90
لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
انحراف أمريكا:
رابعا - انحرافُ الشبابِ الأمريكيّ[1]
اخـتراعُ المراهق:
كانَ الأطفالُ قبلَ الخمسيناتِ يمرّونَ من مرحلةِ المراهقةِ إلى مرحلةِ الكبارِ بهدوء، ولكنّهم حصلوا في الخمسيناتِ فجأةً على وضعٍ اجتماعيٍّ جديد، وأصبحوا يُعرفونَ بالمراهقين، وبسببِ الرّواجِ الاقتصاديِّ وجدوا وظائفَ في سلاسلِ محالِّ الوجباتِ السريعة، وأصبحوا هدفًا لرجالِ الإعلانِ لاستنزافِ ما في جيوبِهم من نقود: كريماتٌ تُقلّلُ أو تزيلُ البثورَ والدماملَ وحبَّ الشباب.. شامبوهات.. عطور.. أسطواناتُ فونوجراف.. إلخ.
تدميرُ الأذواقِ الجديدة:
كانَ الشبابُ قبلَ ذلكَ يميلونَ إلى الموسيقى الهادئةِ لا المثيرةِ للعواطف، باستثناءِ موسيقى "البلوز" و"الإيقاع" التي أقبلَ عيها السود، والتي ترجعُ أصولُها الموسيقيّةُ إلى (أفريقيا).. ولكن في عامِ 1951 قرّرَ (آلان فريد) أن يُذيعَ هذه الموسيقى في برنامجِه في محطّةٍ تابعةٍ للبيض، حيثُ أحبَّ المستمعونَ هذه الموسيقى التي سمّاها "روك آند رول".. وسرعانَ ما بدأَ الملحّنونَ البيضُ في تأليفها، واتّسعَ جمهورُ المستمعينَ للملحّنينَ السّود.
ثمَّ ظهرَ (ألفيس بريسلي) الذي طوّرَ أسلوبًا جديدًا في الغناء، سرعانَ ما انتشرَ في (أمريكا) وحولَ العالم.. وفغرَ الآباءُ والأمّهاتُ أفواهَهم من الدهشة، فلم يَكُنْ (إلفيس) يغنّي ويضربُ بقدميه على الأرض فقط، وإنّما كانَ يدورُ حولَ نفسِه ويُحرّكُ مؤخّرتَه ويمطُّ شفتيه.. وكانتْ تلك الحركاتُ في ذلكَ الوقتِ في (أمريكا) غيرَ لائقةٍ لكي تُؤتى علنًا!.. ولكنَّ (إلفيس) كانَ يأتي بها، وعشقَها محبّوه، الذينَ كانوا يتصايحونَ ويصرخونَ ويتدافعونَ للإحاطةِ به على خشبةِ المسرح.. وقد حَرّمتْ بعضُ المدنِ أغاني (إلفيس)، وفصلَتِ المذيعينَ الذينَ كانوا يقدّمونَ أغانيَه، كما كانَ الآباءُ يُحطّمونَ أسطواناتِه.. ومع ذلكَ زادَ عددُ المعجبينَ به، وازدادتْ مبيعاتُ أسطواناتِه.
لقد أقامَ الفنّانونَ من أمثالِ (إلفيس) حاجزًا بينَ المراهقينَ وآبائِهم، وتسبّبوا في وجودِ ما يُسمّى بـ "فجوةِ الأجيال"، لدرجةِ الاختلافِ الحادِّ في الميولِ والأذواق، حتّى في شيءٍ بسيطٍ كالموسيقى.
لقد كانتْ هذه الموسيقى بالنسبةِ لكثيرٍ من المراهقينَ بمثابةِ إعلانٍ للاستقلال، ولم يعتقدوا أنَّ (إلفيس) أخطأَ حينَ صرّحَ أنَّه يتصرّفُ بما يُوحي إليه شُعورُه.. وما هو الخطأُ في التعبيرِ عنِ الذّات؟.. لقد نشأَ معظمُ الكبارِ على أنَّ على المرءِ أن يتصرَّفَ على نحوِ ما هو مفترض، وليس وفقًا لوحيِ شعورِه ونزواتِه.. وبالنسبةِ للكثيرِ من الناسِ كانتِ الموسيقى الجديدةُ مثيرةً للنفور، وكانَ (إلفيس) سوقيًّا.. فماذا حدثَ لضبطِ النفس؟
وصاعدًا فصاعدًا، نمتْ ثقافةُ المراهقين، التي نشأتْ في منتصفِ وأواخرِ الخمسينات، كما اتّسعتْ فجوةُ الأجيال، وبدأتْ المجلاتُ الشعبيّةُ تلفتُ الانتباهَ لظاهرةِ انحرافِ الأحداث، تمهيدًا للانفجارِ الذي حدثَ في السّتّينات.
الثورةُ المضادّة:
شهدتِ السّتيناتُ أيضًا أوجَ انتشارِ "الهيبز"، تلكَ الظاهرةُ التي اتسمتْ بقوّةِ جذبٍ خاصّةٍ لأغنياءِ الطبقةِ المتوسّطةِ من البيضِ في نهايةِ فترةِ المراهقةِ وبدايةِ العشريناتِ من عمرِهم.. وقد رفضَ هؤلاءِ "الهيبز" الأعرافَ الاجتماعيّةَ الثابتة، وتبنَّوا أسلوبَ حياةٍ غيرِ مبالٍ، يرفضُ بازدراءٍ أخلاقَ العملِ الأمريكيِّ المشترك، ويُحرّرُهم ليصبحوا مزارعينَ بسطاءَ أو حرفيّين.. وقد لقيَتِ الدياناتُ الشرقيّةُ والتّصوّفُ شعبيّةً عندَ "الهيبز"، كما أنَّ اللا عنفَ ـ وبخاصّةٍ الشعورُ المناهضُ لحربِ (فيتنام) ـ أصبحَ سمةً مُميّزةً لهذه المجموعة، وهي تبشّرُ للدعوةِ لشعارِ "السلام".
و كردِّ فعلٍ مناهضٍ للمادّيّةِ تبنّى هؤلاءِ الشبابُ والشّابّاتُ نمطًا من الملابسِ لا يخرجُ عادةً عن بنطلوناتِ الجينز الباهتةِ اللون، والفائضِ من ملابسِ الجيشِ والعقود.. وقد أطلقَ الشبابُ من الجنسينِ شعورَهم لتنموَ بحرّيّة، وأصبحَ اللاعرفُ هو القانونَ السائد.
وتوحّدتْ مع هذه الحضارةِ المضادّةِ أنواعٌ من الموسيقى التي تُحدثُ خَدَرًا في الجسم، كما انتشرتْ بشكلٍ هائلٍ العقاقيرُ المنشّطةُ والمخدّرات.. كانتِ الموسيقى بعيدةً كلَّ البعدِ عن الهدوءِ والراحة.. وفي مركزِ تجمّعِ الحضارةِ المضادّةِ مثلِ مقاطعةِ (هايت آشبري) في (سان فرانسيسكو)، أصبحتِ الموسيقى الصاخبةُ والتعاطي العلنيُّ للمخدّراتِ رموزًا دميمةً لأسلوبِ حياةٍ عُرضةٍ للانتقادِ أكثرَ من كونِه متعقّلا أو عمليًّا.
الهُوّةُ المتّسعةُ بينَ الأجيال:
بحلولِ عامِ 1968 تضخّمَ عددُ الشبابِ الذي يتفاوتُ عمرُه بينَ 14 و24 سنةً من 26% إلى 40% من تعدادِ السّكّان.. واعترافًا بتزايدِ عددِهم ونفوذِهم، منحَ الكونجرس الشّبابَ ما بينَ 18 و20 سنةً حقَّ الانتخاب، وذلك ضمنَ التعديلِ السادسِ والعشرينَ للدستورِ الأمريكيِّ عامَ 1971.
وبينما كانَ الشبابُ الأمريكيُّ يعيشُ في "عالمِه الخاصّ"، كانَ آباؤهم يرقُبونَهم بدونِ فهم.. كانوا يشعرونَ بالدهشةِ لملبسِ أطفالِهم، وطريقةِ حياتِهم وموسيقاهم.. كانتْ موسيقى الاحتجاجِ ذاتُ الطابعِ الشعبيِّ والنغماتِ الأكثرِ عنفًا وحسّيّةً ـ موسيقى الروك الحادّة ـ تتدفّقُ لتملأَ موجاتِ الهواءِ وتجذبَ مئاتِ الألوفِ إلى حفلاتِها.
و في إحدى عطلاتِ نهايةِ الأسبوعِ في منتصفِ أغسطس عامَ 1969، تدفّقَ حوالَيْ 400 ألفِ شابٍّ وفتاةٍ على (بيثيل) في (نيويورك)، لحضورِ حفلٍ لموسيقى الروك، أُطلقَ عليه اسم: (مهرجان وودستوك للموسيقى والفنون).. جاءوا من كلِّ ولايةٍ أمريكيّة، وقد ارتدَوا بنطلوناتِ الجينز متدرّجةَ الصباغة، وقمصانَ العمّالِ، وعصاباتِ الرأسِ والصنادل، حيثُ راحوا يتجمّعونَ في أحدِ المراعي الواسعة.. لم يَكُنْ منظّمو الحفلِ ولا السلطاتُ المحلّيّةُ مستعدّينَ لتلكَ الحشودِ الضّخمة، فلم يَكُنِ الطعامُ والماءُ متوافرينِ ولا المأوى أو الحمّامات.. وأضيفَ إلى هذه المشاكلِ سقوطُ الأمطارِ وتراكمُ الأوحال.. وفورَ بدءِ الحفلِ خيّمَ على الناسِ جوٌّ من السعادةِ لا يمكنُ السيطرةُ عليه، وسارعَ البعضُ بخلعِ ملابسِه والمشاركةِ في تعاطي الماريجوانا، وسْطَ جوٍّ من التجاهلِ من الضّبّاطِ المسئولين.. وأصبحتْ (وودستوك) من وجهةِ نظرِ نقّادِها مشهدًا للتّحلّلِ من الأخلاق، في حينِ رأى فيها الكثيرونَ احتمالا بأنَّ الشبابَ ليسَ كلُّه سيّئًا!
وبعدَ مضيِّ أربعةِ أشهرٍ فقط، وخلالِ حفلٍ موسيقيٍّ في مدينةِ (ألتامونت) بولايةِ (كاليفورنيا) حدثَ أسوأُ ما خشيَه نقّادُ (وودستوك).. فقد تجمّعَ 300 ألفٍ من الشبابِ في أحدِ طُرقِ سباقِ السّياراتِ القديمةِ للاستماعِ إلى فرقةِ (الرولينج ستونز)، ونظرًا لغيابِ الأمن، استأجرتِ الفرقةُ أعضاءَ عصابةٍ تركبُ الدّرّاجاتِ البخاريّةَ وتُطلقُ على نفسِها اسمَ (ملائكة الجحيم) لحفظِ النظام.. ثمَّ تصاعدَ التّوتّر، وضربُ أعضاءُ العصابةِ أحدَ الشبابِ السّودِ حتّى الموت، وتتابعتْ عمليّاتُ ضربٍ أخرى وقعتْ خلالَها بعضُ الخسائرِ في الأرواح.
الجريمة:
بحلولِ عامِ 1970 أصبحتْ مجتمعاتٌ بأسرِها منشغلةً بالجريمة.. كانَ من الممكنِ رصدُ أثرِ تزايدِ الأطفالِ الذينَ يدخلونَ سنَّ المراهقةِ أو العشريناتِ من عمرِهم على تصاعدِ معدّلاتِ الجريمة.. ففي خلالِ عشرِ سنواتٍ فقط، ارتفعتْ حوادثُ القتلِ بنسبةِ 75%.. وفي الفترةِ من 1963 و1973 ارتفعَ إنفاقُ الشرطةِ في كافّةِ أنحاءِ البلادِ إلى 800%.. وذكرَ تقريرٌ لمعهدِ "جالوب" لاستطلاعِ الرأيِ أنَّ أربعةً من كلِّ عشرةِ أشخاصٍ يخشَونَ السيرَ في شوراعِ مدنِهم والمناطقِ المجاورة.. وكانَ هناكَ العديدُ من الاضطراباتِ في الشوارعِ: اضطراباتِ السودِ للمطالبةِ بحقوقِهم.. اضطراباتِ المناهضينَ لحربِ (فيتنام).. اضطراباتٍ تقومُ بها تنظيماتٌ سياسيّةٌ متطرّفة.. إلخ.
وخلالَ عامِ 1970 دمّرتْ موجةٌ من انفجاراتِ القنابلِ مكاتبَ شركاتٍ كبرى وعددًا من البنوكِ في مدينةِ (نيويورك)، كما تسبّبتْ حوادثُ القرصنةِ الجويّةِ في خلقِ موجةٍ من الخوف.
الشذوذُ الجنسيّ:
صارَ الشّواذُّ جنسيًّا ـ أو المرحونَ كما أطلقوا على أنفسِهم! ـ أكثرَ بجاحةً في الإعلانِ عن أنفسِهم، وشكّلَ الكثيرُ منهم ومعهم آخرون، جماعاتِ ضغطٍ للمطالبةِ بإصدارِ قوانينَ تمنعُ التمييزَ ضدَّ الشّواذِّ جنسيًّا في العملِ والإسكانِ والمجالاتِ الأخرى!
وقدْ تعاطفَ بعضُ الأمريكيّينَ الأسوياءِ مع هؤلاءِ المنحرفين، ورأى آخرونَ أنَّ الأمرَ يندرجُ تحتَ ما يُسمّى بالحرّيّةِ الشخصيّة، وقرّرتِ الجمعيّةُ الأمريكيّةُ للطبِّ النفسيِّ في عامِ 1973 التخلّيَ عن موقفِها السّابقِِ بأنَّ الشذوذَ الجنسيَّ يُعدُّ اضطرابًا عقليًّا!.. وتجشّمَ بعضُ الزعماءِ الدّينيّينَ الكثيرَ من العناءِ ليُساعدوا أفرادَ هذه الفئة، من الذينَ طلبوا الإرشادَ الدّينيّ.. وفي المقابلِ رفعَ آخرونَ الكتابَ المقدّسَ لتأييدِ وجهةِ نظرِهم القائلةَ بأنَّ الشّذوذَ الجنسيَّ انتهاكٌ لقانونِ الربّ.
[1] أنا أستفيدُ هنا من كتاب " تاريخُ الولاياتِ المتّحدةِ منذ 1945 "، تأليف (دانيال ف.دافيز) و(نورمان لنجر)، ترجمة (عبد العليم إبراهيم الأبيض)، الصادرِ عن " الدار الدولية للنشرِ والتوزيع ".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق