2654
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
حج ملك التكرور:
كان ملك السودان بصحراء المغرب في الإقليم الأول والثاني منقسماً بين أمم من السودان. أولهم مما يلي البحر المحيط أمة صوصو، وكانوا مستولين على غانة ودخلوا في الإسلام أيام الفتح وذكر صاحب كتاب رجاز في الجغرافيا أن بني صالح من بني عبد الله بن حسن بن الحسن كانت لهم بها دولة وملك عظيم، ولم يقع لنا في تحقيق هذا أكثر من هذا. وصالح من بني حسن مجهول، وأهل غانة منكرون أن يكون عليهم ملك لأحد غير صوصو. ثم يلي أمة صوصو أمة مالي من شرقهم وكرس ملكهم بمدينة بني ثم من بعدهم شرقاً عنهم أمة كوكو. ثم التكرور بعدهم، وفيما بينهم وبين النوبة أمة كانم وغيرها. وتحولت الأحوال باستمرار العصور
فاستولى أهل مالي على ما وراءهم وبين أيديهم من بلاد صوصو وكوكو، وآخر ما استولوا عليه بلاد التكرور. واستفحل ملكهم إلى الغاية، وأصبحت مدينتهم بني حاضرة بلاد السودان بالمغرب ودخلوا في دين الإسلام منذ حين من السنين. وحج جماعة من ملوكهم. وأول من حج منهم برمندار، وسمعت في ضبطه من
بعض فضلائهم برمند أنه، وسبيله في الحج هي التي اقتفاها ملوكهم من بعده. ثم حج منهم منساولي بن ماري جاطة أيام الظاهر بيبرس. وحج بعده منهم مولاهم صاكوره، وكان تغلب على ملكهم وهو الذي افتتح مدينة كوكو. ثم حج أيام الناصر وحج من بعده منهم منسا موسى حسبما ذلك مذكور في أخبارهم عند دول البربر، عند ذكر صنهاجة ودولة لمتونة من شعوبهم. ولما خرج منسا موسى من بلاد المغرب للحج سلك على طريق الصحراء، وخرج عند الأهرام بمصر، وأهدى إلى الناصر هدية حفيلة يقال أن فيها خمسين ألف دينار، وأنزله بقصر عند القرافة الكبرى وأقطعه إياها ولقيه السلطان بمجلسه، وحدثه ووصله وزوده وقرب إليه الخيل والهجن، وبعث معه الأمراء يقومون بخدمته إلى أن قضى فرضه سنة أربع وعشرين ورجع فأصابته في طريقه بالحجاز نكبة تخلصه منها أجله. وذلك أنه ضل في الطريق عن المحمل والركب وإنفرد بقومه عن العرب وهي كلها مجاهل لهم، فلم يهتدوا إلى عمران ولا وقفوا على مورد، وساروا على السمت إلى أن نفذوا عند السويس وهم يأكلون لحم الحيتان إذا وجدوها والأعراب تتخطفهم من أطرافهم إلى أن خلصوا. ثم جدد السلطان له الكرامة ووسع له في الحباء، وكان أعد لنفقته من بلاده فيما يقال مائة حمل من التبر في كل حمل ثلاثة قناطير فنفدت كلها، وأعجزته النفقة فاقترض من أعيان التجار، وكان في صحبته منهم بنو الكويك فأقرضوه خمسين ألف دينار وابتاع منهم القصر الذي أقطعه السلطان وأمضى له ذلك. وبعث سراج الدين الكويك معه وزيره يرد له منه ما أقرضه من المال فهلك هنالك. وأتبعه سراج الدين آخرا بابنه فمات هنالك. وجاء ابنه فخر الدين أبو جعفر بالبعض، وهلك منسا موسى قبل وفاته فلم يظفروا منه بشيء إنتهى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق