87
لماذا انحرفَ العالمُ كلُّه؟
انحراف أمريكا:
اولا - ثقافةٌ كاسحة[1]
رفاهيةٌ تُذهبُ العقل:
خرجتِ (الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ) بعدَ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ بمكاسبَ هائلة، جعلتْها تتبوّأُ قمّةَ العالم:
- كانتْ خسائرُ (أمريكا) البشريّةُ أقلَّ الجميع، حوالَيْ 400 ألفِ قتيلٍ، كلُّهم من القوّاتِ المسلّحة، مقابلَ أكثرَ من 15 مليونِ قتيلٍ في (أوروبّا) الوسطى وشرقِ (آسيا) و(الاتحادِ السوفيتي).. لقد فقدتْ (بريطانيا) و(فرنسا) معًا مليونَ نسمةٍ من الجنودِ والمدنيين.
- كانَ بُعدُ (أمريكا) عن مسرحِ الحربِ في (أوروبّا) و(آسيا)، هو ما حماها من قذفِ القنابلِ المروّعِ الذي ألحقَ الدمارَ بالقارتينِ الأخريين.
- ارتفعتِ الأجورُ الفعليّةُ في (أمريكا) خلالَ الحربِ بنسبةِ 44%، كما أنَّ تطبيقَ نظامِ البطاقاتِ خلالَ الحربِ جعلَ الأمريكيّينَ ينفقونَ القليلَ ويوفّرونَ 136 بليون دولار في صورةِ سنداتِ حربٍ أو مدّخرات.. هذا الاحتياطيُّ الماليُّ الكبيرُ ساعدَ على تحقيقِ رواجٍ اقتصاديٍّ في نهايةِ الحرب.
- بعدَ الحربِ كانتْ مصانعُ (الولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّةِ) تنتجُ أكثرَ من نصفِ المنتجاتِ المصنّعةِ في العالم، وبلغَ إنتاجُ مسابكِ ومعاملِ البترولِ الأمريكيّةِ ثلثي إنتاجِ العالمِ من الصُلبِ والبترولِ تقريبًا، وكانَ الأمريكيّونَ يقودونَ ثلاثةَ أرباعِ السّيّاراتِ الموجودةِ في العالم، ودخلُهم أكبرُ من دخلِ المواطنينَ العاديّينَ فيما وراءَ البحارِ 15 ضعفًا.
- عمِلَتِ الحربُ على حدوثِ طفرةٍ علميّةٍ:
- فتمَّ ابتكارُ أسلحةٍ مثلِ الطائراتِ النّفّاثة، والطائراتِ العموديّةِ والرادار والقذائفِ الموجّهةِ والقنبلةِ الذّريّة.
- كما اهتمَّ العلماءُ بتطويرِ المنتجاتِ التي تساعدُ الجنودَ في الحرب، وابتكارِ الوسائلِ لتزويدِهم بالطعامِ، ممّا أدّى لتطويرِ الأطعمةِ المجمّدةِ والمجهّزةِ سابقًا، والتي طُرحتْ بالأسواقِ فيما بعد الحرب.
- كما تمَّ ابتكارُ عقاقيرَ جديدةٍ كالسلفابيرادين والبنسيلين والمضاداتِ الحيويّة.
- كما اختُرعَ الترانزستور عامَ 1947، ممّا أدّى إلي تقدّمٍ هائلٍ في الإلكترونياتِ والاتصالاتِ ـ والتلفازِ والكمبيوترِ فيما بعد.
- كما غزتِ الأجهزةُ الكهربائيّةُ المجتمعَ الأمريكيّ، مثلُ المكواةِ البخاريّةِ والغسّالاتِ والمجفّفاتِ الكهربائيّةِ وغسّالاتِ الأطباقِ وأجهزةِ التكييفِ وجزّازةِ الحشائشِ الكهربائيّة، بل والجيتاراتِ الكهربائيّةِ والبطاطينِ الكهربائيّةِ.
- بدأ في عامِ 1956 برنامجٌ فيدراليٌّ لبناءِ شبكةٍ من الطرقِ تتكلّفُ 25 بليون دولار على مدى عشرِ سنوات، وذلك لربطِ الولاياتِ المتّحدةِ بشبكةٍ من الطرقِ السريعةِ، ساعدتْ فيما بعدُ على إحداثِ ثورةٍ في عاداتِ الانتقالِ الأمريكيّة، وجعلتِ الأمريكيّينَ يتخلَّونَ عن السككِ الحديديّةِ ويفضّلونَ السفرَ السريعَ السّهلَ بالسّيّارة.
أمريكا ذاتُ الياقةِ البيضاء:
في بدايةِ الثمانيناتِ من القرنِ التاسعِ عشر، كانَ أغلبُ الأمريكيّينَ يعملونَ لحسابِهم الخاصّ، وعندما جاءَ عامُ 1870، كانتْ نسبةُ من يعملونَ لحسابِهم هي الثلثَ فقط، وفي خمسيناتِ القرنِ العشرينَ أصبحت نسبةُ الموظّفينَ أكثرَ من نصفِ القوّةِ العاملة، معظمُهم من الطبقةِ المتوسّطةِ التي تزدادُ نموًّا.
كانَ معظمُ هؤلاءِ الموظّفينَ ذوي الياقاتِ البيضاءِ يعملُ في المكاتب، التي اشتكى النقّادُ من برودتِها وافتقارِها إلى دفءِ العَلاقاتِ الشّخصيّة، ومن شعورِ العاملينَ بها بأنّها تسلبُهم أهمّيّتَهم كبشر.. وقد قدّمَ (س. رايت ميلز) في كتابِه "الياقةُ البيضاء" 1951، وصفًا كالحًا لأحدِ المكاتبِ قائلا: "على صفوفِ المكاتبِ الشاحبة، جلستْ فتياتٌ شاحبات، يُمسكنْ بملفّاتٍ عقيمةٍ في أيديهنّ، وكلُّهنّ تطوي بعمقٍ أوراقًا عقيمة".
وفي كتابِه بعنوانِ "الجمهورُ الوحيد" 1950، قامَ (دافيد ريزمان) أستاذُ علمِ الاجتماعِ بجامعةِ (هارفارد)، باستكشافِ القيمِ الاجتماعيّةِ الجديدةِ للطبقةِ المتوسّطة، وفيه يرى أنَّ المجتمعاتِ حينما تتحوّلُ إلى مجتمعاتٍ متقدّمةٍ تكنولوجيًّا، يتنازلُ الآباءُ عن بعضِ سلطتِهم لمؤسّساتٍ أخرى، مثلِ المدارسِ ووسائلِ الإعلامِ الجماهيريّةِ وجماعاتِ العمرِ الواحدة، التي سمّاها "المجتمعاتِ الغيريّة".. تلكَ المجتمعاتُ تؤدّى إلى الاستقرارِ والتسامح، وإن كانتْ أيضًا تُعزّزُ النمطيّةَ وفقدانَ الفرديّة.. وحكى (ريزمان) قصّةَ الصّبيِّ الذي سُئلَ عمّا إذا كانَ يرغبُ في الطيران، فأجاب: "إنّي سأرغبُ في الطيرانِ لو رغبَ كلُّ إنسانٍ فيه"!
الرأسماليّةُ الرامحة:
في عام 1955 تمَّ افتتاحُ أوّلِ مطعمٍ من سلسلةِ مطاعمِ (ماك دونالد) بمدينةِ (دي بلينز) بولايةِ (إيلنوي)، تبعًا لاتفاقٍ مع (راي كروك) بأن يبيعَ تراخيصَ إنشاءِ مثلِ هذه المطاعمِ إلى الأفرادِ في جميعِ البلاد، حيثُ يبنونَ هم المطاعمَ بأنفسِهم، على أن يكونَ طرازُ البناءِ موحّدًا، والإجراءاتُ موحّدة، والماكيناتُ أيضًا موحّدة، توفّرُها الإدارةُ الرئيسيّة.
وفي خلالِ خمسِ سنواتٍ، كانَ هناكَ 228 مطعمًا من مطاعمِ (ماك دونالد).. ومنذُ ذلكَ الحينِ حلَّ عصرُ المحالِّ التي تمنحُ التراخيصَ في أمريكا.
كانَ نظامُ التراخيصِ موجودًا قبلَ ذلكَ في الولاياتِ المتّحدة، ولكنّه غالبًا ما انحصرَ في وكالاتِ بيعِ السّيّاراتِ ومصانعِ تعبئةِ المشروباتِ الغازيّة.. وقد لقيتْ هذه السلسلةُ من المطاعمِ رواجًا كبيرًا، وانتشرتْ على شبكةِ الطرقِ السريعةِ، مثلُ سلسلةِ (دينكين دونت) و(ميداس مفلرز) اللتينِ بدأتا عامَ 1956.
كانتْ محالُّ التراخيصِ رمزًا لعهدٍ من التفاؤلِ غيرِ المسبوق، إذ كانَ الأمريكيّونَ أثرياءً ويزدادونَ ثراءً.. وأقبلتِ الشركاتُ الأمريكيّةُ على إنتاجِ سلعٍ مثلِ البراياتِ الكهربائيّة، أجهزةِ الاستريو، والهواتفِ التي تعملُ بضغطِ الأزرار، ومشمّعِ الأرضيّاتِ المصنوعِ من الفينيل.. وعلى حدِّ تعليقِ أحدِ المراقبين: " لقد حلَّ عصرُ الرأسماليّةِ الرامحة ".
إنَّ شركةً مثلَ (جنرال موترز) أصبحتْ في تلك الفترةِ تمتلكُ ميزانيّةً في حجمِ ميزانيّةِ (بولندا)، وتوسّعتْ شركاتٌ أخرى كثيرةٌ في استثماراتِها في أنحاءِ العالم، وأصبحتْ شركاتُ البترولِ الأمريكيّةُ في الشرقِ الأوسطِ تقودُ الطريقَ بعدَ أن كانتِ السيطرةُ للشركاتِ البريطانيّةِ والهولنديّة.
وكانَ 60% من الأمريكيّينَ يمتلكونَ بيوتَهم، وعشرةُ ملايينِ أمريكيٍّ يمتلكونَ أسهمًا في المشروعاتِ الاقتصاديّة.
الأمركةُ والمتأمركون:
أخذتِ السينما الأمريكيّةُ على الدوامِ تُظهرُ مدى الرفاهيةِ والغنى والتقدّمِ الذي ينعمُ به الشعبُ الأمريكيّ.. ولكَ أن تتخيّلَ تأثيرَ ذلك على شعوبٍ تجهلُ تاريخَها، وجُلُّ ما تحاربُ في الحياةِ لتحصلَ عليه هو لقمةُ خبزٍ تلتقطُها من وسْطِ أوحالِ الفقرِ والمرضِ والاستعمار!
إنَّ المتأمركينَ في كلِّ مكانٍ في العالم: في (أوروبا).. في (اليابان).. في وطنِنا العربيّ.. بل إنّهم في وطنِنا العربيِّ يظنّونَ أنّهم أكثرُ تأمركًا من الأمريكيّينِ أنفسِهم!.. وغايةُ كلٍّ منهم: بنطلوناتُ الجينز، والمأكولاتُ السريعة، والمشروباتُ الغازيّة، والموضةُ الجديدة، والسيارةُ الفارهة، والفتاةُ الرخيصة، والموسيقى الصاخبة، وعبادةُ الشيطانِ (أحيانًا).. دونَ أن يعملوا كما يعملُ الأمريكيّون، أو يقرأوا كما يقرأُ الأمريكيّون، أو يبتكروا كما يبتكرُ الأمريكيّون، أو ينتموا لبلدِهم كما ينتمي الأمريكيّون!.. أمّا المتميّزونَ الذينَ يُطلّونَ برءوسِهم من وسْطِ هذا المستنقع، فإنَّ جلَّ طموحِهم هو أن يهاجروا إلى عالمِ النورِ والحرّيّة (أمريكا)، ليحصلوا على الشهاداتِ العلميّة، ويحصلوا على الجنسيّةِ الأمريكيّة، ويساهموا في تدعيمِ قوّةِ وتقدّمِ (أمريكا) التي تسحقُ بلادَهم!.. إنّه مسلسلٌ دائمٌ دامٍ من "نزيفِ العقولِ" في الداخلِ والخارج!
[1] أنا أستفيدُ هنا من كتاب " تاريخُ الولاياتِ المتّحدةِ منذ 1945 "، تأليف (دانيال ف.دافيز) و(نورمان لنجر)، ترجمة (عبد العليم إبراهيم الأبيض)، الصادرِ عن " الدار الدولية للنشرِ والتوزيع ".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق