إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 28 يونيو 2014

121 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


121

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

قال كرماس الرومي وكان ممن أسد بعد ذلك وحضر وحدث به‏:‏ يا معاشر الملوك والبطارقة إني قد اطلعت على الكتب القديمة وفيها أنهم إن ملكوا البهنسا ونواحيها فلا تقوم لأهل الصعيد بعد ذلك قائمة قال فلما سمع الملوك ذلك صقعوا له ثم انتدب من بطارقته عشرين ألفًا ممن عرفت شجاعتهم وبراعتهم وملك عليهم صاحب الكفور وكان كافرًا طاغيًا وكان اسمه بولص وكان لعينًا ودفع له صليبًا من الذهب وعلمًا من الحرير الأطلس الأصفر مرقومًا بالذهب فيه صورة الشمس ودفع لهم ما يحتاجون له من الجنائب والقباب والسرادقات ومضارب الديباج الملون وأواني الذهب والفضة والصناديق المملوءة بالذهب والفضة والبراذين والبغال وعليها أحمال الحرير الملون وبعضها محمل بالأواني المذكور والخيام والسرادقات وسارت العساكر وتتابعت الملوك بالمواكب يتلو بعضها بعضًا حتى قربوا من مدينة ببا الكبرى فخرج إليهم بطريقًا صندراس وتلقاهم وفعل معهم كما فعل البطليموس وأضافهم وجهز معهم جيشًا عشرة آلاف فارس من صناديد بطارقته وولي عليهم بطريقًا اسمه دارديس وكان يناظر بطريق الكفور في الشجاعة والقوة والبراعة وساروا حتى قربوا من مدينة برنشت فخرج إليهم بطريقها فتلقاهم وكان يناظر البطريق الأعظم رأس بطارقة الكوة ولم يزالوا سائرين حتى ملؤوا الأرض قال الراوي‏:‏ وأما ما كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لما نزلوا قريبًا من دهشور كما ذكرنا وكانت العيون من المسلمين من بني طيء ومذحج ينزلون ويتزيون بزي العرب المتنصرة يتجسسون الأخبار حتى اختلطوا بالعساكر المذكورة وكانوا حذاقًا متفرسين فلما رأوا ذلك هالهم أمره‏.‏
قال الراوي‏:‏ حدثني سنان بن قيس الربعي عن طارق بن مكسوح الفزاري عن زيد بن غانم الثعلبي وكان ممن حضر الفتوح وشهد الوقعة صحبة جيش خالد بن الوليد رضي الله عنه‏.‏
قال‏:‏ بينما نحن جلوس نصلح شأننا بالمرج ونحن على أهبة السفر إذ قدمت الجواسيس فأخبروا خالدا بقدوم العساكر‏.‏
فقال لهم‏:‏ هل حزرتم الجيوش‏.‏
فقالوا‏:‏ نعم نحو مائتي ألف فارس وخمسين ألف راجل من النوبة والبربر والبجاوة والفلاحين وغيرهم وهم في أهبة عظيمة ومعهم ألف وثلثمائة فيل وعلى ظهورها الرجال كما وقع في يوم حرب العراق فلما سمع الأمراء ذلك اضطربوا وثبتوا جنانهم وقالوا‏:‏ ‏{‏قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 51‏]‏‏.‏ وقال خالد‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قرأ ‏{‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏‏.‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏ ثم إن خالد قال لأصحابه‏:‏ ولا تهتموا لذلك واصبروا ‏{‏وأنتم الأعلون والله معكم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 35‏]‏‏.‏ فليست جموعهم بأكثر من جموع اليرموك ولا من جموع أجنادين ومع ذلك فقد ملكتم مصرهم التي هي تاج عزهم وملكتم الوجه البحري وقتلتم مائة من ملوكهم وبطارقتهم وقد صارت الشام واليمن والعراق والحجاز بأيديكم وقد دانت لكم البلاد وقد كنتم قليلًا فكثركم الله وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها وقاتلتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرتم بالملائكة ووعدكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه يستخلفكم في الأرض كما استخلف الذين من قبلكم ومن قتل منكم كان له الجنة وتنتقل روحه إلى روح وريحان ورب غير غضبان فلما سمعوا كلامه تهللت وجوههم فرحًا وقالوا‏:‏ يا خالد نحن كلنا بين يديك وقد وهبنا أنفسنا لله ابتغاء وجه الله ومرضاته‏.
  قال الراوي
‏:‏وإن البطارقة لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عولوا على ضربهم شجع بعضهم بعضًا وقال لهم بطرس أخو بولس المقتول‏:‏ اعلموا أنكم إن انكسرتم لا تقوم لكم قائمة بعد هذا أبدًا ويملكون بلادكم ويقتلون رجالكم ويسبون حريمكم وعليكم بالصبر ولتكن حملتكم واحدة ولا تتفرقوا وقدموا الفيلة أمامكم والرجالة خلف ظهوركم واستعينوا بالصليب فهو ينصركم‏.‏
قال الراوي‏:‏ وأما عمرو وخالد فإنهما قالا‏:‏ نريد من يكشف لنا عن القوم ويعود فوثب الفضل بن العباس رضي الله عنه وقال‏:‏ أنا فسار حتى قرب من القوم ورأى زيهم وأهبتهم ورأى شعاع البيض والبيارق والرايات كأجنحة النسور فلما رآه القوم قالوا‏:‏ فارس قد طلع ولا شك أنه طليعة فأيكم يبتدره فابتدره ثلاثون فارسًا فلما نظرهم ولى كأنه منهزم وركض قليلًا حتى بعد ثم لوى عنان الجواد نحوهم وطعن أول فارس والثاني والثالث فدخل رعبه في قلوبهم فانهزموا وتبعهم وهو يصرع فارسًا بعد فارس حتى صرع منهم عشرين فارسًا فلما قرب من الروم ولى راجعًا إلى المسلمين وأعلمهم بذلك فقالوا له‏:‏ غررت بنفسك يا ابن عم رسول الله فقال‏:‏ إن القوم طلبوني وخفت أن يراني الله منهزمًا فجاهدت بإخلاص فنصرني الله عليهم واعلموا أنهم لنا غنيمة إن شاء الله تعالى‏.‏
قال فأقبل عمرو وخالد يرتبان العساكر ميمنة وميسرة وجناحين كما تقدم في اليوم الأول فجعل في الساقة زياد بن أبي سفيان بن الحرث في ألف فارس حول البنين والبنات والأموال وكانت فيهم النساء اللاتي تقدم ذكرهن في أجنادين واليرموك وهن‏:‏ عفيرة بنت غفار وأم أبان بنت عتبة أخت هند وخولة بنت الأزور ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت ذراع ولبنى بنت سوار وسلمى بنت النعمان وهند بنت عمرون وزينب الأنصارية فهؤلاء من النساء اللاتي عرفن بالشجاعة فقال لهن خالد‏:‏ يا بنات العرب لقد فعلتن فعالًا أرضيتن الله ورسوله والمسلمين بها وقد بقي لكن ذكر يتحدث به جيلًا بعد جيل وهذه أبواب الجنان قد فتحت لكن وأبواب النيران قد فتحت لأعدائكن وإني أحرضكن إذا جاءت الروم والسودان إليكن فقاتلن عن أنفسكن كما قاتلتن في يوم أجنادين ويوم اليرموك فإن رأيتن أحدًا هاربًا فدونكن وإياه بالعمد وأشرفن عليه بولده وقلن له‏:‏ إلى أين تولي عن أهلك وولدك وحريمك وحرضن المسلمين على ذلك فقلن‏:‏ أيها الأمير ما يفرحنا إلا أن نموت أمامك يا أبا سليمان لنضربن وجوه الروم والسودان حتى لا يبقى لنا عذر‏.‏
قال‏:‏ فشكرهن على ذلك‏.‏
ثم عاد خالد إلى الصفوف وجعل يدور بينها بجواده ويحرض الناس على القتال وهو يقول‏:‏ أيها الناس انصروا الله ينصركم وقاتلوا من كفر واحبسوا أنفسكم في سبيل الله واصبروا على قتال أعداء الله وقاتلوا عن حريمكم وأولادكم ولا تحملوا حتى آمركم بالحملة ولتكن سهامكم تخرج من كبد قوس واحد فإن السهام إذا خرجت جميعًا لم يخل أن يكون فيها سهم صائب واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون‏.‏
واعلموا أنكم لا تلقون بالوجه القبلي مثل هؤلاء اللئام فإنهم حماتهم وبطارقتهم وملوكهم فقالوا‏:‏ سمعًا وطاعة وأقبل خالد ووقف في القلب مع عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقيس بن هبيرة ورافع بن عميرة الطائي والمسيب بن نجيبة الفزاري وذوي الكلاع الحميري وربيعة بن عباس ومالك بن الأشتر والعباس بن مرداس السلمي ونظائرهم من بقية الأمراء‏.‏
ثم زحفوا بسكينة ووقار‏.‏
فلما رأى الروم ذلك والسودان زحفوا وكانوا ملء الأرض طولًا وعرضًا فلما التقى الفئتان وتراكم الجمعان وقد أظهر أعداء الله في زينتهم الصلبان والأعلام ورفعوا أصواتهم بالكفر والبهتان فبينما الناس كذلك إذ خرج راهب كبير عليه جبة سوداء وقلنسوة وزنار فنادى بلسان عربي‏:‏ أيكم أمير القوم فيخاطبني ويخرج إلي فخرج إليه خالد‏.‏
فقال له‏:‏ أنت أمير القوم قال خالد‏:‏ كذلك يزعمون ما دمت على طاعة الله وسنة رسوله‏.‏
فإن أنا بدلت أو غيرت فلا طاعة لي عليهم ولا إمارة‏.‏
فقال القس‏:‏ اعلم أنكم قد ملكتم بلادًا وقدمتم إلى بلاد ما جسر ملك من الملوك أن تتعزض لها ولا يدخلها وإن ملوكًا كثيرة أرادوها فرجعوا خائبين وأفنوا أنفسهم عليها وإن النصر لا يدوم لكم وإن الملوك أرسلوني إليكم‏.‏
فإن سمحتم نجمع لكم مالًا ونعطي لكل واحد منكم ثوبًا وعمامة ودينارًا ولك أنت مائة ثوب ومائة عمامة ومائة دينار ولكل واحد حمل من البر وحمل من الشعير ولك عشرة أحمال ولصاحبكم عمرو عشرة آلاف دينار ومثلها ثياب ومثلها عمائم ومائة حمل بر ومائة حمل شعير وارحلوا عنا وأنتم موقرون أنفسكم فإننا عدد الجراد ولا تظنونا كمن لاقيتم من الفرس والروم وأهل الشام والقبط‏.‏
فإن في هذا الجيش من النوبة والبجاوة والسودان والروم وكبار البطارقة والأساقفة ونجمع عليكم ما لا طاقة لكم به من بلاد السودان والواحات وكأنكم بالنجدة قد وردت علينا وإن بقية الروم لم تأت إليكم وإنما أرسلوا من يقاتل عنهم فقال خالد‏:‏ والله ما نوجع عنكم إلا بإحدى ثلاث خصال‏:‏ إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو القتال وأما ما ذكرت أنكم عدد الجراد فالله قد وعدنا بالنصر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه وأما ما ذكرت أنكم تعطوننا من الثياب والعمائم فعن قريب نلبس ثيابكم وعمائمكم ونملك بلادكم جميعها كما ملكنا الشام ومصر والعراق واليمن والحجاز والروم فقال الراهب‏:‏ أنا أرجع أخبر أصحابي بذلك‏.‏
فإني قد أتيت من قبل البطليوس صاحب مدينة البهنسا وقد أرسلني إلى صاحب أهناس واتفق الملوك والبطارقة وأرسلوني إليكم وأنا أرجع إليهم وأخبرهم بجوابك‏.‏

يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق