبون على سطح البرج حتى إذا علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج ألقى قدرًا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج وألقى قدرًا ثانية وثالثة فاضطرمت النار في نواحي البرج وأعجلت من في طبقاته الخمس عن الهرب والخلاص فاحترق هو ومن فيه وكان فيه من الزرديات والسلاح شيء كثير‏.‏

وكان طمع الفرنج بما رأوا أن القدور الأولى لا تعمل شيئًا يحملها على الطمأنينة وترك السعي في الخلاص حتى عجل الله لهم النار في الدنيا قبل الآخرة فلما احترق البرج الأول انتقل إلى الثاني وقد هرب من فيه لخوفهم فأحرقه وكذلك الثالث وكان يومًا مشهودًا لم ير الناس مثله والمسلمون ينظرون ويفرحون وقد أسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحًا بالنصر وخلاص المسلمين من القتل لأنهم ليس فيهم أحد ألا وله في البلد إما نسيب وإما صديق‏.‏

وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة والإقطاع الكثير فلم يقبل منه الحبة الفرد وقال‏:‏ إنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه‏.‏

وسيرت الكتب إلى البلاد بالبشائر وأرسل يطلب العساكر الشرقية فأول من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي وهو صاحب سنجار وديار الجزيرة ثم أتاه علاء الدين ولد عز

الدين مسعود بن مودود بن زنكي سيره أبوه مقدمًا على عسكره وهو صاحب الموصل ثم وصل زين الدين يوسف صاحب إربل وكان كل منهم إذا وصل يتقدم إلى الفرنج بعسكره وينضم إليه غيرهم ويقاتلونهم ثم ينزلون‏.‏

ووصل الأسطول من مصر فلما سمع الفرنج بقربه منهم جهزوا إلى طريقه أسطولًا ليلقاه ويقاتله فركب صلاح الدين في العساكر جميعها وقاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الأسطول ليتمكن من دخول عكا فلم يشتغلوا عن قصده بشيء فكان القتال بين الفريقين برًا وبحرًا وكان يومًا مشهودًا لم يؤرخ مثله وأخذ المسلمون من الفرنج مركبًا بما فيه من الرجال والسلاح وأخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك إلا أن القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين ووصل الأسطول الإسلامي سالمًا‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

408 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وقعة الفرنج واليزك وعود صلاح الدين إلى منازلة الفرنج



408


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وقعة الفرنج واليزك وعود صلاح الدين إلى منازلة الفرنج

قد ذكرنا رحيل صلاح الدين عن عكا إلى الخروبة لمرضه فما برأ أقام بمكانه إلى أن ذهب الشتاء وفي مدة مقامه بالخروبة كان يزكه وطلائعه لا تنقطع عن الفرنج‏.‏

فلما دخل صفر من سنة ست وثمانين وخمسمائة سمع الفرنج أن صلاح الدين قد سار للصيد ورأى العسكر الذي ي اليزك عندهم قليلًا وأن الوحل الذي في مرج عكا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك فاغتنموا ذلك وخرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر فقاتلهم المسلمون وحموا أنفسهم بالنشاب وأحجم الفرنج عنهم وحتى فني نشابهم فحملوا عليهم حينئذ حملة رجل واحد فاشتد القتال وعظم الأمر وعلم المسلمون أنه لا ينجيهم إلا الصبر وصدق القتال فقاتلوا قتال مستقتل إلى أن جاء الليل وقتل من الفريقين جماعة كثيرة وعاد الفرنج إلى خندقهم‏.‏

ولما عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع خبر الوقعة فندب الناس إلى نصر إخوانهم فأتاه الخبر أن الفرنج عادوا إلى خندقهم فأقام ثم إنه رأى الشتاء قد ذهب وجاءته العساكر من البلاد القريبة منه دمشق وحمص وحماة وغيرها فتقدم من الخروبة نحو عكا فنزل بتل كيسان وقاتل الفرنج كل يوم ليشغلهم عن قتال من بعكا من المسلمين فكانوا يقاتلون الطائفين ولا يسأمون‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



407 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث


407

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة في صفر خطب لولي العهد أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد ونثرت الدنانير والدراهم وأرسل إلى البلاد في إقامة الخطبة ففعل ذلك‏.‏

وفيها في شوال ملك الخليفة تكريت وسب ذلك أن صاحبها وهو الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة بعده فسير الخليفة إليهم عسكرًا فحصروها وتسلموها ودخل أصحابه إلى بغداد فأعطوا أقطاعًا‏.‏

وفيها في صفر فتح الرباط الذي بناه الخليفة بالجانب الغربي من بغداد وحضر الخلق العظيم فكان يومًا مشهودًا‏.‏

و في هذه السنة في رمضان مات شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد ابن هبة الله بن أبي عصرون الفقيه الشافعي بدمشق وكان قاضيها وأضر وولي القضاء بعده ابنه وكان الشيخ وفيها في ذي القعدة توفي الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري بالخروبة مع صلاح الدين وهو من أعيان أمراء عسكره ومن قدماء الأسدية وكان فقيهًا جنديًا شجاعًا كريمًا ذا عصبية ومروءة وهو من أصحاب الشيخ الإمام أبي القاسم بن البرزي تفقه عليه بجزيرة ابن عمر ثم اتصل بأسد الدين شيركوه فصار إمامًا له فرأى من شجاعته ما جعل له أقطاعًا وتقدم عند صلاح الدين تقدمًا عظيمًا‏.‏

وفيها في صفر توفي شيخنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان المعروف بابن أفضل الزمان بمكة وكان رحمه الله عالمًا متبحرًا في علوم كثيرة خلاف فقه مذهبه والأصولين والحساب والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغير ذلك وختم أعماله بالزهد ولبس الخشن وأقام بمكة حرسها الله تعالى مجاورًا فتوفي بها وكان من أحسن الناس صحبة وخلقًا‏.‏

وفيها في ذي القعدة مات أبو طالب المبارك بن المبارك بن المبارك الكرخي مدرس النظامية وكان من أصحاب أبي الحسن بن الخل وكان صالحًا خيرًا له عند الخليفة والعامة حرمة عظيمة وجاه عريض وكان حسن الخط يضرب به المثل‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


406 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وصول عسكر مصر والأسطول المصري في البحر



406


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وصول عسكر مصر والأسطول المصري في البحر

في منتصف شوال وصلت العساكر المصرية ومقدمها الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب فلما وصل قويت نفوس الناس به وبمن معه واشتدت ظهورهم وأحضر معه من آلات الحصار من الدرق والطارقيات والنشاب والأقواس شيئًا كثيرًا ومعهم من الرجالة الجم الغفير وجمع صلاح الدين من البلاد الشامية راجلًا كثيرًا وهو على عزم الزحف إليهم بالفارس والراجل‏.‏

ووصل بعده الأسطول المصري ومقدمه الأمير لؤلؤ وكان شهمًا شجاعًا مقدامًا خبيرًا بالبحر والقتال فيه ميمون النقيبة فوصل بغتة فوقع على بطسة كبيرة للفرنج فغنمها وأخذ منها أموالًا كثيرة وميرة عظيمة فأدخلها إلى عكا فسكنت نفوس من بها بوصول الأسطول وقوي جنانهم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

405 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج وتمكنهم من حصر عكا ذكر وقعة أخرى



405


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج وتمكنهم من حصر عكا

ذكر وقعة أخرى

ووقعة العرب ثم إن المسلمين نهضوا إلى الفرنج من الغد وهو سادس شعبان عازمين على بذل جهدهم واستنفاد وسعهم في اسئصالهم فتقدموا على تعبئتهم فرأوا الفرنج حذرين محتاطين قد ندموا على ما فرطوا فيه بالأمس وهم قد حفظوا أطرافهم ونواحيهم وشرعوا في حفر خندق يمنع من الوصول إليهم فألح المسلمون عليهم في القتال فلم يتقدم الفرنج إليهم ولا فارقوا مرابضهم فلما رأى المسلمون ذلك عادوا عنهم‏.‏

ثم إن جماعة من العرب بلغهم أن الفرنج تخرج من الناحية الأخرى إلى الاحتطاب وغيره من أشغالهم فكمنوا لهم في معاطف النهر ونواحيه سادس عشر شعبان فلما خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب فقتلوهم عن آخرهم وغنموا ما كان معهم وحملوا الرؤوس إلى صلاح الدين فأحسن إليهم وأعطاهم الخلع‏.‏

لما كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون إلى العشرين من شعبان كل يوم يغادرون القتال مع الفرنج ويرواحونه والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يفارقونه ثم إن الفرنج اجتمعوا للمشورة فقالوا‏:‏ إن عسكر مصر لم يحضر والحال مع صلاح الدين هكذا فكيف يكون إذا حضر والرأي أننا نلقي المسلمين غدًا لعلنا نظفر بم قبل اجتماع العساكر والأمداد إليهم‏.‏

وكان كثير من عسكر صلاح الدين غائبًا عنه بعضها مقابل أنطاكية ليردوا عادية بيمند صاحبها عن أعمال حلب وبعضها في حمص مقابل طرابلس لتحفظ ذلك الثغر أيضًا وعسكر في مقابل صور لحماية ذلك البلد وعسكر بمصر يكون بثغر دمياط والإسكندرية وغيرهما والذي بقي من عسكر مصر كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم كما ذكرناه قبل وكان هذا مما أطمع الفرنج في الظهور إلى قتال المسلمين‏.‏

وأصبح المسلمون على عادتهم منم من يتقدم إلى القتال ومنهم من هو في خيمته ومنهم من قد توجه في حاجته من زيارة صديق وتحصيل ما يحتاج إليه هو وأصحابه ودوابه إلى غير ذلك فخرج الفرنج من معسكرهم كأنهم الجراد المنتشر يدبون على وجه الأرض قد ملأوها طولًا وعرضًا وطلبوا ميمنة المسلمين وعليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فلما رأى الفرنج نحوه قاصدين حذر هو وأصحابه فتقدموا إليه فلما قربوا منه تأخر عنهم‏.‏

فلما رأى صلاح الدين الحال وهو في القلب أمد تقي الدين برجال من عنده ليتقوى بهم وكان عسكر ديار بكر وبعض الشرقيين في جناح القلب فلما رأى الفرنج قلة الرجال في القلب وأن كثيرًا منهم قد سار نحو الميمنة مددًا لهم عطفوا على القلب فحملوا حملة رجل واحد فاندفعت العساكر بين أيديهم منهزمين وثبت بعضهم فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي الفقيه عيس وكان والي بعضهم فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي الفقيه عيسى وكان والي البيت المقدس قد جمع بين الشجاعة والعلم والدين وكالحاجب خليل الهكاري وغيرهم من الشجعان الصابرين في مواطن الحرب ولم يبق بين أيديهم في القلب من يردهم فقصدوا التل الذي عليه خيمة صلاح الدين فقتلوا من مروا به ونهبوا وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة منهم شيخنا جمال الدين أبو علي بن رواحة الحموي وهو من أهل العلم وله شعر حسن وما ورث الشهادة من بعيد فإن جده عبد الله بن رواحة صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتله الروم يوم مؤتة وهذا قتله الفرنج يوم عكا وقتلوا غيره وانحدروا إلى الجانب الآخر من التل فوضعوا السيف فيمن لقوه وكان من لطف الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين ولو لقوها لعلم الناس وصولهم إليها وانهزام العساكر بين أيديهم فكانوا انهزموا أجمعون‏.‏

ثم إن الفرنج نظروا وراءهم فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم فرجعوا خوفًا أن ينقطعوا عن أصحابهم وكان سبب انقطاعهم أن الميمنة وقفت مقابلتهم فاحتاج بعضهم أن يقف مقابلها وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج فاشتغل المدد بقتال من بها عن الاتصال بأصحابهم وعادوا إلى طرف خنادقهم فحملت الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين فصادفوهم وهم راجعون فقاتلوهم وثار بهم غلمان العسكر‏.‏

وكان صلاح الدين لما انهزم القلب قد تبعهم يناديهم ويأمرهم بالكرة ومعاودة القتال فاجتمع معه منهم جماعة صالحة فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولين بقتال الميسرة فأخذتهم سيوف الله من كل جانب فلم يفلت منهم أحد بل قتل أكثرهم وأخذ الباقون أسرى وفي جملة من أسر مقدم الداوية الذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه فلما ظفر به الآن قتله‏.‏

وكانت عدة القتلى سوى من كان إلى جانب البحر نحو عشرة آلاف قتيل فأمر بهم فألقوا في النهر الذي يشرب الفرنج منه وكان عامة القتلى من فرسان الفرنج فإن الرجالة لم يلحقوهم وكان في جملة الأِسرى ثلاث نسوة فرنجيات كن يقاتلن على الخيل فلما أسرن وألقي عنهن السلاح عرفن أنهن نساء‏.‏

وأما المنهزمون من المسلمين فمنهم من رجع من طبرية ومنهم من جاز الأردن وعاد ومنهم من بلغ دمشق ولولا أن العساكر تفرقت في الهزيمة لكانوا بلغوا من الفرنج من الاستئصال والإهلاك مرادهم على أن الباقين بذلوا جهدهم وجدوا في القتال وصمموا على الدخول مع الفرنج إلى معسكرهم لعلهم يفزعون منهم فجاءهم الصريخ بأن رحالهم وأموالهم قد نهبت وكان سبب هذا النهب أن الناس لما رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدواب فثار بهم أوباش العسكر وغلمانه فنهبوه وأتوا عليه وكان في عزم صلاح الدين أن يباكرهم القتال والزحف فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم وهم يسعون في جمعها وتحصيلها فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش والعيب المملوءة والثياب والسلاح وغير ذلك فرد الجميع على أصحابه ففاته ذلك اليوم ما أراد فسكن روع الفرنج وأصلحوا شأن الباقين منهم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



404 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وقعة أخرى



404


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وقعة أخرى

ووقعة العرب ثم إن المسلمين نهضوا إلى الفرنج من الغد وهو سادس شعبان عازمين على بذل جهدهم واستنفاد وسعهم في اسئصالهم فتقدموا على تعبئتهم فرأوا الفرنج حذرين محتاطين قد ندموا على ما فرطوا فيه بالأمس وهم قد حفظوا أطرافهم ونواحيهم وشرعوا في حفر خندق يمنع من الوصول إليهم فألح المسلمون عليهم في القتال فلم يتقدم الفرنج إليهم ولا فارقوا مرابضهم فلما رأى المسلمون ذلك عادوا عنهم‏.‏

ثم إن جماعة من العرب بلغهم أن الفرنج تخرج من الناحية الأخرى إلى الاحتطاب وغيره من أشغالهم فكمنوا لهم في معاطف النهر ونواحيه سادس عشر شعبان فلما خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب فقتلوهم عن آخرهم وغنموا ما كان معهم وحملوا الرؤوس إلى صلاح الدين فأحسن إليهم وأعطاهم الخلع‏.‏

لما كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون إلى العشرين من شعبان كل يوم يغادرون القتال مع الفرنج ويرواحونه والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يفارقونه ثم إن الفرنج اجتمعوا للمشورة فقالوا‏:‏ إن عسكر مصر لم يحضر والحال مع صلاح الدين هكذا فكيف يكون إذا حضر والرأي أننا نلقي المسلمين غدًا لعلنا نظفر بم قبل اجتماع العساكر والأمداد إليهم‏.‏

وكان كثير من عسكر صلاح الدين غائبًا عنه بعضها مقابل أنطاكية ليردوا عادية بيمند صاحبها عن أعمال حلب وبعضها في حمص مقابل طرابلس لتحفظ ذلك الثغر أيضًا وعسكر في مقابل صور لحماية ذلك البلد وعسكر بمصر يكون بثغر دمياط والإسكندرية وغيرهما والذي بقي من عسكر مصر كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم كما ذكرناه قبل وكان هذا مما أطمع الفرنج في الظهور إلى قتال المسلمين‏.‏

وأصبح المسلمون على عادتهم منم من يتقدم إلى القتال ومنهم من هو في خيمته ومنهم من قد توجه في حاجته من زيارة صديق وتحصيل ما يحتاج إليه هو وأصحابه ودوابه إلى غير ذلك فخرج الفرنج من معسكرهم كأنهم الجراد المنتشر يدبون على وجه الأرض قد ملأوها طولًا وعرضًا وطلبوا ميمنة المسلمين وعليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فلما رأى الفرنج نحوه قاصدين حذر هو وأصحابه فتقدموا إليه فلما قربوا منه تأخر عنهم‏.‏

فلما رأى صلاح الدين الحال وهو في القلب أمد تقي الدين برجال من عنده ليتقوى بهم وكان عسكر ديار بكر وبعض الشرقيين في جناح القلب فلما رأى الفرنج قلة الرجال في القلب وأن كثيرًا منهم قد سار نحو الميمنة مددًا لهم عطفوا على القلب فحملوا حملة رجل واحد فاندفعت العساكر بين أيديهم منهزمين وثبت بعضهم فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي الفقيه عيس وكان والي بعضهم فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي الفقيه عيسى وكان والي البيت المقدس قد جمع بين الشجاعة والعلم والدين وكالحاجب خليل الهكاري وغيرهم من الشجعان الصابرين في مواطن الحرب ولم يبق بين أيديهم في القلب من يردهم فقصدوا التل الذي عليه خيمة صلاح الدين فقتلوا من مروا به ونهبوا وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة منهم شيخنا جمال الدين أبو علي بن رواحة الحموي وهو من أهل العلم وله شعر حسن وما ورث الشهادة من بعيد فإن جده عبد الله بن رواحة صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتله الروم يوم مؤتة وهذا قتله الفرنج يوم عكا وقتلوا غيره وانحدروا إلى الجانب الآخر من التل فوضعوا السيف فيمن لقوه وكان من لطف الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين ولو لقوها لعلم الناس وصولهم إليها وانهزام العساكر بين أيديهم فكانوا انهزموا أجمعون‏.‏

ثم إن الفرنج نظروا وراءهم فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم فرجعوا خوفًا أن ينقطعوا عن أصحابهم وكان سبب انقطاعهم أن الميمنة وقفت مقابلتهم فاحتاج بعضهم أن يقف مقابلها وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج فاشتغل المدد بقتال من بها عن الاتصال بأصحابهم وعادوا إلى طرف خنادقهم فحملت الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين فصادفوهم وهم راجعون فقاتلوهم وثار بهم غلمان العسكر‏.‏

وكان صلاح الدين لما انهزم القلب قد تبعهم يناديهم ويأمرهم بالكرة ومعاودة القتال فاجتمع معه منهم جماعة صالحة فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولين بقتال الميسرة فأخذتهم سيوف الله من كل جانب فلم يفلت منهم أحد بل قتل أكثرهم وأخذ الباقون أسرى وفي جملة من أسر مقدم الداوية الذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه فلما ظفر به الآن قتله‏.‏

وكانت عدة القتلى سوى من كان إلى جانب البحر نحو عشرة آلاف قتيل فأمر بهم فألقوا في النهر الذي يشرب الفرنج منه وكان عامة القتلى من فرسان الفرنج فإن الرجالة لم يلحقوهم وكان في جملة الأِسرى ثلاث نسوة فرنجيات كن يقاتلن على الخيل فلما أسرن وألقي عنهن السلاح عرفن أنهن نساء‏.‏

وأما المنهزمون من المسلمين فمنهم من رجع من طبرية ومنهم من جاز الأردن وعاد ومنهم من بلغ دمشق ولولا أن العساكر تفرقت في الهزيمة لكانوا بلغوا من الفرنج من الاستئصال والإهلاك مرادهم على أن الباقين بذلوا جهدهم وجدوا في القتال وصمموا على الدخول مع الفرنج إلى معسكرهم لعلهم يفزعون منهم فجاءهم الصريخ بأن رحالهم وأموالهم قد نهبت وكان سبب هذا النهب أن الناس لما رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدواب فثار بهم أوباش العسكر وغلمانه فنهبوه وأتوا عليه وكان في عزم صلاح الدين أن يباكرهم القتال والزحف فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم وهم يسعون في جمعها وتحصيلها فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش والعيب المملوءة والثياب والسلاح وغير ذلك فرد الجميع على أصحابه ففاته ذلك اليوم ما أراد فسكن روع الفرنج وأصلحوا شأن الباقين منهم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



403 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر مسير الفرنج إلى عكا ومحاصرتها



403


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر مسير الفرنج إلى عكا ومحاصرتها
 

لما كثر جمع الفرنج بصور على ما ذكرناه من أن صلاح الدين كان كلما فتح مدينة أو قلعة أعطى أهلها الأمان وسيرهم إليها بأموالهم ونسائهم وأولادهم فاجتمع بها منهم عالم كثير لا يعد ولا يحصى ومن الأموال ما لا يفنى على كثرة الإنفاق في السنين الكثيرة ثم إن الرهبان والقسوس وخلقًا كثيرًا من مشهوريهم وفرسانهم لبسوا السواد وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدس من أيديهم وأخذهم البطرك الذي كان بالقدس ودخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم جميعًا ويستنجدون أهلها ويستجيرون بهم ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت المقدس وصوروا المسيح عليه السلام وجعلوه مع صورة عربي يضربه وقد جعلوا الدماء على صورة المسيح عليه السلام وقالوا لهم‏:‏ هذا المسيح يضربه محمد نبي المسلمين وقد جرحه وقتله‏.‏

فعظم ذلك على الفرنج فحشروا وحشدوا حتى النساء فإنهم كان معهم على عكا عدة من النساء يبارزن الأقران على ما نذكره إن شاء الله تعالى ومن لم يستطع الخروج استأجر من يخرج عوضه أو يعطيهم مالًا على قدر حالهم فاجتمع لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء‏.‏

ولقد حدثني بعض المسلمين المقيمين بحصن الأكراد وهو من أجناد أصحابه الذين سلموه إلى الفرنج قديمًا وكان هذا الرجل قد ندم على ما كان منه من موافقة الفرنج في الغارة على بلاد الإسلام و القتال معهم والسعي معهم وكان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين وخمسمائة إن شاء اله تعالى‏.‏

قال لي هذا الرجل إنه دخل مع جماعة من الفرنج من حصن الأكراد إلى البلاد البحرية التي للفرنج والروم في أربع شوان يستنجدون قال‏:‏ فانتهى بنا التطواف إلى رومية الكبرى فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني نقرة‏.‏

وحدثني بعض الأسرى منهم أنه له والدة ليس لها ولد سواه ولا يملكون من الدنيا غير بيت باعته وجهزته بثمنه وسيرته لاستنقاذ بيت واحد فأخذ أسيرًا‏.‏

وكان عند الفرنج من الباعث الديني والنفساني ما هذا حده فخرجوا على الصعب والذلول برًا وبحرًا من كل فج عميق ولولا أن الله تعالى لطف بالمسلمين وأهلك ملك الألمان لما خرج على ما نذكره عند خروجه إلى الشام وإلا كان يقال‏:‏ إن الشام ومصر كانتا للمسلمين‏.‏

فهذا كان سبب خروجهم فلما اجتمعوا بصور تموج بعضهم في بعض ومعهم الأموال العظيمة والبحر بمدهم بالأقوات والذخائر والعدد والرجال من بلادهم فضاقت عليهم صور باطنها وظاهرها فأرادوا قصد صيدا وكان ما ذكرناه فعادوا واتفقوا على قصد عكا ومحاصرتها ومصابرتها فساروا إليها بفارسهم وراجلهم وقضهم وقضيضهم ولزموا البحر في مسيرهم لا يفارقونه في السهل والوعر والضيق السعة ومراكبهم تسير مقابلة في البحر فيها سلاحهم وذخائرهم ولتكون عدة لهم إن جاءهم ما لا قبل لهم به ركبوا فيها وعادوا وكان رحيلهم ثامن رجب ونزولهم على عكا في منتصفه ولما كانوا سائرين كان يزك المسلمين يتخطفونهم ويأخذون المنفرد منهم‏.‏

ولما رحلوا جاء الخبر إلى صلاح الدين برحيلهم فسار حتى قاربهم ثم جمع أمراءه واستشارهم‏:‏ هل يكون المسير محاذاة الفرنج ومقاتلتهم وهم سائرون أو يكون في غير الطريق التي سلكوها فقالوا‏:‏ لا حاجة بنا إلى احتمال المشقة في مسايرتهم فإن الطريق وعر وضيق ولا يتهيأ لنا ما نريده منهم والرأي أننا نسير في الطريق المهيع ونجتمع عليهم عند عكا فتفرقهم ونمزقهم‏.‏

فعلم ميلهم إلى الراحة المعجمة فوافقهم وكان رأيه مسايرتهم ومقاتلتهم وهم سائرون وقال‏:‏ إن

الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض فلا يتهيأ لنا إزعاجهم ولا نيل الغرض منهم والرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكا فاخالفوه فتبعهم وساروا على طريق كفر كنا فسبقهم الفرنج وكان صلا الدين قدج جعل في مقابل الفرنج جماعة من الأمراء يسايرونهم ويناوشونهم القتال ويتخطفونهم ولم يقدم الفرنج عليهم مع قتلهم فلو أن العساكر اتبعت رأي صلاح الدين في مسايرتهم ومقاتلتهم قبل نزولهم على عكا لكان بلغ غرضه وصدهم عنها ولكن إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه‏.‏

ولما وصل صلاح الدين إلى عكا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى البحر من الجانب الآخر ولم يبق للمسلمين إليها طريق فنزل صلاح الدين عليهم وضرب خيمته على تل كيسان وامتدت ميمنته إلى تل الغياظية وميسرته إلى النهر الجاري ونزلت الأثقال بصفورية وسير الكتب إلى الأطراف باستدعاء العساكر فأتاه عسكر الموصل وديار بكر وسنجار وغيرها من بالد الجزيرة وأتاه تقي الدين ابن أخيه وأتاه مظفر الدين بن زين الدين وهو صاحب حران والرها‏.‏

وكانت الأمداد تأتي المسلمين في البر وتأتي الفرنج في البحر وكان بين الفريقين مدة مقامهم على عكا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة منها اليوم المشهور ومنها ما هو دون ذلك وأنا أذكر الأيام الكبار لئلا يطول ذلك ولأن ما عداها كان قتالًا يسيرًا من بعضهم مع بعض فلا حاجة ولما نزل السلطان عليهم لم يقدر على الوصول إليهم ولا إلى عكا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة منها اليوم المشهور ومنها ما هو دون ذلك‏.‏

وأنا أذكر الأيام الكبار لئلا يطول ذلك ولأن ما عداها كان قتالًا يسيرًا من بعضهم مع بعض فلا حاجدة إلى ذكره‏.‏

ولما نزل السلطان عليهم لم يقدر على الوصول إليهم ولا إلى عكا حتى انسلخ رجل قم قاتلهم مستهل شعبان فلم ينل منهم ما يريد وبات الناس على تعبئة فلما كان الغد باكرهم القتال بحده وحديده واستدار عليهم من سائر جهاتهم من بكرة إلى الظهر وصبر الفريقان صبرًا حار له من رآه‏.‏

فلما كان وقت الظهر حمل عليهم تقي الدين حملة منكرة من الميمنة على من يليه منهم فأزاحهم عن مواقفهم يركب بعضهم لا يلوي أخ على أخ والتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم واجتمعوا بهم واحتموا بهم وأخلوا نصف البلد وملك تقي الدين مكانهم والتصق بالبلد وصار ما أخلوه بيده ودخل المسلمون البلد وخرجوا منه واتصلت الطرق وزال الحصر عمن فيه وأدخل صلاح الدين إليه من أراد من الرجال وما أراد من الذخائر والأموال والسلاح وغير ذلك ولو أن المسلمين لزموا قتالهم إلى الليل لبلغوا ما أرادوه فإن للصدمة الأولى روعة لكنهم لما نالوا منهم هذا القدر أخلدوا إلى الراحة وتركوا القتال وقالوا‏:‏ نباكرهم غدًا ونقطع دابرهم‏.‏

وكان في جملة من أدخله صلاح الدين إلى عكا من جملة الأمراء حسام الدين أبو الهيجاء السمين وهو من أكابر أمراء عسكره وهو من الأكراد الحكيمة من بلد إربل‏.‏

وقتل من الفرنج هذا اليوم جماعة كبيرة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

402 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وقعة ثالثة



402


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وقعة ثالثة

لما عاد صلاح الدين إلى العسكر أتاه الخبر أن الفرنج يخرجون من صور للاحتطاب والاحتشاش متبددين فكتب إلى من بعكا من العسكر وواعدهم يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة ليلاقوهم من الجانبين ورتب كمناء في موضع من تلك الأدوية والشعاب واختار جماعة من شجعان عسكره وأمرهم بالتعرض للفرنج وأمرهم أنهم إذا حمل عليهم الفرنج قاتلوهم شيئًا من

قتال ثم تطاردوا لهم وأروهم العجز عن مقاتلتهم فإذا تبعهم الفرنج استجروهم إلى أن يجوزوا موضع الكمين ثم يعطفوا عليهم ويخرج الكمين من خلفهم فخرجوا على هذه العزيمة‏.‏

فلما تراءى الجمعان والتقت الفئتان واقتتلوا أنف فرسان المسلمين أن يظهر عنهم اسم الهزيمة وثبتوا فقاتلوهم وصبر بعضهم لبعض واشتد القتال وعظم الأمر ودامت الحرب وطال على الكمناء الانتظار فخافوا على أصحابهم فخرجوا من مكامنهم نحوهم مسرعين وإليهم قاصدين فأتوهم وهم في شدة الحرب فازداد الأمر شدة على شدة وكان فيهم أربعة أمراء من ربيعة وطي وكانوا يجهلون تلك الأرض فلم يسلكوا مسلك أصحابهم فسلكوا الوادي ظنًا منهم أنه يخرج بهم إلى أصحابهم وتبعهم بعض مماليك صلاح الدين فلما رآهم الفرنج بالوادي علموا أنهم جاهلون فأتوهم وقاتلوهم‏.‏

وأما المملوك فإنه نزل عن فرسه وجلس على صخرة وأخذ قوسه بيده وحمى نفسه وجعلوا يرمونه بسهام الزنبورك وهو يرميهم فجرح منهم جماعة وجرحوه جراحات كثيرة فسقط فأتوه وهو بآخر رمق فتركوه وانصرفوا وهم يحسبونه ميتًا ثم إن المسلمين جاؤوا من الغد إلى موضعهم فرأوا القتلى ورأوا المملوك حيًا فحملوه في كساء وهو يكاد لا يعرف من كثرة الجراحات فأيسوا من حياته فأعرضوا عنه وعرضوا عليه الشهادة وبشروه بالشهادة فتركوه

ثم عادوا إليه فرأوه وقد قويت نفسه فأقبلوا عليه بمشروب فعوفي ثم كان بعد ذلك لا يحضر مشهدًا إلا كان له فيه الأثر العظيم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


401 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وقعة ثانية للغزاة المتطوعة



401


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وقعة ثانية للغزاة المتطوعة

لما وصل صلاح الدين إلى اليزك وقد فاتته تلك الوقعة أقام عندهم في خيمة صغيرة ينتظر عودة الفرنج لينتقم منهم ويأخذ بثأر من قتلوه من المسلمين‏.‏

فركب في بعض الأيام في عدة يسيرة على أن ينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل ليعمل بمقتضى ما يشاهده وظن من هناك من غزاة العجم والعرب المتطوعين أنه على قصد المصاف والحرب فساروا مجدين وأوغلوا في أرض العدو مبعدين وفارقوا الحزم وخلفوا السلطان وراء ظهورهم وقاربوا الفرنج فأرسل صلاح الدين عدة من الأمراء يردونهم ويحمونهم إلى أن يخرجوا فلم يسمعوا ولم يقبلوا‏.‏

وكان الفرنج قد اعتقدوا أن وراءهم كمينًا فلم يقدموا عليهم فأرسلوا من ينظر حقيقة الأمر فاهم الخبر أنهم منقطعون عن المسلمين وليس وراءهم ما يخاف فحملت الفرنج عليهم حملة رجل واحد فقاتلوهم وفلم يلبثوا أن أناموهم وقتل معهم جماعة من المعروفين وشق على صلاح الدين والمسلمين ما جرى عليهم وكان ذلك بتفريطهم في حق أنفسهم رحمهم الله ورضي عنهم‏.‏

وكانت هذه الوقعة تاسع جمادى الأولى فلما رأى صلاح الدين ذلك انحدر من الجبل إليهم في عسكره فحملوا على الفرنج فألقوهم إلى الجسر وقد أخذوا طريقهم فألقوا أنفسهم في الماء فغرق منهم نحو مائة دارع سوى من قتل وعزم السلطان على مصابرتهم ومحاصرتهم فتسامع الناس فقصدوه من كل ناحية واجتمع معه خلق كثير فلما رأى الفرنج ذلك عادوا إلى مدينة صور فلما عادوا إليها سار صلاح الدين إلى تبنين ثم إلى عكا ينظر حالها ثم عاد إلى العسكر والمخيم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ