863
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
المجلد الثالث
القسم الخامس
من تاريخ العلامة ابن خلدون
ص 509 - حتى النهاية
ومقتل مؤيد الملك والخطبة لبركيارق:
قد ذكرنا أن بركيارق لمّا انهزم أمام أخيه محمد في المصاف الأول سار إلى أصبهان، ولم يدخلها فمضى إلى عسكر مكرم إلى خوزستان وجاءه الأميران زنكي وألبكي ابنا برسق. ثم سار إلى همذان فكاتبه أياز من كبار أمراء محمد بما كان استوحش منه فجاءه في خمسة آلاف فارس، وأغراه باللقاء فارتحل لذلك. ثم استأمن إليه سرخاب بن كنخسرو صاحب آوة فاجتمع له خمسون ألفاً من المقاتلة، وبقي أخوه في خمسة عشر ألفأ. ثم اقتتلوا أول جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين، وأصحاب محمد يغدون على محمد شيئاً فشيئاً مستأمنين. ثم انهزم آخر النهار وأسر وزيره مؤيد الملك، وأحضره عند بركيارق غلام لمجد الملك البارسلاني ثار منه مولاه، فلما حضر وبخه بركيارق وقتله وبعث الوزير أبو المحاسن من يسلم إليه أمواله، وصادر عليها قرابته، في بغداد وفي غير بغداد وفي بلاد العجم. ويقال كان فيما أخذ له قطعة من البلخش زنة إحدى وأربعين مثقالاً. ثم سار بركيارق إلى الري ولقيه هناك كربوقا صاحب الموصل، ونور الدولة دبيس بن صدقة بن مزيد، واجتمعت إليه نحو من مائة ألف فارس حتى ضاقت بهم البلاد ففرق العساكر. وعاد دبيس إلى أبيه، وسار كربوقا إلى أذربيجان لقتال مودود بن إسماعيل بن ياقوتا، كان خرج على السلطان هنالك. وسار أياز إلى همذان ليقضي الصوم عند أهله ويعود فبقي بركيارق في خف من الجنود. وكان محمد أخوه لمّا انهزم لجهات همذان سار إلى شقيقه بخراسان فانتهى إلى جرجان، وبعث يطلب منه المدد فأمده بالمال أولاً. ثم سار إليه بنفسه إلى جرجان، وسار معه إلى الدامغان وخرب عسكر خراسان ما مروا به من البلاد، وانتهوا إلى الريّ، واجتمعت إليهم النظامية، وبلغهم افتراق العساكر عن بركيارق فأغذوا إليه السير فرحل إلى همذان فبلغه أن اياز راسل محمدا فقصد خوزستان وانتهى إلى تستر، واستدعى بني برسق فقعدوا عنه لمّا بلغهم مراسلة أياز للسلطان فسار بركيارق نحو العراق، وكان أياز راسل محمداً في الكون معه فلم يقبله فسار من همذان، ولحق بركيارق إلى حلوان
وساروا جميعاً إلى بغداد. واستولى محمد على مخلف أياز بهمذان وحلوان وكان شيئاً مما لا يعبر عنه. وصادر جماعة من أصحاب أياز من أهل همذان، ووصل بركيارق إلى بغداد منتصف ذي القعدة سنة أربع وتسعين، وبعث المستظهر لتلقيه أمين الدولة بن موصلايا في المراكب، وكان بركيارق مريضاً فلزم بيته، وبعث المستظهر في عيد الأضحى إلى داره منبراً خطب عليه بإسمه، وتخلف بركيارق عن شهود العيد لمرضه، وضاقت عليه الأموال فطلب الإعانة من المستظهر، وحمل إليه خمسين ألف دينار بعد المراجعات ومد يده إلى أموال الناس وصادرها فضجوا، وارتكب خطيئةً شنعاء في قاضي جبلة وهو أبو محمد عَبْد الله بن منصور. وكان من خبره أن أباه منصورا كان قاضياً بجبلة في ملكة الروم، فلما ملكها المسلمون وصارت في يد أبي الحسن علي بن عمار صاحب طرابلس أقره على القضاء بها. وتوفي فقام ابنه أبو محمد هذا مقامه، ولبس شعار الجندية وكان شهماً فهمّ ابن عمار بالقبض عليه، وشعر فانتقض وخطب للخلفاء العباسية. وكان ابن عمار يخطب للعلوية بمصر، وطالت منازلة الفرنج بحصن جبلة إلى أن ضجر أبو محمد هذا، وبعث إلى صاحب دمشق وهو يومئذ طغتكين الأتابك أن يسلم إليه البلد فبعث ابنه تاج الملوك موري وتسلم منه البلد، وجاء به إلى دمشق وبذل لهم فيه ابن عمار ثلاثين ألف دينار دون أمواله فلم يرضوا بإخفار ذمتهم وسار عنهم إلى بغداد ولقي بها بركيارق فأحضره الوزير أبو المحاسن وطلبه في ثلاثين ألف دينار فأجاب وأحالهم على منزله بالأنبار، فبعث الوزير من أتاه بجميع ما فيه، وكان لا يعبر فكانت من المنكرات التي أتاها بركيارق. ثم بعث الوزير إلى صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد صاحب حلب يطلب منه ألف ألف دينار متخلفة من مال الجباية، وتهدده عليها فغضب وانتقض وخطب لمحمد، وبعث إليه بركيارق الأمير أياز يستقدمه فلم يجب، وبعث إلى الكوفة وطرد عنها نائب بركيارق واستضافها إليه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق