2652
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
الصلح مع ملوك التتر وصهر الناصر مع ملوك الشمال منهم:
كان للتتر دولتان مستفحلتان إحداهما دولة بني هلاكو آخذ بغداد والمستولي على كرسي الإسلام بالعراق، وأصارها هو وبنوه كرسياً لهم. ولهم مع ذلك عراق العجم وفارس وخراسان وما وراء النهر، ودولة بني دوشي خان بن جنكز خان بالشمال متصلة إلى خوارزم بالمشرق إلى القرم وحدود القسطنطينية بالجنوب، وإلى أرض بلغار بالمغرب. وكان بين الدولتين فتن وحروب كما تحدث بين الدول المجاورة، وكانت دولة الترك بمصر والشام مجاورة لدولة بني هلاكو، وكانوا يطمعون في ملك الشام ويرددون الغزو إليه مرة بعد أخرى، ويستميلون أولياءهم وأشياعهم من العرب والتركمان فيستظهرون بهم عليهم كما رأيت ذلك في أخبارهم. وكانت
بين ملوكهم من الجانبين وقائع متعددة، وحروبهم فيها سجال، وربما غلبوا من الفتنة بين دولة دوشي وبين بني هلاكو. ولبعدهم عن فتنة بني دوشي خان لتوسط الممالك بين مملكتهم ومملكة مصر والشام فتقع لهم الصاغية إليهم، وتتجدد بينهم المراسلة والمهاداة في كل وقت، ويستحث ملك الترك ملك صراي من بني دوشي خان لفتنة بني هلاكو والأجلاب عليهم في خراسان وما إليها من حدود مملكتهم ليشغلوهم عن الشام، ويأخذوا بحجزتهم عن النهوض اليه. وما زال دأبهم من أول دولة الترك. وكانت رغبة بني دوشي خان في ذلك أعظم، يفتخرون به على بني هلاكو. ولما ولي صراي أنبك من بني دوشي خان ثلاث عشرة، وكان نائباً ببلاد الروم قطلغمير، وفدت عليه الرسل من مصر على العادة فعرض لهم قطلغمير بالصهر مع السلطان الناصر ببعض نساء ذلك البيت، على شرطية الرغبة من السلطان في ظاهر الأمر، والتمهل منهم في إمضاء ذلك. وزعموا أن هذه عادة الملوك منهم ففعل السلطان ذلك، وردد الرسل والهدايا أعواماً ستة إلى أن استحكم ذلك بينهم، وبعثوا إليه بمخطوبته طلبناش بنت طغاجي بن هند وابن بكر بن دوشي سنة عشرين، مع كبير المغل وكان مقلداً يحمل على الأعناق، ومعهم جماعة من أمرائهم، وبرهان الدين أمام أزبك ومروا بالقسطنطينية فبالغ لشكري في كرامتهم. يقال أنه أنفق عليهم ستين ألف دينار، وركبوا البحر من هناك إلى الإسكندرية. ثم ساروا بها إلى مصر محمولة على عجلة وراء ستور من الذهب والحرير يجرها كديش يقوده إثنان من مواليها في مظهر عظيم من الوقار والتجلة. ولما قاربوا مصر ركب للقائهم النائبان أرغون وبكتمر الساقي في العساكر وكريم الدين وكيل السلطان، وأدخلت الخاتون إلى القصر، واستدعى ثالث وصولها القضاء والفقهاء وسائر الناس على طبقاتهم إلى الجامع بالقلعة، وحضر الرسل الوافدون عندهم بعد أن خلع عليهم. وإنعقد النكاح بين وكيل السلطان ووكيل أزبك، وإنفض ذلك المجمع وكان يوماً مشهوداً. ووصلت رسل أبي سعيد صاحب بغداد والعراق سنة اثنتين وعشرين وفيهم قاضي توريز يسألون الصلح، وانتظام الكلمة واجتماع اليد على إقامة معالم الإسلام من الحج وإصلاح السابلة وجهاد العدو، فأجاب السلطان إلى ذلك، وبعث سيف الدين أيتمش المحمدي لأحكام العقد معهم وامتضاء إيمانهم فوجهه لذلك بهدية سنية، وعاد سنة ثلاث وعشرين ومعه رسل أبي سعيد، ومعه جوبان لمثل ذلك فتم ذلك وانعقد بينهم. وقد كانت قبل ذلك تجددت الفتنة بين أبي سعيد وصاحب صراي نفرة من أزبك صاحب صراي من تغلب جوبان على أبي سعيد وفتكه في المغل. وكانت بين جوبان وبين سبول صاحب خوارزم وما وراء النهر فتنة ظهر فيها أزبك
وأمده بالعساكر، فاستولى أزبك على أكثر بلاد خراسان، وطلب من الناصر بعد الإلتحام بالصهر المظاهرة على أبي سعيد وجوبان فأجابه إلى ذلك. ثم بعث إليه أبو سعيد في الصلح كما قلناه فآثر وعقد له. وبلغ الخبر إلى أزبك ورسل الناصر عنده فأغلظ في القول، وبعث بالعتاب. واعتذر له الناصر بأنهم إنما دعوه لإقامة شعائر الإسلام، ولا يسع التخلف عن ذلك فقبل. ثم وقعت بينه وبين أبي سعيد مراوضة في الصلح بعد أن استرد جوبان ما ملكه أزبك من خراسان، فتوادع كل هؤلاء الملوك واصطلحوا ووضعوا أوزار الحرب حيناً من الدهر، إلى أن تقلبت الأحوال وتبدلت الأمور، والله مقلب الليل والنها ر.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق