2638
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
إيقاع الناصر بالتتر على شقحب:
ثم تواترت الأخبار سنة اثنتين وسبعمائة بحركة التتر ؛ وأن قطلوشاه وصل إلى جهة الفرات، وأنه قدم كتابه إلى نائب حلب بأن بلادهم محلة، وأنهم يرتادون المراعي بنواحي الفرات فخادع بذلك عن قصده ويوهم الرعية أن يجفلوا من البسائط. ثم وصلت الأخبار بإجازتهم الفرات فأجفل الناس أمامهم كل ناحية، ونزل التتر مرعش. وبعث العساكر من مصر مدداً لأهل الشام فوصلوا إلى دمشق، وبلغهم هنالك أن السلطان قازان وصل في جيوش التتر إلى مدينة الرحبة ونازلها فقدم نائبها قرى وعلوفة واعتذر له بأنه في طاعته إلى أن يرد الشام، فإن ظفر به فالرحبة أهون شيء وأعطاه ولده رهينة على ذلك فأمسك عنه، ولم يلبث أن عبر الفرات راجعا إلى بلاده. وكتب إلى أهل الشام كتاباً مطولاً ينذرهم فيه أن يستمدوا عسكر السلطان أو يستجيشوه ويخادعهم بلين القول وملاطفته، وتقدم قطلوشاه وجوبان إلى الشام بعساكر التتر يقال في تسعين ألفا أو يزيدون. وبلغ الخبر إلى السلطان فقدم العساكر من مصر وتقدم بيبرس كافل المملكة إلى الشام، والسلطان وسلار على أثره ومعهم الخليفة أبو الربيع. وساروا في التعبية. ودخل بيبرس دمشق، وكان النائب بحلب قراسنفر المنصوري ، وقد اجتمع إليه كيبغا العادل نائب حماة وأسد الدين كرجي نائب طرابلس بمن معهم من العساكر فأغار التتر على القريتين، وبها أحياء من التركمان كانوا أجفلوا أمامهم من الفرات فاستاقوا أحياءهم بما فيها واتبعهم العساكر من حلب فأوقعوا بهم واستخلصوا أحياء التركمان من أيديهم. وزحف قطلوشاه وجوبان بجموعهما إلى دمشق يظنان أن السلطان لم يخرج من مصر، والعساكر والمسلمون مقيمون بمرج الصفر وهو المسمى بشقحب مع ركن الدين بيبرس، ونائب دمشق أقوش الأفرم ينتظرون وصول السلطان فارتابوا لزحف التتر وتأخروا عن مراكزهم قليلا، وارتاعت الرعايا من تأخرهم فأجفلوا إلى نواحي مصر. وبينما هم كذلك إذ وصل السلطان في عساكره وجموعه غرة رمضان من السنة فرتب مصافه وخرج لقصدهم فالتقى الجمعان بمرج الصفر، وحمل التتر على ميمنة السلطان فثبت الله أقدامهم وصابروهم إلى أن غشيهم الليل، واستشهد جماعة في الجولة. ثم انهزم التتر ولجؤا إلى الجبل يعتصمون به، واتبعهم السلطان فأحاط بالجبل إلى أن أظل الصباح. وشعر المسلمون باستماتتهم فأفرجوا لهم من بعض الجوانب، وتسلل معظمهم مع قطلوشاه وجوبان، وحملت العساكر الشامية على من بقي منهم
فاستلحموهم وأبادوهم. وأتبعت الخيول آثار المنهزمين، وقد اعترضتهم الأحوال بما كان السلطان قدم إلى أهل الأنهار بين أيديهم فبثقوها، ووحلت خيولهم فيها فاستوعبوهم قتلا وأسرا. وكتب السلطان إلى قازان بما يجدد عليه الحسرة ويملأ قلبه رعبا، وبعث البشائر إلى مصر. ثم دخل إلى دمشق وأقام بها عيد الفطر، وخرج لثالثه منها إلى مصر فدخلها آخر شوال في موكب حفل ومشهد عظيم، وقر الإسلام بنصره، وتيمن بنقيب نوابه، وأنشده الشعراء في ذلك. وفي هذه السنة توفي كيبغا العادل نائب حماة، وهو الذي كان ولي الملك بمصر كما تقدم ذكره فدفن بدمشق. وتوفي أيضا بليان الجو كندار نائب حمص. وتوفي أيضا القاضي تقي الدين بن دقيق العيد بمصر لولايته ست سنين بها، وولي مكانه بدر الدين بن جماعة. وهلك قازان ملك التتر، يقال أصابته حمى حادة للهزيمة التي بلغته فهلك وولي أخوه خربندا. وفيها أفرج السلطان عن رميثة وحميصة ولدي الشريف أبي نمي، وولاهما بدلا من أخويهما عطيفة وأبي الغيث، والله تعالى أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق