572
زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثالث
فصل
فى ما يتعلق بقصة وفد بَلِىّ من الفقه
فى هذه القصةِ من الفقه: أنَّ للضيف حقاً على مَن نزل به، وهو ثلاثُ مراتب: حقٌ واجب، وتمامٌ مُستحَب، وصدقةٌ من الصدقات، فالحقُّ الواجب يَوْمٌ وليلة، وقد ذكر النبىُّ صلى الله عليه وسلم المراتب الثلاثة فى الحديث المتفق على صحته من حديث أبى شريح الخُزاعى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِر، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَه))، قالوا: ومَا جائزته يا رسول الله؟ قال: ((يَوْمُه ولَيْلَتُه، والضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أيَّام، فَما كَانَ وَرَاءَ ذَلكَ، فَهُوَ صَدَقَة، ولا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِىَ عِنْدَه حَتَّى يُحْرِجَه)).
وفيه: جوازُ التقاط الغنم، وأنَّ الشاة إذا لم يأتِ صاحبُها، فهى ملك الملتقِط، واستدل بهذا بعضُ أصحابنا على أنَّ الشاةَ ونحوَها مما يجوزُ التقاطه يُخيَّرُ الملتقِط بين أكله فى الحال، وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركِه والإنفاق عليه من ماله، وهل يَرجِعُ به؟ على وجهين، لأنه صلى الله عليه وسلم جعلها له، إلا أن يظهر صاحبُها، وإذا كانت له، خُيِّرَ بين هذه الثلاثة، فإذا ظهر صاحبُها، دفعها إليه أو قيمتها، وأما متقدمو أصحاب أحمد، فعلى خلاف هذا، قال أبو الحسين: لا يتصرَّفُ فيها قبلَ الحَوْل رواية واحدة، قال: وإن قلنا: يأخُذُ ما لا يستقِلُّ بنفسه كالغنم، فإنه لا يتصرَّف بأكل ولا غيره رواية واحدة، وكذلك قال ابن عقيل، ونص أحمد فى رواية أبى طالب فى الشاة: يُعرِّفُها سنة، فإن جاء صاحبها رَدَّها إليه، وكـذلك قال الشريفان: لا يملك الشاةَ قبل الحَوْل روايةً واحدة. وقال أبو بكر: وضالةُ الغنم إذا أخذها يُعرِّفُها سنة، وهو الواجب، فإذا مضت السنةُ ولم يَعْرِفْ صاحِبَها،كانت له، والأولُ أفقهُ وأقربُ إلى مصلحة الملتقِطِ والمالك، إذ قد يكون تعريفُها سنة مستلزماً لتغريمِ مالكها أضعافَ قيمتها إن قلنا: يرجِعُ عليه بنفقتها، وإن قلنا: لا يرجِعُ، استلزمَ تغريم الملتقِط ذلك، وإن قيل: يدعُها ولا يلتقِطُها، كانت للذئب وتَلِفَتْ، والشارع لا يأمر بضياع المال.
فإن قيل: فهذا الذى رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوالِ أصحابه، وللدليل أيضاً.
أما مخالفة نصوص أحمد، فمما تقدَّم حكايته فى رواية أبى طالب، ونص أيضاً فى روايته فى مضطرٍ وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة، قال: يأكُلُ من الميتة، ولا يأكل من المذبوحة، الميتةُ أُحِلَّت، والمذبوحةُ لها صاحب قد ذبحها، يُريد أن يُعَرِّفها، ويطلبَ صاحبَها، فإذا أوجب إبقاءَ المذبوحة على حالها، فإبقاءُ الشاة الحيةِ بطريق الأَوْلى، وأما مخالفةُ كلام الأصحاب فقد تقدَّم، وأما مخالفةُ الدليل، ففى حديث عبد الله بن عَمْرو: يا رسولَ الله؛ كيف ترى فى ضالة الغنم؟ فقال: ((هى لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْب، احْبِسْ عَلى أَخِيكَ ضَالَّتَهُ)). وفى لفظ: ((رُدَّ عَلى أَخِيكَ ضَالَّتَه))، وهذا يمنع البيع والذبح.
قيل: ليس فى نص أحمد أكثرُ من التعريف، ومَن يقول: إنه مخيَّرٌ بين أكلِها وبيعِها وحفظِها، لا يقول بسقوط التعريف، بل يُعرِّفها مع ذلك، وقد عرف شِيتَها وعلامَتها، فإن ظهر صاحبُها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يُعرِّفها أعم من تعريفها وهى باقية، أو تعريفها وهى مضمونة فى الذِمَّة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا سيما إذا التقطها فى السفر، فإن فى إيجاب تعريفها سنةً من الحَرَج والمشقة ما لا يرضى به الشارعُ، وفى تركها مِن تعريضها للإضاعة والهلاك ما يُنافى أمره بأخذها، وإخبارَه أنه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعينُ ولا بد: إما بيعُها وحِفْظُ ثمنها، وإما أكلُها وضمانُ قيمتها أو مثلها.
وأما مخالفة الأصحاب، فالذى اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب، ومَن يُقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو أبو محمد المقدسى قدَّس الله روحه، ولقد أحسن فى اختياره التخيير كُلَّ الإحسان.
(يتبع...)
@ وأما مخالفة الدليل، فأين فى الدليل الشرعى المنع من التصرف فى الشاة الملتقطة فى المفازة وفى السفر بالبيع والأكل، وإيجابِ تعريفها والإنفاقِ عليها سنة مع الرجوع بالإنفاق، أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتى به شريعةٌ فضلاً أن يقوم عليه دليل، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((احْبِسْ عَلى أَخيكَ ضَالَّتَهُ)) صريح فى أنَّ المراد به أنْ لا يستأثِرَ بها دونه، ويُزيل حقه، فإذا كان بيعها وحفظ ثمنها خيراً له من تعريفها سنة، والإنفاقِ عليها، وتغريمِ صاحبها أضعافَ قيمتها، كان حبسُها وردُّها عليه هو بالتخيير الذى يكون له فيه الحظ، والحديثُ يقتضيه بفحواه وقوته، وهذا ظاهر.. وبالله التوفيق.
ومنها: أنَّ البعيرَ لا يجوز التقاطُه، اللَّهُمَّ إلا أن يكون فَلُوَّاً صغيراً لا يمتنِعُ من الذئب ونحوه، فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق