إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 3 فبراير 2015

2635 تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون ) من تاريخ العلامة ابن خلدون المجلد الخامس من صفحة 413- واقعة التتر مع الناصر واستيلاء غازان على الشام ثم ارتجاعه منه:



 2635

تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )

 من تاريخ العلامة ابن خلدون

المجلد الخامس

من صفحة 413-


واقعة التتر مع الناصر واستيلاء غازان على الشام ثم ارتجاعه منه:

قد كنا قدمنا ما حدث من الوحشة بين التتر وبين الترك بمصر، وقدمنا من أسبابها ما قدمناه. فلما بويع الناصر بلغه أن غازان زاحف إلى الشام فتجهز وقدم العساكر مع قطلبك الكبير وسيف الدين غزار. وسار على أثرهم آخر سنة ثمان وسبعين وانتهى إلى غزة فنمي إليه أن بعض المماليك مجمعون للتوثب عليه، وأن الأربدانية الذين وفدوا من التتر على كيبغا داخلوهم في ذلك. وبينما هو يستكشف الخبر إذ بمملوك من أولئك قد شهر سيفه واخترق صفوف العسكر وهم مصطفون بظاهر غزة فقتل لحينه، وتتبع أمرهم من هذه البادرة حتى ظهرت جليتها فسبق الأربدانية ومقدمهم طرنطاي، وقتل بعض المماليك وحبس الباقين بالكرك. ورحل السلطان إلى عسقلان ثم إلى دمشق. ثم سار ولقي غازان ما بين سلمية وحمص بمجمع المروج ومعه الكرج والأرمن، وفي مقدمته أمراء الترك الذين هربوا من الشام وهم قفجق المنصوري وبكتمر السلحدار وفارس الدين البكي وسيف الدين غزار، فكانت الجولة منتصف ربيع فانهزمت ميمنة التتر وثبت غازان. ثم حمل على القلب فانهزم الناصر، واستشهد كثير من الأمراء، وفقد حسام الدين قاضي الحنفية وعماد الدين إسماعيل ابن الأمير، وسار غازان إلى حمص فاستولى على الذخائر السلطانية.  وطار الخبر إلى دمشق فاضطربت العامة وثار الغوغاء، وخرج المشيخة إلى غازان يقدمهم بدر الدين بن جماعة وتقي الدين بن تيمية وجلال الدين القزويني. وبقي البلد فوضى وخاطب المشيخة غازان في الأمان فقال قد خالفكم إلى بلدكم



 كتاب الأمان. ووصل جماعة من أمرائه فيهم إسماعيل ابن الأمير والشريف الرضي وقرأ كتاب الأمان ويسمونه بلغاتهم الفرمان. وترجل الأمراء بالبساتين خارج البلد وامتنع علم الدين سلحدار بالقلعة فبعث إليه إسماعيل يستنزله بالأمان فامتنع فبعث إليه المشيخة من أهل دمشق فزاد امتناعا ودمشق ودس إليه الناصر بالتحفظ. وأن المدد على غزة ووصل قفجق بكتمر فنزلوا الميدان، وبعثوا إلى سنجر صاحب القلعة في الطاعة فأساء جوابهم وقال لهم: إن السلطان وصل وهزم عساكر التتر التي اتبعته. ودخل قفجق إلى دمشق فقرأ عهد غازان له بولاية دمشق والشام جميعا، وجعل إليه ولاية القضاء وخطب لغازان في الجامع، وانطلقت أيدي العساكر في البلد بأنواع جميع العيث، وكذا في الصالحية والقرى التي بها والمزة وداريا. وركب ابن تيمية إلى شيخ الشيوخ نظام الدين محمود الشيباني. وكان نزل بالعادلية فأركبه معه إلى الصالحية وطردوا منها أهل العيث، وركب المشيخة إلى غازان شاكين فمنعوا من لقائه حذرا من سطوته بالتتر فيقع الخلاف ويقع وبال ذلك على أهل البلد. فرجعوا إلى الوزير سعد الدين ورشد الدين فأطلقوا لهم الأسرى والسبي.

وشاع في الناس أن غازان أذن للمغل في البلد وما فيه ففزع الناس إلى شيخ الشيوخ وفرضوا على أنفسهم أربعمائة ألف درهم مصانعة له على ذلك وأكرهوا على كرمها بالضرب والحبس حتى كملت. ونزل التتر بالمدرسة العادلية فأحرقها ارجواش نائب القلعة ونصب المنجنيق على القلعة بسطح جامع بني أمية فأحرقوه فأعيد عمله. وكان المغل يحرسونه فانتهكوا حرمة المسجد بكل محرّم من غير استثناء، وهجم أهل القلعة فقتلوا النجار الذي كان يصنع المنجنيق وهدم نائب القلعة ارجواش ما كان حولها من المساكن والمدارس والأبنية ودار السعادة، وطلبوا ما لا يقدرون عليه، وامتهن القضاة والخطباء وعطلت الجماعات والجمعة، وفحش القتل والسبي، وهدمت دار الحديث وكثير من المدارس. ثم قفل إلى بلده بعد أن ولي على دمشق والشام قفجق، وعلى حماة وحمص بكتمر السلحدار، وعلى صفد وطرابلس والساحل فارس الدين البكي، وخلف نائبه قطلوشاه في ستين ألف حامية للشام واستصحب وزيره بدر الدين بن فضل الله وشرف الدين ابن الأمير وعلاء الدين بن القلانسي. وحاصر قطلوشاه القلعة فامتنعت عليه فاعتزم على الرحيل، وجمع له قفجق الأوغاد في جمادى من السنة، وبقي قفجق منفردا بأمره فأمن الناس بعض الشيء، وأمر مماليكه ورجعت عساكر التتر من اتباع الترك بعد أن وصلوا إلى القدس وغزة والرملة واستباحوا ونهبوا، وقائدهم يومئذ مولاي من أمراء التتر فخرج إليه ابن تيمية واستوهبه بعض الأسرى فأطلقهم. وكان الملك الناصر لما وصل إلى القلعة ووصل معه كيبغا العادل، وكان حضر



 معه المعركة من محلّ نيابته بصرخد. فلما وقعت الهزيمة سار مع السلطان إلى مصر وبقي في خدمة النائب سلار، وجرّد السلطان العساكر وبث النفقات وسار إلى الصالحية وبلغه رحيل غازان من الشام. ووصل إليه بليان الطباخي نائب حلب على طريق طرابلس، وجمال الدين الأفرم نائب دمشق وسيف الدين كراي نائب طرابلس. واتفق السلطان في عساكرهم، وبلغه أن قطلوشاه نائب غازان رحل من الشام على أثر غازان فتقدم بيبرس وسار في العساكر، ووقعت المراسلة بينه وبين قفجق وبكتمر والبكى فأذعنوا للطاعة، ووصلوا إلى بيبرس وسلار فبعثوا بهم إلى السلطان وهو في الصالحية في شعبان من السنة فركب للقائهم وبالغ في تكرمتهم والإتطاع لهم. وولى قفجق على الشويك، ورحل عائدا إلى مصر. ودخل بيبرس وسلار إلى مصر وقرروا في ولايتها جمال الدين أقوش الأفرم بدمشق، وفي نيابة حلب قراسنقر المنصوري الجوكندار لاستعفاء بليان الطباخي عنها وفي طرابلس سيف الدين قطلبك، وفي حماة كيبغا العادل، وفي قضاء دمشق بدر الدين بن جماعة لوفاة إمام الدين بن سعد الدين القزويني. وعاد بيبرس وسلار إلى مصر منتصف شوال، وعاقب الأفرم كل من استخدم للتتر من أهل دمشق. وأغزى عساكره جبل كسروان والدرزية لما نالوا من العسكر عند الهزيمة، وألزم أهل دمشق بالرماية وحمل السلاح. وفرضت على أهل دمشق ومصر الأموال عن بعث الخيالة والمسكن لأربعة أشهر وضمان للقرى وكثر الأرجاف سنة سبعمائة بحركة التتر فتوجه السلطان إلى الشام بعد أن فرض على الرعية أموالاً، واستخرجها لتقوية عساكره. وأقام بظاهر غزة أياما يؤلف فيها الأمصار. ثم بعث ألفي فارس إلى دمشق، وعاد إلى مصر منسلخ ربيع الآخر. وجاء   غازان بعساكره وأجفلت الرعايا أمامه حتى ضاقت بهم السبل والجهات فنزل ما بين حلب ومرس ونازلها، واكتسح البلاد إلى أنْطاكِية وجبل السمر، وأصابهم هجوم البرد وكثرة الأمطار والوحل، وانقطعت الميرة عنهم، وعدمت الأقوات وصوعت المراعي من كثرة الثلج، وارتحلوا إلى بلادهم. وكان السلطان قد جهز العساكر كما قلنا إلى الشام صحبة بكتمر السلحدار نائب صفد، وولى مكانه سيف الدين فنحاص المنصوري. ثم وقعت المراسلة بين السلطان الناصر وبين غازان وجاءت كتبه، وبعث الناصر كتبه ورسله وولى السلطان على حمص فارس الدين البكي، والله سبحانه وتعالى أعلم.





يتبع 

يارب الموضوع يعجبكم 
تسلموا ودمتم بود 
عاشق الوطن 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق