2547
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
من تاريخ العلامة ابن خلدون
المجلد الخامس
من صفحة 343- 412
وصول الإفرنج من وراء البحر إلى سواحل الشام
ومسيرهم إلى دمياط وحصارها واستيلاؤهم عليها:
كان صاحب رومة أعظم ملوك الإفرنج بالعدوة الشمالية من البحر الرومي، وكانوا كلهم يدينون بطاعته، وبلغة اختلاف أموال الإفرنج بساحل الشام وظهور المسلمين عليهم فانتدب إلى إمدادهم وجهز إليهم العساكر فامتثلوا أمره من إيالته. وتقدّم إلى ملوك الإفرنج أن يسيروا بأنفسهم أو يرسلوا العساكر فامتثلوا أمره، وتوافت الأمداد إلى عكا من سواحل الشام سنة أربع عشرة. وسار العادل من مصر إلى الرملة وبرز الإفرنج من عكا ليصدوه فسار إلى نابلس يسابقهم إلى أطراف البلاد، ويدافعهم عنها فسبقوه. ونزل هو على بيسان من الأردن، وزحف الإفرنج لحربه في شعبان من السنة، وكان في خف من العساكر فخام عن لقائهم. ورجع إلى دمشق ونزل مرج الصفر. وإستدعى العساكر ليجمعها، وإنتهب الفرنج مخلفه في بيسان، واكتسحوا ما بينها وبين بانياس. ونزلوا بانياس ثلاثا، ثم عادوا إلى مرج عكا بعد أن خربوا تلك الأعمال، وامتلأت أيديهم من نهبها وسباياها. ثم ساروا إلى صور ونهبوا صيدا والشقيف على فرسخين من بانياس، وعادوا إلى عكا بعد عيد الفطر. ثم حاصروا حصن الطور على جبل
قريب من عكا، كان العادل أختطها فحاصروها سبعة عشر يوماً، وقتل عليها بعض ملوكهم فرجعوا عنها. وبعث العادل إبنه المعظم عيسى إلى حصن الطور فخربها لئلا يملكها الإفرنج. ثم سار الإفرنج من عكا في البحر إلى دمياط وأرسوا بسواحلها في صفر، والنيل بينهم وبينها. وكان على النيل برج حصين تمرّ منه إلى سور دمياط سلاسل من حديد محكمة تمنع السفن من البحر الملح أن تصعد في النيل إلى مصر. فلما نزل الإفرنج بذلك الساحل خندقوا عليهم وبنوا سورا بينهم وبين الخندق، وشرعوا في حصار دمياط واستكثروا من آلات الحصار وبعث العادل إلى إبنه الكامل بمصر أن يخرج في العساكر ويقف قبالتهم ففعل، وخرج من مصر في عساكر المسلمين فنزل قريباً من دمياط بالعادلية. وألحّ الإفرنج على قتال ذلك البرج أربعة أشهر، حتى ملكوه ووجدوا السبيل إلى دخول النيل ليتمكنوا من النزول على دمياط، فبنى الكامل عوض السلاسل جسراً عظيماً يمانع الداخلين إلى النيل فقاتلوا عليه قتالاً شديداً حتى قطعوه. فأمر الكامل بمراكب مملوءة بالحجارة وحرقوها وراء الجسر تمنع المراكب من الدخول إلى النيل، فعدل الإفرنج إلى خليج الأزرق. وكان النيل يجري فيه قديماً فحفروه فوق الجسر، وأجروا فيه الماء إلى البحر، وأصعدوا مراكبهم إلى قبالة معسكر المسلمين ليتمكنوا من قتالهم، لأنّ دمياط كانت حاجزة بينهم فاقتتلوا معهم وهم في مراكبهم فلم يظفروا. والميرة والإمداد متصلة إلى دمياط، والنيل حاجز بينهم وبين الإفرنج فلا يحصل لهم من الحصار ضيق. ثم بلغ الخبر بموت العادل فاختلف العسكر، وسعى مقدم الأمراء عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب الهكاري في خلع الكامل وولاية أخيه الأصغر الفائز. ونمي الخبر إلى الكامل فأسرى من ليلته إلى أشمون طناح، وتفقده المسلمون من الغد فأجفلوا ولحقوا بالكامل، وخلفوا سوادهم بما فيه فاستولى عليه الإفرنج، وعبروا النيل إلى البرّ المتصل بدمياط، وجالوا بينها وبين أرض مصر. وفسدت السابلة بالأعراب، وإنقطعت الميرة عن دمياط، واشتدّ الإفرنج في قتالها وهي في قلة من الحاميةلإجفال المسلمين عنها بغتة. ولما جهدهم الحصار وتعذر عليهم القوت استأمنوا إلى الإفرنج فملكوها آخر شعبان سنة ست عشرة، وبنوا سراياهم فيما جاورها فأقفروا ورجعوا إلى عمارة دمياط وتحصينها، وأقام الكامل قريباً منهم لحماية البلاد. وبنى المنصورة بقرب مصر عند مفترق البحر من جهة دمياط، والله تعالى أعلم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق