2658
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
وفاة مهنا بن عيسي أمير العرب بالشام وأخبار قومه:
هذا الحي من العرب يعرفون بآل فضل رحالة ما بين الشام والجزيرة، وتربة نجد
من أرض الحجاز يتقلبون بينها في الرحلتين، وينتسبون في طيء، ومعهم أحياء من زبيد وكلب وهذيل ومذحج أحلاف لهم. ويناهضهم في الغلب والعدد آل مراد يزعمون أن فضلاً ومراد أبناء ربيعة، ويزعمون أيضاً أن فضلاً ينقسم ولده بين آل مهنا وآل علي، وأن آل فضل كلهم بأرض حوران فغلبهم عليها آل مراد وأخرجوهم منها فنزلوا حمص ونواحيها. وأقامت زبيد من أحلافهم بحوران فهم بها حتى الان لا يفارقونها. قالوا: ثم إتصل آل فضل بالدولة السلطانية، وولوهم على أحياء العرب، وأقطعوهم على إصلاح السابلة بين الشام والعراق فاستظهروا
برياستهم على آل مراد وغلبوهم على المشاتي فصار عامة رحلتهم في حدود الشام قريباً من التلول والقرى لا ينجعون إلى البرية إلا في الأقل. وكانت معهم أحياء من أفاريق العرب مندرجون في لفيفهم وحلفهم من مذحج وعامر وزبيد، كما كان آل فضل إلا أن أكثر من كان مع آل مراد من أولئك الأحياء وأوفرهم عدة بنو حارثة بن سنبس إحدى شعوب طيء. هكذا ذكر لي الثقة عندي من رجالاتهم. وبنو حارثة هؤلاء متغلبون لهذا العهد في تلول الشام لا يجاوزونها إلى العمران، ورياسة آل فضل لهذا العهد لبني مهنا، وينسبونه هكذا: مهنا بن مانع بن جديلة بن فضل بن بدربن ربيعة بن علي بن مفرج بن بدربن سالم بن جصة بن بدر بن سميع، ويقفون عند سميع. ويقول رعاؤهم أن سميعاً هذا هو الذي ولدته العباسة أخت الرشيد من جعفر بن يحيى البرمكي، وحاشى لله من هذه المقالة في الرشيد وأخته وفي إنتساب كبراء العرب من طيء إلى موالي العجم من بني برمك وأنسابهم، ثم إن الوجدان يحيل رياسة هؤلاء على هذا الحي إن لم يكونوا من نسبتهم وقد تقدم مثل ذلك في مقدمة الكتاب: وكان مبدأ رياستهم من أول دولة بني أيوب. قال العماد الأصبهاني في كتاب البرق السامي: نزل العادل بمرج دمشق، ومعه عيسى بن محمد بن ربيعة شيخ الأعراب في جموع كثيرة إنتهى. وكانت الرياسة قبلهم لعهد الفاطميين لبنى جراح من طيء ، وكان كبيرهم مفرج بن دغفل بن جراح، وكان من إقطاعه الرملة، وهو الذي قبض على أفتكين مولى بني بويه لما إنهزم مع مولاه بختيار بالعراق، وجاء به إلى المعز فأكرمه ورقاه في دولته. ولم يزل شأن مفرج هكذا وتوفي سنة أربع وأربعمائة وكان من ولده حسان ومحمود وعلي وجران، وولي حسان بعده وعظم صيته. وكان بينه وبين خلفاء الفاطميين نفرة واستجاشة وهو الذي هدم الرملة وهزم قائدهم هاروق التركي وقتله وسبى نساءه وهو الذي مدحه التهامي. وقد ذكر المسبحي وغيره من مؤرخي دولة العبيديين في قرابة حسان بن مفرج فضل بن ربيعة بن حازم بن جراح وأخاه بدربن ربيعة. ولعل فضلا هذا جد آل فضل. وقال ابن الأثير وفضل بن ربيعة بن حازم كان آباؤه أصحاب البلقاء والبيت المقدس، وكان فضل تارة مع الإفرنج وتارة مع خلفاء مصر. ونكره لذلك طغركين أتابك دمشق وكافل بني تتش، وطرده من الشام فنزل على صدقة بن مزيد وحالفه ووصله حين فدم من دمشق بتسعة آلاف دينار. فلما خالف صدقة بن مزيد على السلطان محمد بن ملك شاه سنة خمسمائة وما بعدها، ووقعت بينهما الفتنة اجتمع فضل هذا وقرواش بن شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل، وبعض أمراء التركمان كانوا أولياء صدقة فساروا في الطلائع بين يدي الحرب وهربوا إلى السلطان
فأكرمهم وخلع عليهم: وأنزل فضل بن ربيعة بدار صدقة ابن مزيد ببغداد حتى إذا سار السلطان لقتال صدقة استأذنه فضل في الخروج إلى البرية ليأخذ بحجزة صدقة فأذن له، وعبر إلى الأنبار. ولم يرجع للسلطان بعدها، إنتهى كلام ابن الأثير. ويظهر من كلامه وكلام المسبحي أن فضلا هذا وبدرا من آل جراح من غير شك، ويظهر من سياقة هؤلاء نسبهم أن فضلا هذا هو جدهم لأنهم ينسبونه فضل بن علي بن مفرج، وهو عند الآخرين فضل بن علي بن جراح، فلعل هؤلاء نسبوا ربيعة إلى مفرج الذي هو كبير بني الجراح لطول العهد، وقلة المحافظة على مثل هذا من البادية الغفل. وأما نسبة هذا الحي في طيء فبعضهم يقول: أن الرياسة في طيء كانت لأياس بن قبيصة من بني سنبس بن عمرو بن الغوث بن طيء، وأياس هو الذي ملكه كسرى على الحيرة بعد آل المنذر عندما قتل النعمإن بن المنذر، وهو الذي صالح خالد بن الوليد على الحيرة، ولم تزل الرياسة على طيء في بني قبيصة هؤلاء صدرا من دولة الإسلام. فلعل آل فضل هؤلاء وآل الجراح من أعقابهم، وإن كان إنقرض أعقابهم فهم من أقرب الحي إليه لأن الرياسة في الأحياء والشعوب، إنما تتصل في أهل العصبية والنسب كما مر أول الكتاب. وقال ابن حزم عند ما ذكر أنساب طيء أنهم لما خرجوا من اليمن نزلوا أجا وسلمى وأوطنوهما وما بينهما. ونزل بنو أسد ما بينهما وبين العراق، وفضل كثير منهم وهم بنو خارجة بن سعد بن عبادة من طيء، ويقال لهم جديلة نسبة إلى أمهم بنت تيم الله وحبيش والأسعد إخوتهم، رحلوا عن الجبلين في حرب الفساد فلحقوا بحلب وحاضر طيء، وأوطنوا تلك البلاد، الأبني رمان بن جندب بن خارجة بن سعد فإنهم أقاموا بالمجبلين. فكان يقال لأهل الجبلين الجبليون، ولأهل حلب وحاضر طيء من بني خارجة السهليون إنتهى. فلعل هذه أحياء الذين بالشام من بني الجراح، وآل فضل من بني خارجة هؤلاء الذين ذكرهم ابن حزم أنهم إنتقلوا إلى حلب، وحاضر طيء لأن هذا الموطن أقرب إلى مواطنهم لهذا العهد من مواطن بني الجراح بفلسطين من جبل أجا وسلمى اللذين هما موطن الآخرين. والله أعلم أي ذلك يصح من أنسابهم. ولنرجع الان إلى سرد الخبر عن رياسة آل فضل أهل هذا البيت منذ دولة بني أيوب أقول: كان الأمير منهم لعهد بني أيوب عيسى بن محمد بن ربيعة أيام العادل كما قلناه، ونقلناه عن العماد الأصبهاني الكاتب. ثم كان بعده حسام الدين مانع بن خدينة بن غصينة بن فضل، وتوفي سنة ثلاثين وستمائة، وولي عليهم بعده ابنه مهنا. ولما إرتجع قطز ثالث ملوك الترك بمصر، وملك الشام من يد التتر وهزم عسكرهم بعين جالوت أقطع سلمية لمهنا بن مانع، وانتزعها من عمل المنصور بن شاهنشاه صاحب حماة، ولم أقف على تاريخ وفاة مهنا. ثم ولي
الظاهر على أحياء العرب بالشام عندما استفحل أمر الترك، وسار إلى دمشق لتشييع الخليفة الحاكم عم المستعصم لبغداد، فولى على العرب عيسى بن مهنا بن مانع ووفر له الإقطاعات على حفظ السابلة، وحبس ابن عمه زامل بن علي بن ربيعة من آل علي لإعناته وأعراضه. ولم يزل أميراً على أحياء العرب، وصلحوا في أيامه لأنه خالف أباه في الشدة عليهم. وهرب إليه سنقر الأشقر سنة تسع وتسعين، وكاتبوا أبغا واستحثوه لملك الشام. وتوفي عيسى بن مهنا سنة أربع وثمانين فولى المنصور قلاون بعده ابنه مهنا. ثم سار الأشرف بن قلاون إلى الشام ونزل حمص، ووفد عليه مهنا بن عيسى في جماعة من قومه فقبض عليه وعلى ابنه موسى وأخوية محمد وفضل ابني عيسى بن مهنا، وبعث بهم إلى مصر فحبسوا بها حتى أفرج عنهم العادل كيبغا عندما جلس على التخت سنة أربع وتسعين، ورجع إلى إمارته. ثم كان له في أيام الناصر نفرة واستجاشة وميل إلى ملوك التتر بالعراق، ولم يحضر شيئاً من وقائع غازان. ولما انتقض سنقر واقوش الأفرم وأصحابهما سنة إثنتي عشرة وسبعمائة لحقوا به، وساروا من عنده إلى خربندا. واستوحش هو من السلطان وأقام في أحيائه منقبضاً عن الوفادة. ووفد أخوه فضل سنة إثنتي عشرة فرعى له حق وفادته، وولاه على العرب مكان أخيه مهنا، وبقي مهنا مشرداً. ثم لحق سنة ست عشرة بخربندا ملك التتر فأكرمه وأقطعه بالعراق. وهلك خربندا في تلك السنة فرجع إلى أحيائه، وأوفد إبنيه أحمد وموسى وأخاه محمد بن عيسى مستعتبين للناصر ومتطارحين عليه فأكرم وفادتهم، وأنزلهم بالقصر الأبلق وشملهم بالإحسان. وأعتب مهنا ورده على إمارته وإقطاعه، وذلك سنة سبع عشرة. وحج هذه السنة ابنه عيسى وأخوه محمد وجماعة من آل فضل إثنا عشر ألف راحلة. ثم رجع مهنا إلى ديدنه فلي ممالأة التتر والإجلاب على الشام وإتصل ذلك منه فنقم السلطان عليه، وسخطه قومه أجمع. وكتب إلى نواب الشام سنة عشرين بعد مرجعه من الحج فطرد آل فضل عن البلاد وأدال منهم آل علي عديدة نسبهم. وولى منهم على أحياء العرب محمد بن أبي بكر، وصرف إقطاع مهنا وولده إلى محمد وولده فأقام مهنا على ذلك مدة. ثم وفد سنة إحدى وثلاثين مع الأفضل بن المؤيد صاحب حماة متوسلا به ومتطارحاً على السلطان فأقبل عليه ورد عليه إقطاعه وإمارته. وذكر لي بعض أكابر الأمراء بمصر ممن أدرك وفادته أو حدث عنها أنه تجافى في هذه الوفادة عن قبول شيء من السلطان، حتى أنه ساق من النياق المحلوبة واستقاها، وأنه لم يغش باب أحد من أرباب الدولة ولا سألهم شيئاً من حاجته. ثم رجع إلى أحيائة وتوفي سنة أربع وثلاثين، فولى ابنه مظفر الدين موسى. وتوفي سنة إثنين وأربعين عقب مهلك الناصر وولي مكانه أخوه سليمان. ثم هلك سليمان
سنة ثلاث وأربعين فولي مكانه شرف الدين عيسى ابن عمه فضل بن عيسى. ثم توفي سنة أربع وأربعين بالقدس ودفن عند قبر خالد بن الوليد رضي الله عنه، وولي مكانه أخوه سيف بن فضل. ثم عزله السلطان بمصر الكامل بن الناصر سنة ست وأربعين، وولي مكانه مهنا بن عيسى. ثم جمع سيف بن مهنا ولقيه فياض بن مهنا فانهزم سيف. ثم ولى السلطان حسين بن الناصر في دولته الأولى وهو في كفالة بيقاروس أحمد بن مهنا فسكنت الفتنة بينهم. ثم توفي سنة تسع وأربعين فولي مكانه أخوه فياض. وهلك سنة إثنتين وستين فولي مكانه أخوه خيار بن مهنا ولاه حسين بن الناصر في دولته الثانية. ثم انتقض سنة خمس وستين وأقام سنين بالقفر ضاحياً إلى أن شفع فيه نائب حماة فأعيد إلى إمارته، ثم انتقض سنة سبعين فولى السلطان الأشراف مكانه ابن عمه زامل بن موسى بن عيسى، وجاء إلى نواحي حلب واجتمع إليه بنو كلاب وغيرهم وعاثوا في البلاد، وعلى حلب يومئذ قشتمر المنصوري فبرز إليهم وإنتهى إلى مخيمهم واستاق نعمهم وتخطى إلى الخيام فاستماتوا دونها، وهزموا عساكره وقتل قشتمر وابنه في المعركة، وتولى ذلك زامل بيده، وذهب إلى القفر منتقضاً فولى مكانه معيقيل بن فضل بن عيسى. ثم بعث معيقيل صاحبه سنة إحدى وسبعين يستأمن لخيار فأمنه. ثم وفد خيار بن مهنا سنة خمس وسبعين فرضي عنه السلطان فأعاده إلى إمارته. ثم توفي سنة سبع وسبعين فولي أخوه قارة إلى أن توفي سنة إحدى وثمانين فولي مكانه معيقيل بن فضل بن عيسى، وزامل بن موسى بن مهنا شريكين في إمارتهما. ثم عزلا لسنة من ولايتهما، وولي بصير بن جبار بن مهنا واسمه محمد، وهو لهذا العهد أمير على آل فضل وجميع أحياء طيء، والله تعالى أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق