961
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
تاريخ ابن خلدون
المجلد الرابع
صفحة 56 - 267
وفاة المنصور وولاية ابنه المعز:
ثم توفى المنصور إسمعيل بن القاسم سلخ رمضان سنة إحدى وأربعين لسبع سنين من خلافته، أصابه الجهد من مطر وثلج تجلّد على ملاقاته، ودخل على أثره الحمّام فعيت حرارته، ولازمه السهر فمات. وكان طبيبه إسحق بن سليمان الإسرائيلي قد نهاه عن الحمّام فلم يقبل. وولى الأمر بعده ابنه معدّ ، ولقب المعز لدين الله فاستقام أمره، وخرج لجبل أوراس سنة إثنتين وأربعين، وجالت فيه عساكره واستأمن إليه بنو كملان ومليلة من هوارة، ودخلوا في طاعته فأمنهم وأحسن إليهم. واستأمن إليه محمد بن خزر بعد مقتل أخيه معبد فأمنّه، ورجع إلى القيروان وترك مولاه قيصر في العساكر، وعقد له على باغاية فدّوخ البلاد وأحسن إلى الناس، وألف من كان شارداً من البربر، ورجع بهم إلى القيروان فأكرمهم المعز ووصلهم. ثم وفد بعدهم محمد
بن خزر أمير مغراوة فلقّاه مبّرة وتكريماً. وأقام عنده بالقيروان إلى أن هلك سنة ثمان وأربعين. واستقدم المعزّ زيري بن مناد سنة ثلاث وأربعين أمير صنهاجة، فقدم من أشير فأجزل صلته، وردّه إلى عمله. وبعث إلى الحسين بن علي عامل صقلية سنة أربع وأربعين أن يخرجه بأسطوله إلى ساحل المرية من بلاد الأندلس، فعاث فيه، وغنم وسبى، ورجع فأخرج الناصر صاحب الأندلس أسطوله إلى سواحل إفريقية، مع غالب مولاه فمنعتهم العساكر، وأقلعوا. ثم عاودوا سنة خمس وأربعين في سبعين مركباً فأحرقوا مرسى الخزر، وعاثوا في جهات سوسة، ثم في نواحي طبرنة ورجعوا. واستقام أمر المعز في بلاد أفريقية والمغرب، واتسعت إيالته وكانت أعماله من ايفكان خلف تاهرت بثلاثة مراحل، إلى زناتة التي دون مصر، وعلى تاهرت وإيفكان يعلى بن محمد اليفرني، وعلى أشير وأعمالها زيرى بن مناد الصنهاجي، وعلى المسيلة وأعمالها جعفر بن علي الأندلسي، وعلى باغية وأعمالها قيصر الصقلي. وكان على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وعلى سجلماسة محمد بن واسول المكناسي. ثم بلغه سنة سبع وأربعين أن يعلى بن محمد اليفرني داخل الأموية من وراء البحر، وأنّ أهل المغرب الأقصى نقضوا طاعة الشيعة فأغزى جوهر الصقلّيّ الكاتب إلى المغرب بالعساكر، وكان على وزارته، وخرج معه جعفر بن عليّ صاحب المسيلة، وزيري بن مناد صاحب أشير، وتلقّاهم يعلى بن محمد صاحب المغرب الأوسط .ولما ارتحل عن ايفكان وقعت هيعة في أصحاب صيلة، وقيل له إن بني يعرب أوقعوها فتقبض على يعلى، وناشته سيوف كتامة لحينه، وخرب ايفكان وأسر ابنه يدو بن يعلى، وتمادوا إلى فاس، ثم تجاوزوها إلى سجلماسة فأخذها، وتقّبض على الشاكر لله محمد بن الفتح الذي تلقّب بأمير المؤمنين من بني واسول، وولّى ابن المعتز من بني عمه مكانه ودوّخ المغرب إلى البحر. ثم رجع إلى فاس وحاصرها وواليها يومئذ أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وقاتلها مدّة فامتنعت عليه، وجاءته هدايا الأمراء الأدكرنية من السوس. ثم رحل إلى سجلماسة، وبها محمد بن واسول من مكناسة، وقد تلقّب بأمير المؤمنين الشاكر لله، وضرب السكة بإسمه، تقدّست عزة الله، فلما سمع بجوهر هرب، ثم أخذ أسيراً وجيء به إلى جوهر، وسار عن سجلماسة، وافتتح البلاد في طريقه. ثم عاد إلى فاس، وأقام في حصارها إلى أن افتتحها عنوة على يد زيري بن مناد تسنمّ أسوارها ليلاً، ودخلها وتقبّض على أحمد بن بكر، وذلك سنة ثمان وأربعين، وولّى عليها من
قبله وطرد عمّال بني أمية من سائر المغرب. وانقلب إلى القيروان ظافراً عزيزاً، وضم تاهرت إلى زيري بن مناد. وقدم بالفاطميين، وبأحمد بن بكر وبمحمد بن واسال أسيرين في قفصين، ودخل بهما إلى المنصورية في يوم مشهود. وكانت ولاية المغرب والمشرق منقسمة بين مولييه قيصر ومُظفرَّ، وكانا متغلبين على دولته فقبض عليهما سنة تسع وأربعين وقتلهما. وفي سنة خمسين كان تغلّب النصارى على جزيرة إقريطش، وكان بها أهل الأندلس من جالية الحكم بن هشام بسبب ثورة الرفض، ففر بهم إلى الاسكندريّة فثاروا بها، وعبد الله بن طاهر يومئذ عامل مصر فحاصرهم بالأسكنـدريـة، حتى نزلوا على الأمان، وأن يجيزوا البحر إلى جزيرة إقريطش فعمروها ونزلوها منذ تلك الأيام، وأميرها أبو حفص البلّوطي منهم، واستبدّ بها وورث بنوه رياسة فيها إلى أن نازلهم النصارى في هذه السنة في سبعمائة مركب، واقتحموها عليهم عنوة، وقتلوا منهم وأسروا، وبقيت في أيدي النصارى لهذا العهد، والله غالب على أمره. وافتتح صاحب صقلية سنة إحدى وخمسين قلعة طرمين، من حصون صقلّية، بعد حصار طويل أجهدهم فنزلوا على حكم صاحب صقلية بعد تسعة أشهر ونصف للحصار، وأسكن المسلمين بالقلعة وسمّاها المُعزيَّة نسبة إلى المُعزّ صاحب إفريقية. ثم سار صاحب صقلية بعدها، وهو أحمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسن إلى حصار رمطة من قلاع صقلية فاستمدوا ملكهم صاحب القسطنطينيّة فجهز لهم العساكر برا وبحرا، واستمد صاحب صقلية المعزّ فأمده بالعساكر مع إبنه الحسن ووصل مدده إلى مدينة ميسنى، وساروا بجموعهم إلى رمطة، وكان على حصارها الحسن بن عمار فحمل عسكرا على رمطة وزحف إلى عسكر الروم مستميتا فقاتلهم فقتل أمير الروم وجماعة من البطارقة، وهزموا أقبح هزيمة، واعترضهم خندق فسقطوا فيه، وأثخن المسلمون فيهم وغنموا عساكرهم. واشتدّ الحصار على أهل رمطة، وعدموا الأقوات فاقتحمها المسلمون عنوة، وركب فلّ الروم البحر يطلبون النجاة فأتبعهم الأمير احمد بن الحسن في أسطوله فأدركهم، وسبح بعض المسلمين في الماء فخرّق مراكبهم وانهزموا، وبث أحمد سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها وعاثوا فيها حتى صالحوهم على الجزية، وكانت هذه الواقعة سنة أربع وخمسين وتسمّى وقعة المجاز.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق