2618
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 413-
واقعة التتر بحمص ومهلك ابغا سلطانهم باثرها:
ثم زحف التتر سنة ثمانين إلى الشام من كل ناحية متظاهرين فسار أبغا في عساكر المغل وجموع التتر، وانتهى إلى الرحبة فحاصرها ومعه صاحب ماردين، وقدم أخوه منكوتمر في العساكر إلى الشام. وجاء صاحب الشمال منكوتمر من بني دوشي خان من كرسيهم بصراي مظاهراً لأبغا بن هلاكو على الشام فمر بالقسطنطينية ثم نزل بين قيسارية وتفليس، ثم سار إلى منكوتمر بن هلاكو، وتقدم معه إلى الشام. وخرج السلطان من دمشق في عساكر المسلمين وسابقهم إلى حمص، ولقيه هناك سنقر الأشقر فيمن معه من أمراء الظاهرية. وزحف التتر ومن معهم من عساكر الروم والإفرنج والأرمن والكرج ثمانون ألفا أو يزيدون ؛ والتقى الفريقان على حمص. وجعل السلطان في ميمنته صاحب حماة محمد بن المظفر، ونائب دمشق لاشين السلحدار، وعيسى بن مهنا فيمن إليه من العرب. وفي الميسرة سنقر الأشقر في الظاهرية مع جموع التركمان ومن إليهم جماعة من أمرائه. وفي القلب نائبه حسام الدين طرنطاي، والحاجب ركن الدين أياحي وجمهور العساكر والمماليك. ووقف السلطان تحت الرايات في مواليه وحاشيته. ووقفت عساكر التتر كراديس، وذلك منتصف رجب سنة ثمانين واقتتلوا، ونزل الصبر.
ثم انفضت ميسرة المسلمين واتبعهم التتر، وانفضت ميسرة التتر ورجعوا على ملكهم منكوتمر في القلب فانهزم، ورجع التتر من اتباع ميسرة المسلمين فمروا بالسلطان وهو ثابت في مقامه لم يبرح، ورجع أهل الميرة. ونزل السلطان في خيامه ورحل من الغد في اتباع العدو، وأوعز إلى الحصون التي في ناحية الفرات باعتراضهم على المقابر فعدلوا عنها، وخاضوا الفرات في المجاهل فغرقوا ومر بعضهم ببر سلمية فهلكوا وانتهى الخبر إلى أبغا، وهو على الرحبة فأجفل إلى بغداد. وصرف السلطان العساكر إلى أماكنهم، وسار سنقر الأشقر إلى مكانه بصهيون. وتخلف عنه كثير من الظاهرية عند السلطان، وعاد السلطان إلى دمشق، ثم إلى مصر آخر شعبان من السنة فبلغه الخبر بمهلك منكوتمر بن هلاكو بهمذان ومنكوتمر صاحب الشمال بصراي فكان ذلك تماما للفتح. ثم هلك أبغا بن هلاكو سنة إحدى وثمانين ؛ وكان سبب مهلكه فيما يقال أنه إتهم شمس الدين الجريض وزيره باغتيال أخيه منكوتمر منصرفه من واقعة حمص، فقبض عليه وامتحنه واستصفاه فدس له الجويني من سمه ومات. وكان أبغا اتهم بأخيه أيضا أميراً من المغل كان شحنة بالجزيرة ففر منها وأقام مشركا. وبعث السلطان قلاون بعثا إلى ناحية الموصل للإغارة عليها وانتهوا إلى سنجر فصادفوا هذا الأمير، وجاؤا به إلى السلطان فحبسه. ثم أطلقه وأثبت اسمه في الديوان، وكان يحدث بكثير من أخبار التتر وكتب بعضها عنه. وبعث السلطان في هذه السنة بعوثا أخرى إلى نواحي سيس من بلاد الروم جزاء بما كان من الأرمن في حلب ومساجدها فاكتسحوا تلك النواحي، ولقيهم بعض أمراء التتر بمكان هنالك فهزموه ووصلوا إلى جبال بلغار ورجعوا غانمين. وبعث السلطان شمس الدين قراسنقر المنصوري إلى حلب لإصلاح ما خرب التتر من قلعتها وجامعها فأعاد ذلك إلى أحسن ما كان عليه. ثم أسلم ملوك التتر فبعث أولا بكدار بن هلاكو صاحب العراق بإسلامه، وانه تسمى أحمد وجاءت رسله بذلك إلى السلطان وهم شمس الدين أتابك ومسعود بن كيكاوس صاحب بلاد الروم، وقطب الدين محمود الشيرازي قاضي سيواس وشمس الدين محمد بن الصاحب من حاشية صاحب ماردين، وكان كتابه مؤرخا بجمادى سنة إحدى وثمانين، وحملوا على الكرامة، وأجيب سلطانهم بما يناسبه. ثم وصل رسول قزدان بن طقان المتولي بكرسي الشمال بعد أخيه منكوتمر سنة اثنين وثمانين بخبر ولايته ودخوله في دين الإسلام، ويطلب تقليد الخليفة واللقب منه والراية للجهاد فيمن يليه من الكفار فأسعف بذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق