562
كيف انحرف العالم ؟
انحراف العلاقة بين الرجل والمرأة:
سابعا - الحبّ
4 البنات والحبّ[3]:
ما أجمل أن يشعر الإنسان بالدفء في أبرد أيام الشتاء..
وببهجة الربيع في قلب الخريف..
وبأنغام رقيقة حالمة وسط صخَب الحياة وضجيجها ومتاعبها وهمومها..
ما أحلى أن ترَيْ نفسَك مَلِكةً متوَّجة على قلب رجل، رغم أنك إنسانة عادية في بيتك وبين أقرانك!
وما أروع أن تحظَي باهتمامٍ خاص، رغم أنك لا تحصلين على اهتمام ٍ يُذكر بين إخوانك وأهلك وأقاربك!
وما أعذب أن تسمعي عن نفسك أحاديثَ شجيّة، بينما لا يرى فيك والداكِ سوى عيوبك ونقائصك!
وكم هو مريح أن تظلي تتكلّمين وتبوحين، وهناك مَن يسمعك بكل اهتمام، بينما تسمعك أمك وهي مشغولة بالطهي أو بترتيب البيت أو غيره.. هذا إن استمعت إليك أصلاً!
وما أهنأك وأنت تسمعين عبارات الغَزَل في كل شيء فيكِ، بينما لا تسمعين من والديك سوى عبارات اللوم والنقد والتوبيخ!
ولكن مهلاً عزيزتي، أليست الأمور بخواتيمها؟؟؟!
لماذا لا تتأملين علاقتك بالحبيب، بالمقارنة بعلاقتك بوالديك؟؟؟
ولماذا لا تتساءلين: ما هو هدف الحبيب وما هو هدف والديك؟؟؟؟
ومَن مِن الفريقين يتمنّى أن تكوني أفضل منه في الدنيا والآخرة؟؟؟!
سأترك الإجابة لك!
والآن هل تسمحين لي أن أحدثك بصراحة؟؟
نعم إن الحب شيء رائع، ولكنه ـ للأسف ـ يا أُخيّتي لا يصفو طويلاً، كما أن سعادته ـ مهما دامت ـ لا تستمر كثيرًا، بل غالبا ما تنقلب إلى عذاب وآهات، وندم وحسرة وخيبة أمل، وشعور بالقهر والذل.. سلّمكِ الله وعافاكِ.
والعاقل مَن دان نفسه، وحاسبها قبل فوات الأوان.
ولكن هذا لا يعني إطلاقًا أن تمنعي نفسك من الحب، فهذا ما لا يطيقه الإنسان الطبيعي، لأن الله سبحانه فطره على الحبّ، وخلق له العواطف والأحاسيس.
ولأن الله سبحانه جعل الحب عنوان علاقته بأفضل خلقه وأقربهم إليه – وهو الإنسان ـ فحين أخبر عن حالهم معه ووصف علاقته بهم، وعلاقتهم به سبحانه(1) قال: [يُحبُّهم ويُحبُّونَه] (المائدة -54).
ليس ذلك فحسب، وإنما جعل اللهُ الحبّ أساس الإيمان به – جل شأنه.. والدليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
فلا تصدقي يا أُخيّتي من يقول لك إن الإسلام يحرمك من حقّك الطبيعيّ في الحب، بل تأملي معي أحوال المحبين من النجوم الأزاهر.
فهذا "سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي كان يحب زوجته سارة حبًا شديدًا، حتى إنه عاش معها ثمانين عامًا وهي لا تُنجب، لكنه من أجل حبه لا يريد أن يتزوج غيرها أبدًا حتى لا يؤذي مشاعرها، فلما طلبت منه السيدة سارة أن يتزوج من هاجر وألحَّت عليه اضطر إلى النزول عند رغبتها"! "(2)
وهذا قدوتنا ومعلمنا صلى الله عليه وسلم الذي لم يستَحِ من إعلان حبه لعائشة حين عاد "عمرو بن العاص" منتصرًا من غزوة "ذات السلاسل"، وسأله :" مَن أحب الناس إليك؟"-ظنًا منه أنه سيكون هو- فقال له صلى الله عليه وسلم أمام الناس:" عائشة"! ، فقال عمرو:" إنما أسألك عن الرجال"، فقال صلى الله عليه وسلم مؤكدًا اعتزازه بعائشة: أبوها"(3)، ولم يقُل أبو بكر أو صاحبي...هل رأيتِ رئيس جمهورية أو قائد أُمَّة يعترف بهذا أمام الناس؟؟؟!
إن الأنقياء الذين يُحبون بصدق وطهر لا يخشون البوح به أمام الخَلق!
بل ومن الطريف أن يكون أمر حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة أمرًا يراعيه الخلفاء وكبار الصحابة من بعده في تشريعاتهم، وفي علمهم.. "فنرى الصحابة ينتظرون يوم عائشة ليقدموا الهدايا لرسول الله حتى غارت بقية أمهات المؤمنين! "
"وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه –المشهور بشدته – يراعي هذا الحب، فيفرض لأمهات المؤمنين عشرة ألاف من العطاء، ويزيد عائشة ألفين!..وحين يُسأل : وما السبب يا عمر، يقول:" إنها حبيبة رسول الله"!
بل إن مسروقًا -وهو أحد علماء الحديث الكبار -كان إذا روى حديثًا عن عائشة رضي الله عنها، قال:" عن الصِدِّيقة بنت الصدِّيق، حبيبة رسول رب العالمين"!
وتأملي معي موقفًا آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه لعائشة حين غارت من خديجة رضي الله عنها:" إني قد رُزِقتُ حبَّها"! (رواه البخاري)... هكذا ببساطة ووضوح، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم أن كل كلمة يقولها سوف تنشر بين الناس إلى يوم القيامة!
ولما جاءه ـ كما روى ابن عباس ـ رجل وقال له: "عندنا يتيمة قد خطبها رجلان: موسِر ومُعسِر، قال له: "فهَواها مع مَن؟" قال مع المُعسِر، فقال رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم: "لم يُر للمُتحابَّين إلا النِكاح""(4)
فلم يغضب صلى الله عليه وسلم من رجل يسأل عن علاقة عاطفية أو قلوب تهوى وتحب، وإنما بارك هذا الحب، وقال أن خير ما يُمكن أن نفعله لمَن يتحابا هو مساعدتهما على الزواج!
"وهذه القصة الشهيرة لمُغيث وبريرة، الَّذين كانا زوجين، ثم أُعتقت بريرة، فطلبت الطلاق من مغيث فطلَّقها، ولكنه ظل يحبها، وظل كبده يتحرق شوقًا إليها، فكان يجوب الطرقات وراءها، ودموعه تسيل على خديه يتوسل إليها أن تعود إليه، وهي تأبى.
ومِن فرط صدق هذا الحب وجماله، رقَّ قلب رسول صلى الله عليه وسلم لأمر مغيث، فذهب إلى بريرة وقال لها:" لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك"، فقالت له:" أتأمُرني يا رسول الله؟" قال :" إنما أنا شافع"! قالت:" فلا حاجة لي فيه"! (أخرجه البخاري)"(5)
أرأيتِ كيف اهتم بأمر الحب الطاهر رغم كثرة مشاغل وهموم الأمة الإسلامية التي كان يحملها على كتفيه؟؟؟!
أرأيتِ كيف أعطى الحق للمتحابين في الزواج حتى لو كانت الحالة المادية للحبيب متعسرة؟!
أرأيتِ كيف أعطى الحق للمرأة أن تختار من تتزوجه بناءً على ميل هواها وقلبها؟!
أرأيت كيف رقَّ لحال الحبيب، ولكنه لم يُجبر الحبيبة على العودة إليه؟؟؟!
ثم انظري للصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين عرفوا ـ من خلال معايشتهم للرسول صلى الله عليه وسلم- تقديره للحب ورغبته في الجمع بين المتحابين والشفقة عليهم، فعملوا على إحياء سنته والسير على دربه ومنهجه، فهذا أبو بكر الصديق يسير في الطرقات ليلاً يتفقد أحوال الرعية، فإذا به يسمع صوت فتاة تغني عن الحب وتبث شكواها وألمها لفراق حبيبها، فيسارع الصديق بطرق الباب، ويلح عليها حتى تخبره عن حبيبها، وكانت مملوكة.. فاشتراها، ثم أعتقها ومنحها لمن أحبته وأحبها!
هذا هو خليفة رسول الله الذي يرى أن مِمَّا يقرِّبه إلى الله أن يجمع بين المتحابَّين في الحلال، وأن من مقتضيات عنايته برعيته أن يطيِّب قلوبهم وجراحهم...فلنتعلم منه الشفقة والتبسم، وإطلاق الحب لا كَبتِه، ومراعاة المشاعر النبيلة لا خنقها.
وللصدِّيق موقف آخرمن الروعة بمكان، فقد تزوج عبد الله بن أبي بكر من عاتكة بنت زيد" وكانت جميلة لدرجة أن عبد الله كان لا يُفارق منزله إلا لصلاة الجماعة، فرأى أبو بكر أنها شغلته عن أمور عظيمة كالجهاد في سبيل الله وطلب العلم ومرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشار عليه بأن يطلقها، فلم يجد الإبن بُدًَّا من أن يبر والده ويمتثل لأمره، فالضغط على قلبه أفضل من عقوق الوالد، وربما وجد في رأى أبيه صوابًا، واستشعر تكاسله وقعوده عن مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم، فطلقها.
أما عمر بن الخطاب الذي ينخدع البعض فيتهمه بالقسوة، فقد عُرف عنه قوله الرقيق: "لو أدركتُ عُروة وعفراء لجمعتُ بينهما"، وعروة وعفراء كانا مُحبَّين في الجاهلية تفرَّقا ولم يتزوجا، فعمر الذي يتجنب الشيطان سبيله، يرقّ لقصة حبيبين، ويعالجهما بدواء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الزواج.
حتى أن زوجاته يصفنه بأنه كان إذا دخل بيته تحول إلى طفل صغير، من شدة رفقِه، ومعاملته الحسنة لأهله!
وقد شغل أمر غياب الأزواج عن زوجاتهم لفترات طويلة، بال الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عندما سمع في جوف الليل في أثناء حراسته للمدينة ـ صوت مرأة تناجي الله، تتألّم من شوقها لزوجها، فسارع أمير المؤمنين إلى ترك حراسته ثم سأل عن هذه المرأة، فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة تكون معها، وبعث إلى زوجها فأرجعه إليها مما كان فيه ـ ثم دخل على أم المؤمنين حفصة ـ رضي الله عنها ـ فقال: يا ُبنية كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله، مثلك يسأل مثلي عن هذا؟ فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك، قالت: خمسة أو ستة أشهر، فحدد للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهرا، ويقيمون أربعة، ويسيرون راجعين!
بل الأعجب من ذلك أن نجد كبار الصحابة قد عاشوا قصص حب..
فهذا عبد الله بن عمر العابد الزاهد العالِم التقي يحب جارية له حبًا شديدًا، فتعثَّرت يومًا في مشيتها ووقعت، ففوجىء من شاهد الواقعة أنه ما احتمل الموقف، وظل يمسح التراب عن وجهها بيديه، قائلاً:" فِداكِ نفسي وروحي، ثم أنها فارقته، فكان حزينًا جدًا لذلك، وكان حين يتذكرها يقول فيها الشعر، ويتهم نفسه بالتقصير في حق حبيبته فلم يخشَ أيضًا من البوح ولا الإعلان عن مكنونات قلبه المؤمن"!
هذه النظرة الراقية للحب هي ما جعلت "أبا السائب المخزومي" ـ الذي يصفه ابن القيم بأنه من أهل العلم والدين-يتعلق بأستار الكعبة وهو يقول:" اللهم ارحم العاشقين وقوِّ قلوبهم، وأعطِف عليهم قلوب المعشوقين"
فانظري إلى أي مدى وجد هذا العابد العالم أنه في موقفه هذا يحتاج إلى الدعاء لهذا الصنف من الناس، فلم يتهمهم بالخواء، ولا بالفراغ، ولا صبَّ اللعنات على المحبين، لكنه وجد سعادتهم الحقيقية في أن يلتئموا مع أحبابهم!"(6)
[3] منقول من أحد المنتديات.. وقد ورد في المقال هذه المصادر:
1- أحمد زين.. الحب في الإسلام. القاهرة، دار الراية، (ص5).
2- عمرو خالد.. الحب: من سلسلة كلام من القلب، القاهرة ، دار الراية، (ص7).
3- أحمد الزين.. نفس المصدر، (ص11).
4- أحمد الزين.. المصدر السابق، (ص13).
5- أحمد الزين.. المصدر السابق، (ص10).
6- أحمد الزين.. المصدر السابق، (ص13-16).
7- مجلة الوعي الإسلامي، عدد 382، أكتوبر1977، (ص77).
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق