إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

576 زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثالث فصل فى قدوم وفد صُدَاء فى سنة ثمان


576

زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثالث

فصل

فى قدوم وفد صُدَاء فى سنة ثمان

         وقَدِمَ عليه  صلى الله عليه وسلم  وفد صُداء، وذلك أنه لما انصرف من الجِعْرَانَةِ، بعث بعوثاً، وهيأ بعثاً، استعمل عليه قيسَ بنَ سعدِ بن عبادة، وعقد له لواءً أبيض، ودفع إليه رايةً سوداء، وعسكر بناحية قناة فى أربعمائةٍ مِن المسلمين، وأمره أن يطأ ناحيةً من اليمن كان فيها صُداء، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم، وعلم بالجيش، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ؛ جئتُك وافداً على مَن ورائى فاردُدِ الجيشَ، وأنا لك بقومى، فردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قيسَ بن سعد من صَدْرِ قَنَاة، وخرج الصُّدائى إلى قومه، فقدِم على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلاً منهم، فقال سعدُ بن عُبادة: يا رسولَ اللهِ؛ دعهم ينزِلوا علىَّ، فنزلُوا عليه، فحيَّاهم وأكرمهم، وكساهم، ثم راح بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعُوه على الإسلام، فقالوا: نحنُ لك على مَن وراءنا من قومنا، فرجعوا إلى قومهم، ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم منهم مائةُ رجل فى حَجَّة الوداع، ذكر هذا الواقدى عن بعض بنى المُصْطَلِقِ، وذكر من حديث زياد بن الحارث الصُّدائى، أنه الذى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: اردُدِ الجيشَ وأنا لك بقومى، فردَّهم، قال: وقدم وفدُ قومى عليه، فقال لى: ((يا أخا صُداءٍ، إنَّكَ لَمُطَاعٌ فى قَوْمِكَ))؟ قالَ: قلتُ: بلى يا رسولَ الله مِن الله عَزَّ وجَلَّ، ومن رسوله، وكان زيادٌ هذا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره، قال: فاعتَشى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أى سار ليلاً  واعتشينا معه، وكنت رجلاً قوياً، قال: فجعل أصحابُه يتفرَّقون عنه، ولزِمْتُ غَرْزَهُ، فلما كان فى السَّحَر، قال: ((أذِّن يا أخا صُداء)) فأذَّنْتُ على راحلتى، ثم سرنا حتى ذهبنا، فنزل لحاجته، ثم رجع، فقال: يا أخا صُداء؛ هل معك ماء؟ قلت: معى شىء فى إداوتى، فقال: ((هاته)) فجئت به، فقال: ((صُبَّ)) فصببتُ ما فى الإداوة فى القعب، فجعل أصحابُه يتلاحقون، ثم وضع كفَّه على الإناء، فرأيتُ بين كل أصبعين من أصابعه عَيْناً تفورُ، ثم قال: ((يا أخا صُدَاء؛ لولا أنى أستحيى من ربِّى عَزَّ وجَلَّ، لسقينا واستقينا)) ثم توضأ وقال: ((أذِّن فى أصحابى: مَن كانت له حاجة بالوضوء فَلْيَرِدْ)) قال: فوردُوا من آخرهم، ثم جاء بلال يُقيم، فقال: ((إنَّ أخَا صُدَاءٍ أذَّنَ، ومَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يُقِيمُ)) فأقمتُ، ثم تقدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى بنا، وكنتُ سألتُه قَبْلُ أَن يؤمِّرَنى على قومى، ويكتُبَ لى بذلك كتاباً، ففعل، فلما فرغ مِن صلاته، قام رجل يتشكى من عامله، فقال: يا رسول الله؛ إنه أخذنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينه فى الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا خَيْرَ فى الإمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسلِم))، ثم قام آخر، فقال: يا رسولَ الله؛ أعْطنى مِن الصِّدَقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ لم يَكِلْ قِسْمَتَهَا إلى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ولا نَبِىٍّ مُرْسَل، حتَّى جَزَّأََهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فإنْ كُنْتَ جُزْءاً منها أَعْطَيْتُكَ، وإنْ كُنْتَ غَنِيّاً عنها، فإنَّما هِىَ صُداعٌ فى الرَّأْسِ، ودَاءٌ فى البَطْن))، فقُلتُ فى نفسى: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة، وأنا رجل مسلم، وسألتُه مِن الصدقة، وأنا غنى عنها، فقلتُ: يا رسولَ الله؛ هذان كتاباك فاقبلْهُما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَلِمَ))؟ فقلت: إنى سمعتك تقولُ: ((لا خَيْرَ فى الإمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ))، وأنا مسلم، وسمعتُك تقول: ((مَنْ سَأَلَ مِنَ الصَّدَقةِ، وَهُوَ غَنِىٌ عنها، فإنَّما هِىَ صُداعٌ فى الرَّأسِ، ودَاءٌ فى البَطْنِ))  وأنا غَنِىٌ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَمَا إنَّ الَّذِى قلتُ كَمَا قُلتُ))، فقبلهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لى: ((دُلَّنى على رَجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ أَسْتَعْمِلُه))، فدللتُه على رجل منهم، فاستعملَه، قلتُ: يا رسول الله؛ إنَّ لنا بئراً إذا كان الشتاءُ، كفانا ماؤها، وإذا كان الصيفُ، قَلَّ علينا، فتفرقنا على المياه، والإسلامُ اليومَ فينا قليل، ونحن نخاف، فادعُ الله عَزَّ وجَلَّ لنا فى بئرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ناوِلنى سَبْعَ حَصَيَاتٍ))، فناولتُه، فَعَرَكَهُنَّ بيده، ثم دفعهن إلىَّ وقال: ((إذا انتهيتَ إليها، فألقِ فيها حصاةً حصاةً، وسمِّ الله)) قال: ففعلت، فما أدركنا لهَا قعراً حتَّى الساعة.
        
                    


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق