1439
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> ريشيليو -> رثاء
6- رثاء
أي رجل كان هذا الكردينال الذي لم يكد يكون مسيحياً، هذا الرجل. العظيم الذي شعر أنه ليس في وسعه أن يكون إنساناً طيبا ً؟ لقد أسلمه فليب دشامبان إلى الأجيال التالية في لوحة من أشهر لوحات اللوفر. قوام فارع تنقذه أثوابه من مظهر السخف، تخلع عليه السلطة عباءة وقبعة حمراوين، يقف كأنه في مرافعة قانونية، يعلن عن نبالته بقسماته الواضحة المحددة ويديه الرقيقتين، ويتحدى أعداءه بعينيه الحادتين، ولكنه شاحب بفعل السنين المضنية، محزون بوعيه بالزمن الذي لا يرحم. هنا دنيوية السلطان يعارضها نسك التكريس.
كان عليه أن يكون قوياً ليمنع عيوبه من أن تهزم مراميه. بدأ سيرته في البلاط بتواضع متملق، انتقم له بعد حين بكبرياء لا تعترف بغير سيد واحد دون غيره. فبينما كانت الملكة تزوره ذات مرة ظل جالساً - وهو خروج عن الأدب لا يؤذن به إلا للملك. كان (كأكثرنا) مغروراً بمظهره، شرهاً للألقاب، كارهاً للنقد، تواقاً إلى الشعبية. كان يغار من كوريني، فاشتهى أن يشتهر
?
صفحة رقم : 9967
هو أيضاً كاتباً مسرحياً وشاعراً، وقد كتب فعلاً النثر الرائع كما تشهد بذلك مذكراته. وقد وفق في غير تردد - كما وفق ولزي - بين أتباع المسيح، والاهتمام بشيطان المال. رفض الرشا ولم يتقاض راتباً، ولكنه استولى على دخل الكثير من الرتب الكنسية، زاعماً أنه في حاجة إلى تمويل سياساته. وشيد لنفسه كما فعل ولزي قصراً بلغ من فخامته أنه رأى من الحكمة قبل موته أن يهديه إلى ولي العهد؛ ولنا أن نفترض أنه مبنى للموظفين الإداريين وللمظهر الدبلوماسي أكثر من الترف الشخصي. لم يكن بخيلاً، وقد أثرى أقرباءه، وكان في وسعه أن يسخو بمال الدولة. وأوصى بنصف ثروته للملك، ونصحه بأن يستعمله »في الظروف التي لا تحتمل بطئ الإجراءات المالية(30)«.
أما ما يبدو لنا قسوة شديدة فيه فكان في رأيه ضرورة من ضرورات الحكم، فمن القضايا المسلمة بها عنده أن الناس - والدول بالتأكيد - لا يمكن أن يساسوا باللطف، بل لا بد من تخويفهم بالصرامة. إنه أحب فرنسا، ولكن الفرنسيين لم يبعثوا فيه حرارة الحب. وقد وافق كوزيمو دي مديتشي على أن الدولة لا يمكن حكمها بالصلوات الربانية، ووافق مكيافللي على أن أخلاقيات المسيح لا يمكن اتباعها بأمان في حكم الأمة أو صيانتها. كتب يقول »إن المسيح لا يسعه الإبطاء في العفو عن الإساءة، ولكن الحاكم لا يسعه الإبطاء في عقابها إذا كانت جريمة ضد الدولة ... ولا بقاء للدول بغير هذه الفضيلة (فضيلة الصرامة) التي تصبح شفقة بقدر ما يمنع عقاب مجرم واحد ألف مجرم من نسيانه(31)«. وريشليو هو الذي روج عبارة »مبرر الدولة«، أي أن القانون الأخلاقي يجب أن يخضع لمبررات الدولة(32). ويبدو أنه لم يخامره قط شك في أن سياساته هي واحتياجات فرنسا شيء واحد، ومن ثم اضطهد أعداءه الشخصيين بنفس الحزم الذي عاقب به أعداء الملك.
على أنه كان داخل قلعته وجبهته الدبلوماسية إنساناً، يهفو إلى الصداقة،
?
صفحة رقم : 9968
ويحس عزلة العظماء ووحشتهم. ويريدنا كتاب تالمان »أقاصيص« المملوء بالقيل والقال أن نصدق أن ريشليو حاول أن يجعل من ماري مديسي خليلة له، وكانت تكبره بعشرين عاما(33)، ولكن هذا بعيد الاحتمال. وهناك أساطير أخرى عن علاقات الكردينال الغرامية السرية، حتى مع نينول دلا نكلو، وما كان لينتهك عرف العصر أن يعزى رجل السياسة المرهق نفسه ببعض الانحرافات. بيد أن كل ما نعرفه عن عواطفه معرفة واضحة هو أنه كان شديد التعلق بابنة أخته ماري-مادلين دكومباليه. فقد أرادت أن تدخل ديراً بعد أن ترملت عقب زواجها، ولكن ريشليو أقنع البابا بمنع هذا، وأبقاها قريبة منه لتدير بيته، واستجابت بالإخلاص له إخلاصاً أشد حرارة من أكثر العلاقات الغرامية. كانت تلبس لباس الراهبة وتخفي شعرها. وسلك ريشليو منها مسلك اللياقة الواجبة كله، ولكن الملكتين رفضتا تبرئتها لفقدان الأدلة الكافية على إدانتها، وسقتا غيرهما إلى حديث الشائعات الذي أضاف وخزة عديدة لقصة الكردينال. إنه لم يحب »رجلاً، ولا امرأة أيضاً« وقد ثأر كلاهما منه.
أما ما كان يملكه فوق كل شيء فهو الارادة. وقليل من الناس في التاريخ كله من اجتمعت لهم هذه الوحدة في الهدف، وهذا المضاء والثبات في السعي إليه، وما كان لقوانين الحركة أن تكون أكثر ثباتاً. ولا بد أن نعجب باخلاصه لواجباته، وافنانه نفسه فيها طوال سنين من الجهد وليالي حرم فيها النوم. وقد كرس هذه الجهود لأولئك الذين يسر لهم النوم دون مخاوف مستظلين برعايته الساهرة. ولا بد أن نعترف له بالشجاعة الفائقة التي تصدت للنبلاء الأقوياء والنساء الدساسات، وقاومتهم وصدتهم، وقضت عليهم في غير خوف ولا رهبة وسط المؤامرات المتكررة على حياته. وقد غامر برأسه المرة بعد المرة بسبب نتائج سياساته.
وقلما كان يشعر بالعافية. فقد عرضته الحمى التي أبتلته بها مستنقعات بواتو لصداع متكرر كان أحياناً يلازمه أياماً بطولها. ولعل جهازه العصبي
?
صفحة رقم : 9969
كان ضعيفاً بالوراثة. أو مضروراً بالخلقة، فقد كانت إحدى شقيقاته ضعيفة العقل، وأحد إخوته مجنوناً بعض الوقت، وأرجفت شائعات القصر أن الكردينال ذاته تعتريه نوبات من الصرع وهلوسات جنونية(34). وكان يعاني من البواسير، والبثور، ومرض المثانة، وكانت أزماته السياسية تزداد تعقداً أحيانا بحصر البول كما كان الشأن مع نابليون(35). وقد حملته علته على التفكير غير مرة في الاعتزال، ولكنه وهو حبيس إرادته كان يأخذ الزمام ثانية ويواصل النضال.
ولسنا نستطيع أن ننصفه إلا إذا نظرنا إليه في مجموعة، بما فيه من ملامح تتخذ شكلها ونحن ماضون في الرؤية. لقد كان رائداً للتسامح الديني، رجلاً واسع الثقافة حساسها، ذواقة للموسيقى، وجماعاً خبيراً للفنون، وعاشقاً للدراما والشعر، وصديقاً معيناً لرجال الأدب، ومؤسساً للأكاديمية الفرنسية. ولكن التاريخ يذكر فيه بحق أولاً وقبل كل شيء الرجل الذي حرر فرنسا من تلك السيطرة الأسبانية التي نجمت عن الحروب الدينية والتي جعلت من فرنسا، بمقتضى الحلف، دولة تتلقى من أسبانيا معاشاً، بل تكاد تكون تابعة لها. أنه حقق ما كان فرنسيس الأول وهنري الرابع يصبوان طويلاً إليه وما أخفقا في تحقيقه، فقد كسر »النطاق الخانق« الذي طوقت به دولتا الهابسبورج فرنسا. ولا بد أن تفصل الصفحات التالية تلك الاستراتيجية البعيدة النظر التي حسم بها حرب الثلاثين سنة، وأنقذ البروتستنتية الألمانية باعتبارها حليف فرنسا الكاثوليكية، ويسر لمازران أن يصوغ صلح وستفاليا البناء. أما لفرنسا ذاتها فقد خلق وحدة وقوة على حساب دكتاتورية واستبدادية ملكية ولدت الثورة حين حان وقتها. وإذا كان أول واجبات رجل الدولة أن يجعل شعبه سعيداً حراً، فإن ريشليو كان شديد القصور في تحقيق هذا الهدف. وقد أدانه الكردينال ريتز-وهو قاض ذكي ولكنه لم يتجرد من التحامل-لأنه »أرسى أشنع وأخطر طغيان استرق دولة ربما في التاريخ كله(36)«. ولو
?
صفحة رقم : 9970
سئل ريشليو في هذا لربما أجاب بأن على رجل الدولة أن يأخذ في الاعتبار سعادة وحرية الأجيال القادمة لا جيله فحسب، وأن عليه أن يقوي وطنه ليحميه من الغزو أو السيطرة الأجنبية، وأن له في سبيل هذا الهدف أن يضحي بحق جيلاً حاضراً من أجل أمن الأجيال التالية. وبهذا المعنى رأي فيه أوليفارس، غريم ريشليو الأسباني، »أقدر وزير في العالم المسيحي في الألف السنة الأخيرة(37)«. ورأى فيه تشسترفيلد »أكفأ رجل دولة في عصره وربما في أي عصر آخر(38)«.
وكانت عودته من نصره النهائي في روسيون موكب الجنازة لرجل ما زال على قيد الحياة استقل زورقاً من تاراسكزن إلى ليون على الرون، ومكث في ليون حتى حوكم سانك-مارس ودوتو وأعدما، ثم اضطر لضعفه من ألم تسبب عن ناسور شرجي أن يذهب إلى باريس على محفة حملها أربعة وعشرون من حراسه، واتسعت لسرير الرجل المحتضر، ومائدة، وكرسي، وسكرتير يملي أوامر للجيش ورسائل دبلوماسية. واستغرقت مسيرة الموت هذه ستة اسابيع، وعلى طول الطريق احتشد الناس ليلقوا نظرة خاطفة على الرجل الذي لم يكن في قدرتهم أن يعطوه الحب، بل الخوف، والاحترام، والتبجيل، بوصفه التجسيد المهيب للكنيسة والدولة جميعاً، ونائب الله والملك. فلما بلغ باريس نقل إلى قصره دون أن يبرح محفته. وأرسل استقالته لمولاه الذي رفض قبولها. وحضر لويس إلى فراشه، ومرضه، وأطعمه، وتساءل ماذا عساه أن يفعل إذا توقفت هذه الإرادة المتجسدة عن الحياة. أما كاهن اعتراف الكردينال فقد سأله بعد أن ناوله القربان الأخير هل غفر لأعدائه، فأجاب بأنه لم يكن له قط أعداء إلا أعداء فرنسا. وبعد يوم من الغيبوبة مات في 4 ديسمبر 1642، وهو في السابعة والخمسين. وأمر الملك بأسبوع كامل من مراسم الحداد، ومرت صفوف المشاهدين بجثمانه طوال يوم ونصف. ولكن الناس في كثير من الأقاليم أشعلوا نيران الفرح شكراً لله على موت الكردينال الحديدي(39).
?
صفحة رقم : 9971
واستمر يحكم فرنسا حيناً. وذلك أنه أوصى بجوليو مازاريني خلفاً له في الوزارة، ووافق لويس. وقد ترك عشرة مجلدات من المذكرات، مسجلاً فيها أعمال الدولة كأنها ليست أعماله بل أعمال الملك. وكان في سنواته الأخيرة قد أهدى لويس »ميثاقاً سياسياً« »ويصلح بعد موتي لإدارة مملكتك وسياستها«. هنا وسط بعض الملاحظات التافهة نجد قواعد دقيقة بليغة للحكم، صيغت في أسلوب زمانه. إنه ينصح الملك بأن يجتنب الحرب، باعتبارها شيئاً لا يصلح له جلالته بطبعه. »إن مصالحة عشرة أعداء أجدى وأدعى للفخر من القضاء على عدو واحد(40)« ثم أسر إليه أن الفرنسيين قوم لم يخلقوا للحرب، ففي بدايتها يكونون الشجاعة كلها والحماسة كلها، ولكن يعوزهم الصبر ورباطة الجأش انتظاراً للحظة المواتية، ويمضي الوقت »يفقدون الاهتمام، ويغدون أضعف حتى من النساء(41)«. ويجب أن يكون الملك، كالقائد شجاعة الرجال القادرة على مقاومة الميول العاطفية؛ وعليه ألا يعطي النساء كلمة في الحكومة، لأنهن يتبعن نزواتهم وأهواءهن أكثر مما يستمعن لصوت العقل(42). على أن »الفكر« في المرأة لا يناسبها »لأني لم أر في حياتي امرأة عالمة لم يفسدها علمها(43)«. والنساء لا يستطعن كتمان السر، » والكتمان روح السياسة(44)«، ورجل الدولة الحصيف قليل الكلام كثير الإصغاء(45)«. وهو يحذر أن يسيء بكلمة غافلة؛ وهو لا يتكلم بشر عن أحد إلا إذا اقتضى ذلك صالح الدولة(46). ومن واجب الملك أن يكون لديه معلومات عامة عن تاريخ جميع الدول ونظامها، لا سيما دولته(47)«. ثم يرجو المؤلف شيئاً من التفهم لوزارته وخلقه »إن عظماء الرجال الذين يعينون لحكم الدولة أشبه بالمحكوم عليهم بالتعذيب، مع فارق واحد، هو أن هؤلاء يتلقون العقاب على سيئاتهم، أما أولئك فعلى حسناتهم(48).
وعاش الملك خمسة أشهر بعد موته، وقد ذكر الناس حكم لويس
?
صفحة رقم : 9972
القصير شاكرين، لأنه أطلق السجناء السياسيين، وسمح بعودة المنفيين، وأتاح لفرنسا أن تتنفس. وكان يشكو من أن الكردينال لم يدعه يتصرف كما يشاء. كانت أمه قد ماتت قبل ريشليو ببضعة شهور، فأمر بجلب جثمانها من كولونيا واحتفل بدفنها رسمياً، وفي لحظاته الأخيرة توسل أن يغفر الله والناس له الخشونة التي عاملها بها.
ورأى نفسه يتهاوى، ولكنه اغتبط بما كان عليه ولده البالغ من العمر أربعة سنين من عافية ووسامة. سأله معابثاً »ما اسمك؟« فأجاب الصبي »لويس الرابع عشر« فقال الملك مبتسماً »ليس بعد يا بني، ليس بعد«. وأمر بطانته بقبول وصاية الملكة حتى يبلغ ابنه سن الرشد، ولما أخبروه أن قد حانت ميتته قال »إذن فأنا راضٍ من كل قلبي يا إلهي(49)« ومات في 14 مايو 1643 وقد بلغ الحادية والأربعين. قال تالمان »ذهب الناس إلى مأتمه كأنهم يذهبون إلى حفل زفاف، وظهروا أمام الملكة كأنهم في مباراة رياضية(50)« وكان الكردينال الرهيب قد أعد كل شيء لمجيء الملك العظيم و »القرن العظيم«.
صفحة رقم : 9973
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق