2642
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
انتقاض الأمير بيبرس وعود الناصر إلى ملكه:
ولما دخلت سنة تسع هرب بعض موالي الناصر فلحقوا بالكرك، وقلق الظاهر بيبرس المظفر وبعث في أثرهم فلم يدركوهم، واتهم آخرون فقبض عليهم، ونشأت الوحشة لذلك. واتصلت المكاتبة من الأمراء الذين بالشام إلى السلطان بالكرك، وخرج من مكانه يريد النهوض إليهم. ثم رجع ووصل كتاب نائب دمشق أقوش الأفرم فسكن الحال، وبعث الجاشنكير بيبرس إلى السلطان برسالة مع الأمير علاء الدين مغلطاي أيدغلي وقطلوبغا تتضمن الأرجاف فثارت لها حفائظه، وعاقب الرسولين، وكاتب أمراء الشام يتظلم من بيبرس وأصحابه بمصر ويقول:
سلمت لهم في الملك ورضيت بالضنك رجاء الراحة فلم يرجعوا عني، وبعثوا إلى بالوعيد وإنهم فعلوا ما فعلوا بأولاد المعز أيبك وبيبرس الظاهر ومثل ذلك من القول، ويستجدهم ويمت إليهم بوسائل التربية والعتق في دفاع هؤلاء عنه، وإلا لحقت ببلاد التتر. وبعث بهذه الرسالة مع بعض الجند كان مستخدماً بالكرك من عهد أقوش الأشرفي، وأقام هنالك وكان مولعاً بالصيد فاتصل بالسلطان في مصايده. وبث إليه ذات يوم شكواه فقال: أنا أكون رسولك إلى أمراء الشام فبعث إليهم بهذه الرسالة فامتعضوا وأجابوه بالطاعة كما يجب منهم. وسار السلطان إلى البلقاء، وأرسل جمال الدين أقوش الأفرم نائب دمشق إلى مصر فأخبر الجاشنكير بيبرس بالحال، واستمده بالعساكر للدفاع فبعث إليه بأربعة آلاف من العساكر مع كبار الأمراء، وأزاح عللهم وأنفق في سائر العساكر بمصر، وكثر الأرجاف وشغبت العامة، وتعين مماليك السلطان للخروج إلى النواحي إسترابة بمكانهم. ووصل الخبر برجوع السلطان من البلقاء إلى الكرك لرأي رآه، واستراب لرجعته سائر أصحابه وحاشيته. وخاف أن يهجمهم عساكر مصر بما كان يشاع عندهم من اعتزام بيبرس على ذلك. ثم دس السلطان إلى مماليكه وشيع إليهم فأجابوه، وأعاد الكتاب إلى نواب الشام: مثل شمس الدين اقسنقر نائب حلب، وسيف الدين نائب حمص فأجابوه بالسمع والطاعة، وبعث نائب حلب ولده إليه واستنهضوه للوصول فخرج من الكرك في شعبان سنة تسع، ولحق به طائفة من أمراء دمشق. وبعث النائب أقوش أميرين لحفظ الطرقات فلحقا بالسلطان. وكتب بيبرس الجاشنكير إلى نواب الشام بالوقوف مع جمال الدين أقوش نائب دمشق والإجتماع على السلطان الناصر عن دمشق فأعرضوا ولحقوا بالسلطان وسار أقوش إلى البقاع والشقيف، واستأمن إلى السلطان فبعث إليه بالأمان مع أميرين من أكابر أمرائه. وسار إلى دمشق فدخلها وهي خالصة يومئذ لسيف الدين بكتمرأمير جامدار جاءه من صفد وهاجر إلى خدمته فتلقاه وجازاه أحسن الجزاء. ثم وصل أقوش الأفرم فتلقاه السلطان بالمبرة والتكرمة، وأقره على نيابة دمشق. واضطربت أمور الجاشنكير بمصر، وخرجت طائفة من مماليك السلطان هاربين إلى الشام فسرح في أثرهم العساكر فأدركوهم، ونال الهاربون منهم قتلاً وجراحة ورجعوا، وثاب العامة والغوغاء وأحاصوا بالقلعة وجاهروا بالخلعان. وقبض على بعضهم وعوقب فلم يزدهم إلا عتوا وتحاملا. وارتاب الجاشنكير لحاله، واجتمع الناس للحلف، وحضر الخليفة وجدد عليه وعليهم الحلف، وبعث نسخة البيعة لتقرأ بالجامع يوم الجمعة فصاح الناس بهم وهموا أن يحصبوهم على المنابر، فرجع إلى النفقة وبذل المال، واعتزم على المسير إلى الشام. وقدم
أكابر الأمراء فلحقوا بالسلطان، وزاد اضطراب بيبرس وخرج السلطان من دمشق منتصف رمضان، وقدم بين يديه أميرين من أمراء غزة فوصلاها، واجتمعت إليه ا العرب والتركمان وبلغ الخبر إلى الجاشنكير فجمع إليه شمس الدين سلار وبدر الدين بكتوت الجو كندار وسيف الدين السلحدار، وفاوضهم في الأمر فرأوا أن الخرق قد إتسع، ولم يبق إلا البدار بالرغبة إلى السلطان أن يقطعه الكرك أو حماة أو صهيون، ويتسلم السلطان ملكه فأجمعوا على ذلك، وبعثوا بيبرس الدوادار وسيف الدين بهادر بعد أن أشهد الجاشنكير بالخلع، وخرج من القلعة إلى أطفيح بمماليكه فلم يستقر بها، وتقدم قاصداً أسوان واحتمل ما شاء من المال والذخيرة، وخيول الإصطبل. وقام بحفظ القلعة صاحبه سيف الدين سلار، وكاتب السلطان يطالعه بذلك، وخطب للسلطان على المنابر ودعي باسمه على المآذن، وهتف باسمه العامة في الطرقات. وجهز سلار سائر شعار السلطنة ووصلت رسل الجاشنكير إلى السلطان بما طلب فأسعفه بصهيون وردهم إليه بالأمان والولاية، ووافى السلطان عيد الفطر بالبركة ولقيه هنالك سيف الدين سلار وأعطاه الطاعة. ودخل السلطان إلى القلعة، وجلس باقي العيد بالإيوان جلوساً فخماً، واستخلف الناس عامة. وسأله سلار في الخروج إلى إقطاعه فأذن له بعد أن خلع عليه فخرج ثالث شوال، وأقام ولده بباب السلطان. ثم بعث السلطان الأمراء إلى أخميم فانتزعوا من الجاشنكير ما كان احتمله من المال والذخيرة وأوصلوها إلى الخزائن ووصل معهم جماعة من مماليكه كانوا أمراء، واختاروا الرجوع إلى السلطان. وولى السلطان سيف الدين بكتمر الجو كندار أمير جاندار نائباً بمصر، وقراسنقر المنصور نائباً بدمشق. وبعث نائبها الأفرم نائباً بصرخد، وسيف الدين بهادر نائباً بطرابلس، وخرجوا جميعاً إلى الشام. وقبض السلطان على جماعة من الأمراء ارتاب بهم، وولى على وزارته فخر الدين عمر بن الخليلي عوضاً عن ضياء الدين أبي بكر ثم إنصرف بيبرس الجاشنكيرمتوجهاً إلى صهيون وبها بهادر بها الأشجعي موكل به إلى حيث قصد، ورجع عنه الأمراء الذين كانوا عنده إلى السلطان فاستضاف بعضهم إلى مماليكه، واعتقل بعضهم. ثم بدا للسلطان في أمره، وبعث إلى قراسنقر وبهادر، وهما مقيمان بغزة، ولم ينفصلا إلى الشام أن يقبضا عليه فقبضا عليه وبعثا به إلى القلعة آخر ذي القعدة فاعتقل ومات هنالك، والله تعالى ولي التوفيق.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق