22
تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها
واحة فيران
أما " واحة فيران " فهي واحة عظيمة تمتد من البويب فنازلا في الوادي نحو خمسة أميال . وفي أعلى الواحة " غابة الطرفاء " وهي غابة عظيمة تمتد من البويب إلى مكان يدعى " علو فيران " مسافة ميلين أو نحوهما .
" منقذة النعجة " وفي وسط الغابة على نحو ميل من البويب على طريق ص53
المارة صخرة عظيمة منفصلة عن أصل الجبل في جنب الوادي الأيمن عندها رجم من الحجارة تدعى " منقذة النعجة " فيل سميت كذلك لأن تعجة لعرب مزينة طاردها ذئب فلجأت إلى رأس هذه الصخرة ونجت من الذئب فصار عرب مزينة كلما مر أحدهم بهذه الصخرة رماها بحجر إلى اليوم .
" حديقة فيران " ويلي غابة الطرفاء حديقة غضة من النخيل يتخللها بعض أشجار السدر تمتد من علو فيران إلى مصب وادي عليات نحو ميل ونصف ميل . ويضيق الوادي عند الحديقة حتى أنه لا يزيد عرضه في بعض المواضع عن عشرين مترا ويزدحم النخل فيه حتى يكاد يخنقه ولا يترك فيه إلا طريق ضيقا للمارة .
" النخيلة والحسوة " وعلى نحو نصف ميل من مصب عليات منحدرا مع الوادي حديقة صغيرة من النخيل تدعى " النخيلة " . وعلى نصف ميل آخر حديقة أخرى من النخيل تدعى " الحسوة " وهي منتهى واحة فيران . فيكون طولها من البويب إلى الحسوة أربعة أميال ونصف ميل أو يزيد وربما بلغ نخيلها 16000 أو أكثر . ولكل قبيلة من قبائل الطورة الست قسم مسور في الحديقة وقد بنوا فيها أكواخا ومضايف من الطين والحجر الغشيم وسعف النخل حتى إذا ما جاء موسم البلح في الصيف اجتمعوا في الحديقة وقضوا الموسم . ولكنهم يتركون ابلهم وأغنامهم في الخارج فلا يأوونها الحديقة لضيقها وقلة مراعيها وكثرة بعوضها . وعند جني التمر يجعلونه في قرب من جلد المعزي بعد دهنها بالزيت أو بالسمن فتحفظ التمر صالحا للأكل مدة طويلة . وبعد الموسم يتفرقون إلى أماكنهم في الجزيرة فلا يبقى في الحديقة إلا جماعة من سكان البلاد الأصليين يدعو " التبنة " يلقحون نخيلها ويزرعون بعض بقاعها حبوبا وتبغا وهو ينسجون حصرا من سعف النخيل لا بأس بها وسنعود إلى ذكرهم . وأكثر القبائل تملكا في الجزيرة القرارشة ثم مزينة ثم العوارمة ثم أولاد سعيد ثم العليقات ثم الجبالية .
" نبع فيران " ويخرج من صخرة في أعلى الحديقة نبع ماء غزير بل هو أغزر نبع في الجزيرة كلها قطره نحو تسعة قراريط مربعة يجري كنهر صغير فيسقى الحديقة ص54
ثم يغور في الرمال والحصى قبيل وصوله الحسوة فيذهب ماؤه هدرا , مع أنه لو اعتني به وسير في قنوات لصير الوادي عن جانبيه جنة حافلة بأنواع الفاكهة والخضرة .
ومما يذكر هنا أنه في سنة 1906 ظهر نبع آخر فوق هذا النبع عند البويب ولكنه يجري قليلا ثم يغور في غابة الطرفاء . وأكد لي بعض عربان فيران أن فم النبع الكبير كان قديما عند قبة الشيخ أحمد أبو شبيب في وسط حديقة النخيل ثم غار وظهر في مكانه الحالي كأن فم النبع يرتفع في الوادي مع الأيام.
هذا ويرى عند فم النبع الكبير في جانب الوادي الأيمن طبقات من الطمي المتجمد لا صقة بالجبل مما يدل على أن الوادي قد سد من أسفله في الأعصر الغابرة فصار بحيرة عظيمة ثم زال السد فزالت البحيرة وبقيت آثارها .
" جبل المناجاة " وفي الجبل الذي إلى يسار الوادي في أعلى الحديقة قمة مرتفعة تدعى " جبل المناجاة " . وفي تقاليد البدو أنه سمي كذلك لأن الله سبحانه ص55
ناجى عليه موسى النبي عند مروره بفيران . وهم يزورونه كل سنة في آخر الصيف بعد موسم البلح ويذبحون له : يأتون سفح الجبل فوق النبع الكبير ومعهم الذبائح فيذبح كل فريق منهم ذبيحة من الغنم أو المعزي ثم يشبركون في جمل يقدمونه ذبيحة عامة فيأكلون منه ويوزعون على الفقراء ويقرأون الفاتحة " لموسى وملائكة فيران " قالوا فكل من أحب الاشتراك في الذبيحة العامة ربط مقود الجمل بخرقة علامة لذلك حتى إذا ما ذبح الجمل علقوا مقوده في شجرة طرفاء هناك تبركا . وقد بنى العرب قديما على رأس الجبل مزارا وهو كوخ صغير من الحجارة الغشيمة وكلنهم قلما يصعدون إليه فيكتفون بالزيارة في سفح الجبل .
" تاريخ فيران " ومما زاد في شهرة هذا الوادي أنه في سفح جبل سربال العظيم الذي قيل إن الأقدمين قد سبوه وحجوا إليه كما مر , وأنه في طريق المسافر برا من مصر إلى البتراء وبلاد العرب . وقد مر به موسى النبي إذ خرج بقومه من أرض مصر . وفيه قهر العمالقة أسياد النبع في ذلك العهد . وطرقه النبطيون والأدوميون من قبلهم في تجارتهم . وهنا أسس الرهبان والنساك في صدر النصرانية أبرشية عظيمة دامت بضع مئين من السنين كما تدل الآثار الباقية هناك إلى هذا العهد . وقد دلت أصناف النقود التي وجدت فيها أنها بلغت أوج مجدها بعد عصر الملك قسطنطين في آخر القرن الرابع وبقوا إلى أن جاء العرب المسلمون في صدر الإسلام فاغتصبوا البلاد منهم واحتلوها في مكانهم إلى اليوم كما سيجئ .
" آثار فيران " وأشهر آثار هذا الوادي عدا الصخور النبطية في وادي عليات وسفح سربال المار ذكرها : آثار دير وكنيسة في وسط حديقة النخيل . وآثار دير وكنيسة على تل المحرد عند مصب وادي عليات بوادي فيران , وبين تلك الآثار عمد مضلعة مستديرة ومربعة من الرخام والحجر الرملي , وهي مؤلفة من قطعة واحدة أو عدة قطع وقد رسم على بعضها صورة الصليب , ووجد على حجر كتابة باليونانية فيها ذكر التابوت المقدس . وآثار كنيسة مبنية بالحجر المنحوت ودير عند فم عليات في أسفل تل المحرد . وآثار كنيسة وطاحونة على تل الطاحونة تجاه تل المحرد . ص56
وآثار قرية قديمة في أسفل جبل الطاحونة . وآثار منازل بالحجر والطين وقبور على جميع التلال التي ترى من تل المحرد عن جانبي الوادي . وكلها من آثار المسيحيين في صدر النصرانية . ومن آثار الإسلام : قبة تزار " للشيخ أحمد أبو شبيب " من النصيرات القرارشة في جبانة الحديقة السفلى ويخصه بالتكريم القرارشة والعوارمة يذبحون له الغنم والمعزي في كل سنة عند اجتماعهم لموسم البلح . وفي بعض السنين يذبحون له جملا كجبل المناجاة . وقبر يزار في جبانة الحديقة العليا " للشيخ عليان " جد الرضاونة العوارمة من جدود الجيل الحاضر قالوا أن بعض العربان رأى في الحلم كأن جد الرضاونة هذا هو ولي تجب زيارته فصاروا يزورونه ويذبحو له . وقبة تزار في الحسوة في أسفل الحديقة " للشيخ سلامة بديري " من أولاد تيهي القرارشة . يزوره القرارشة والعوارمة ويذبحون له .
ومن آثار وادي فيران الشهيرة التي تلفت نظر المنحدر من الحسوة :
" حصي الخطاطين " على نحو ميلين من الحسوة وهي صخرة كبيرة بجانب الطريق انفصلت عن أصل الجبل وبقربها رجم من الحجارة , قيل هناك كان يجلس الخطاطون المغاربة قديما ويبصرون البخت . وإلى الآن كلما مر بدوي بهذه الصخرة رماها بحجر .
ويظن أنها الصخرة التي ضربها موسى فخرجت منها الماء لبني إسرائيل لما منعهم العمالقة ص57
عن الماء وهي على نحو ميلين ونصف ميل من المكان الذي تغور في مياه نبع فيران الآن .
" عرق المجرحين " على نحو ساعة من حصي الخطاطين وهو عرق من جنب الوادي الغربي يستريح المسافرون بظله وعليه كتابة بالنبطية كالتي في ادي المكتب . قيل سمي كذلك لأن جماعة من التجار اقتتلوا هناك فأصيبوا بجراح بالغة . والظاهر أن هذا المحل كان " محطة " للتجار النبطيين الذين كانوا يحملون متاجرهم إلى مصر .
" عرق رجامات البيض " على نحو نصف ساعة من عرق المجرحين وهو تل صغير في جانب الوادي الأيسر عليه رجوم بيضاء , قيل أن الحماضة لما سكنوا حديقة فيران قديما كانوا في الصيف يرحلون إلى هذا المكان ليلا هربا من البعوض الذي يكثر في الحديقة ويجلب الحمى إلى أهلها .. وذكر المقريزي مدينة فاران فقال : " هذه المدينة بساحل بحر القلزم وهي من مدن العماليق على تل بين جبلين وفي الجبلين نقوب كثيرة لا تحصى مملؤة أمواتا . ومن هناك إلى بحر القلزم مرحلة واحدة ويقال له هناك ساحل بحر فاران وهو البحر الذي أغرق الله فيه فرعون . وبين مدينة فاران والتيه مرحلتان .. وكانت مدينة فاران من جملة مدائن مدين إلى اليوم وبها نخل كثير مثمر أكلت من ثمره . وبها نهر عظيم . وهي خراب يمر به العربان " اه ص58
" وادي حبران " ينشأ من " نقب حبران " شرقي جبل سربال ويسير متعرجا جنوبا نحو 15 ميلا فيصب في سهل القاع على نحو 16 ميلا من مدينة الطور . وهو في طريق هذه المدينة من الدير والعقبة . وعند مصبه حجارة نبطية . وفيه ثلاث عيون : " عين الوطية " في رأس الوادي في سفح نقب حبران الجنوبي .
عين الرديسات " على نحو خمسة أميال من عين الوطية وعليها ثلة من النخيل و " عين الحشا " على نحو خمسة أميال من عين الرديسات وهي أغزرها ماء تجري نحو 3 أميال ثم تغور بالقرب من مصب الوادي وفي مجراها بعض النخيل . ومن فروع حبران :
" وادي كبرين " يأتي من الشرق من جبل مدسوس ويصب فيه بين عين الوطية وعين الرديسات بعد مسيرة 6 أميال أو نحوها . وفي رأسه في جبل مدسوس يكثر التيتل فتقصده السياح للصيد .
" وادي الملاحة " يأتي حبران من الشمال الغربي ويصب فيه بين عين الرديسات وعين الحشا . طوله نحو 6 أميال وفي رأسه معدن للمنغنيس والحديد عدنه القدماء . أتيت هذا المعدن سنة 1907 فرأيت تلالا من نفاوة المعدن وبقربها عدة أكواخ بناها المعدنون الأقدمون مساكن لهم , وهي مبنية بالحجر " الغشيم " والطين بناء متينا جدا حتى تجد الطين لاصقا بالحجر كأنه جزء منه , ولها أبواب من حجر ضيقة جدا . شبران في شبرين , فلا يمكن الدخول منها إلا زحفا . وأهل البلاد يسمونها " قصر " مفردها قصير
" نقب حبران " أما نقب حبران فهو جبل مرتفع شهير يطل على سهل القاع وجبل سربال وجبال التيه فتتجلى منه مناظر من أجمل مناظر سيناء وأبهاها . وطوله من أسفله عند عين الوطية إلى رأس قمته مسيرة ساعة . وعلى قمته خرائب قرية قديمة للسكان الأصليين تخترقها طريق الطور . ترى المنازل فيها مبنية على شكل اسطواني أو حلزوني تنتهي بقبة ولكل منزل في أسفله حائط متين يدعمه , وكلها بالحجر الغشيم والطين . وللقرية جبانة محكمة لصنع فيها أربعة أضرحة : ضريحان تحت الأرض وضريحان فوقها قالوا وقد وجد بعض البدو في تلك الجبانة أساور من ذهب 59
" وادي إسلا " ينشأ من غربي طور سيناء ويسير متعرجا بين الجبال الغرانيتية إلى أن يصب في سهل القاع على نحو 14 ميلا من مدينة الطور . وهو أجمل واد في سيناء كلها . وفيه عين تجري مسافة قصيرة ثم تغور في الرمال قبيل مصبه بالقاع . وفيه تمر طريق مختصرة من مدينة الطور إلى دير سيناء . ويعرف رأسه " بوادي الطرفاء " .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق