682
زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الرابع
فصل
ومَن تدبَّر أغذيته صلى الله عليه وسلم وما كان يأكلهُ ، وجَده لم يجمع قَطُّ بين لبن وسمك ، ولا بين لبن وحامض ، ولا بين غذائين حارَّين ، ولا بارِدين ، ولا لَزِجَين ، ولا قابضين ، ولا مُسهلين ، ولا غليظين ، ولا مُرخيين ، ولا مستحيلين إلى خلط واحد ، ولا بين مختلفَين كقابض ومسهل ، وسريع الهضم وبطيئه ، ولا بين شَوىٍّ وطبيخ ، ولا بين طَرىٍّ وقَديد،ولا بين لبن وبيض ، ولا بين لحم ولبن ، ولم يكن يأكل طعاماً فى وقت شدة حرارته ، ولا طبيخاً بائتاً يُسخَّن له بالغد ، ولا شيئاً من الأطعمة العَفِنَةِ والمالحة ، كالكَوامخ والمخلَّلات ، والملوحات . وكل هذه الأنواع ضار مولِّدٌ لأنواع من الخروج عن الصحة والاعتدال .وكان يُصلح ضرر بعض الأغذية ببعض إذا وَجد إليه سبيلاً ، فيكسرُ حرارةَ هذا ببرودة هذا ، ويُبوسةَ هذا برطُوبة هذا ، كما فعل فى القِثَّاء والرُّطَب ، وكما كان يأكل التمر بالسَّمن ، وهو الحَيْسُ ، ويشربُ نقيع التمر يُلطِّف به كَيْمُوساتِ الأغذية الشديدة وكان يأمر بالعَشاء ، ولو بكفٍّ من تمر ، ويقول : ((تَرْكُ العَشاءِ مَهْرَمةٌ)) ، ذكره الترمذىُّ فى ((جامعه)) ، وابن ماجه فى ((سننه))
وذكر أبو نُعيم عنه أنه كان ينهى عن النوم على الأكل ، ويذكر أنه يُقسى القلب ، ولهذا فى وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة : أن يمشىَ بعد العَشاء خُطواتٍ ولو مِائة خطوة ، ولا ينام عَقِبه ، فإنه مضر جداً ، وقال مسلموهم : أو يُصلِّى عقيبَه ليستقرَّ الغِذاء بقعرِ المَعِدَة ، فيسهلَ هضمه ، ويجودَ بذلك . ولم يكن من هَدْيه أن يشربَ على طعامه فيُفسده ، ولا سِيَّما إن كان الماء حاراً أو بارداً ، فإنه ردىءٌ جداً . قال الشاعر :
لا تَكنْ عِنْدَ أَكْلِ سُخْنٍ وَبَرْدٍ وَدخُولِ الْحَمَّـامِ تَـشربُ مَاءَ
فَإذَا مـا اجْتَنَبْتَ ذلـكَ حَقّاً لَمْ تَخَفْ ما حَيِيتَ فِىالْجَوْفِ داءَ
ويُكره شرب الماء عقيبَ الرياضة ، والتعبِ ، وعقيبَ الجِمَاع ، وعقيبَ الطعامِ وقبله ، وعقيبَ أكل الفاكهة ، وإن كان الشربُ عقيبَ بعضِها أسهلَ مِن بعض ، وعقب الحمَّام ، وعند الانتباه من النوم ، فهذا كُلُّهُ منافٍ لحفظ الصحة ، ولا اعتبار بالعوائد ، فإنها طبائع ثوانٍ .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق