إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 2 مايو 2014

1438 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> ريشيليو -> الكاردينال صاحب الكل 5- الكردينال صاحب الكلمة العليا







1438


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> ريشيليو -> الكاردينال صاحب الكل

5- الكردينال صاحب الكلمة العليا


أما وقد ملكت يداه هذه السلطة المركزة، فقد فعل كل شيء من أجل فرنسا، ولم يفعل إلا القليل من أجل الشعب. كان يرى فرنسا دولة لا مجموعة من الأفراد الأحياء، أنه لم ينظر إلى الرجل العادي نظرة مثالية، ولعله رأى »العذوبة واللياقة« في أن يموت أمثال هؤلاء الرجال في سبيل وطنهم، فهو راغب في التضحية بهم ليؤمن وطنه المستقل من تطويق الهابسبورج له. وكان يشقى ساعات الليل الطويلة في تصريف شئون الدولة، ولكن همه كان أكثر الوقت سياستها الخارجية. لم تكن لديه متسع من الوقت لتحسين الاقتصاد، إلا أن يكون لتصيد المتهربين من الضرائب وجلب الدخل و »الأنباء« لباريس بقدر أقل من التسرب وهي في الطريق. وفي عام 1627 نظم البريد العام.
وكانت الضرائب ما زال يجمعها رجال المال الذين »أقطعوا« هذه الضرائب، وكانوا يقتضون المثلين، وأحياناً ثلاثة أمثال المبلغ الذي يؤدونه


?
    صفحة رقم : 9961    


للحكومة. وقد أعفى النبلاء ورجال الدين من الضرائب الهامة، ووجد مهرة رجال الأعمال وثروات الموظفين المختزنة السبيل للتهرب من الجباة أو استرضائهم، أما المدن فكانت تدفع مبلغاً صغيراً لتنجو من فرصة الرؤوس، ووقعت وطأة الضرائب على طبقة الفلاحين التي قصدها ريشليو وحتى الفاقة ليجعل من فرنسا أقوى دوراً في العالم المسيحي. وكان كهنري الرابع يؤثر أن يقهر أعداءه بالمال لا بالدم، وكثير من المعاهدات التي خاض بها الحرب تضمن إعانات مالية للحلفاء ورشا للأعداء المحتملين. وكان أحياناً يقرض الخزانة من جيبه الخاص إذ أعوزه تدبير المال، ومرة أستأجر أحد المشتغلين بالكيمياء القديمة ليصنع الذهب(25). وتضافر نظام الضرائب، والسحرة الحكومية على الطرق، مع الجفاف والمجاعة والطاعون وغارات الجنود، لتدفع الفلاحين إلى حال من اليأس تقرب من الانتحار، حتى لقد قتل عدد منهم أسرهم وأنفسهم، وقتلت الأمهات الجائعات أطفالهن وأكلتهم (1639)(26). وفي عام 1634، في رواية ربما بولغ فيها، كان ربع سكان باريس يتسولون(27). وكان الفقراء ينتفضون في فترات دورية وأوقات متفرقة انتفاضات قمعت في غير رحمة.
واستخدم ريشليو الضرائب لبناء الجيوش والأسطول؛ ذلك أن الحق في رأيه لا يجد إذناً صاغية إلا إذا تكلم بالمدفع. ولما اشترى منصب الأميرال لاكير، قام بواجباته بعزيمة ماضية. فأصلح الموانئ وحصنها، وأنشأ الترسانات ومخازن الذخيرة في الثغور، وبنى خمساً وثمانين سفينة، وأسس مدارس لمرشدي السفن. ودرب أفواج الجنود البحريين. وجند مائة فوج من المشاة، وثلاثمائة جندي من الخيالة؛ ورد النظام إلى الجيش. ولم يخفق غلا في جهوده لاقصاء مومسات الجيش. وبفضل هذه القوات الحربية التي بث فيها الحياة من جديد تصدى لفوضى العلاقات الخارجية التي خلفتها وصاية ماري مديسي، وعاد إلى سياسة هنري الرابع، ووجه كل قواته لهدف واحد-هو تحرير فرنسا من نطاق القوة الهابسبورجية


?
    صفحة رقم : 9962    

في الأراضي المنخفضة والنمسا وإيطاليا وأسبانيا.
كانت ماري قد ألفت بين فرنسا وأسبانيا-أي أنها في رأي ريشليو خضعت للعدو، وأقصت أولئك اللذين اعتمد هنري الرابع على صداقتهم وهم الإنجليز، والهولنديون، وبروتستنت ألمانيا. ورأى ريشليو بعين القائد الاستراتيجية اللماحة أن الممرات الفاتيلية التي تربط النمسا بإيطاليا الأسباينة هي المفتاح لقوة أسبانيا والإمبراطورية الموحدة في تبادل المؤن والجنود. وكافح اثني عشر عاماً لظفر بهذه الممرات، وقد صرفته عن هذا الهدف وهزمته حروبه مع الهيجونوت والنبلاء، ولكنه استرد بالدبلوماسية أكثر كثيراً مما خسر في الحرب. ذلك أنه اكتسب »فرانسوا اوكليرك دوترمبليه« خادماً أميناً، وكان قد اتخذ اسم جوزف حين أصبح راهباً كبوشياً. وأوفد »الأب جوزف« في كل مكان في بعثات دبلوماسية شائكة فأداها بمهارة، وبدأت فرنسا تزاوج بين الراهب الرمادي العباءة الذي لقبته »صاحب القداسة الرمادي«، وبين ريشليو ذي العباءة الحمراء الذي لقبته »صاحب القداسة الأحمر«. أما وقد ظفر الكردينال بهذا المعين، فإنه أقسم أنه »مثبت للعالم أن عصر أسبانيا في سبيل الزوال«، وأن عصر فرنسا قد أقبل(28).
في عام 1629 بدا أن الصراع الطويل في ألمانيا أوشك ان ينتهي بنصر الإمبراطور الهابسبورجي الكاثوليكي نصراً مؤزراً على الأمراء البروتستنت. ولكن ريشليو قلب الأوضاع قلباً كاملاً بالمال. ذلك أنه أبرم مع جوستاف أدولف (1631) معاهدة نصت على أن يغزو ملك السويد المغوار ألمانيا وينقذ الدويلات البروتستنتية، يعينه على ذلك مليون من الجنيهات تدفعها له فرنسا كل عام. وندد أنصار السلطة البابوية المطلقة في فرنسا بالوزير خائناً لدينه، أما هو فكان رده أن الحياد خيانة لفرنسا. فلما مات جوستاف وهو ظافر في لتزن (1632) واستسلم معظم الأمراء الألمان


?
    صفحة رقم : 9963    

للإمبراطور، دخل ريشليو الحرب فعلاً. وزاد الجيوش الفرنسية من 12.000 في عام 1621 إلى 150.000 في عام 1638. وأعان الثورة التي قام بها القتلونيون في أسبانيا، وبفضل دبلوماسيته سيطر على كوبلنتز، وكولمار، ومانهايم، وبازل، واستولى جنوده على اللورين وشقوا طريقهم عنوة مخترقين سافوا إلى ميلان قلب القوة الأسبانية في شمال إيطاليا.
ثم دار الحظ دورته وبدا أن كل هذه الانتصارات لا معنى لها. ففي يوليو أغسطس 1636 عبرت قوة كبيرة من الجيوش الأسبانية والامبراطورية الأراضي المنخفضة ودخلت فرنسا، واستولت على أكس-لا-شابل (آخن) وكوربي, وزحفت على أميان واجتاحت أودية السوم والواز الخضراء. وكانت جيوش ريشيلو بعيدة جداً، وأصبح الطريق إلى باريس مفتوحاً عديم الدفاع أمام العدو. واغتبطت الملكة الأم في بروكسل، والملكة سان جرمان، وحزبها الموالي لأسبانيا في فرنسا، وراحوا يعدون الايام لسقوط الكردينال المنتظر. وازدحمت الجماهير الغاضبة في باريس في الشوارع منادية بموته - ولكن حين طلع عليهم بادئ الهدوء فوق جواده المهيب لم يجرؤ أحد منهم على أن يمسه، وابتهل الكثيرون لله أن يمنحه القوة لانقاذ فرنسا. وهنا لم تتضح شجاعته فحسب، بل بعد نظره واجتهاده؛ ذلك انه كان قد نظم منذ أمد بعيد مواطني باريس في ميليشيا احتياطية، واختزن السلاح والمؤونة لهم، ومن ثم فقد نفخ الآن فيهم روح الحماسة فاستجابوا لندائه، وأقر برلمان باريس والمجالس البلدية والنقابات الحرفية المال اللازم، ولم تمض أيام حتى كان جيش جديد في طريقه إلى القتال، فحاصر كوربي. وتلكأ جاستون أورليان المتولي قيادة الجيش، فحضر ريشيلو، وتولى القيادة، وأمر بالهجوم. وفي 14 نوفمبر سقطت كوربي، وتقهقرت الجيوش الهابوسبورجية إلى الأراضي المنخفضة.
وفي عام 1638 استولى برنان أمير ساكسي-فيمار الذي قاد جيشاً ألمانياً يموله ريشيلو، على ألزاس، فلما مات بعد سنة أوصى بها


?
    صفحة رقم : 9964    

لفرنسا، وأصبحت الرأس ولوثرينجن الالزاس واللورين، وبدأت تتحول فرنسية. وفي عام 1640 سقطت أراس. وفي عام 1642 استولت قوة يقودها الملك والكردينال على بربنيان، واقتطع إقليم روسيون المحيط بها من أسبانيا. وهكذا بدا ريشيلو الآن في كل مكان المنظم للنصر.
على أن النبلاء الذين ظلوا على خصومتهم، والحزب الأسباني في البلاط، والنساء النبيلات المغرقات في الدس، كل أولئك بذلوا آخر محاولة لإسقاط الوزير عن كرسيه. ففي سنة 1632 مات المركيز إفيا بعد أن خدم الكردينال طويلاً في الدبلوماسية والحرب تاركاً أرملة وغلاماً وسيماً في الثانية عشرة من عمره يدعى هنري كوافييه دروزيه، مركيز سانك- مارس. وبسط ريشيلو حمايته على الصبي وقدمه للملك، ولعله رأى بهذه اللعبة أن يصرف لويس عن الآنسة أوتفور التي كانت واحدة من »الدساسات«. وهذا ما حدث فقد افتتن الملك بحسن الغلام وظرفه ووقاحته، وعينه مشرفا على خيول الملك ورجاه أن يشارك الملك في فراشه(29). ولكن سانك-مارس، الذي نضج الآن إذ بلغ الحادية والعشرين، آثر المحظية الحسناء ماريون ديلورم، وماري دجونزاج المتعالية، ملكة بولندة المستقبلة، التي كانت الآن من أجمل خصوم الكردينال. ولعل الشاب ألح على لويس أن يدخله عضواً في مجلس الملك ويجعله قائداً في الجيش بإيعاز منها وإثارة من خلواتها الاستراتيجية. فلما لم يرض ريشيلو عن هذه المقترحات التمس سانك - مارس من الملك أن يطرد وزيره. ورفض الملك، فانضم الفتى إلى جاستون أورليان ودوق بويون وغيرهما في مؤامرة لتسليم سيدان إلى الجيش الأسباني، واتفق على أن يدخل المتآمرون باريس وهذا الجيش من خلفهم ويعتقلوا الملك، وتعهد جاستون بأن يدبر اغتيال الكردينال في طريقه إلى بربنيان. والتمس جاك أوجست دتو، صديق سانك - مارس، تعاون الملكة. ولكن آن النمسوية التي توقعت موت لويس القريب ووصولها إلى السلطة بوصفها


    صفحة رقم : 9965    


وصية أرسلت إلى ريشيلة إشارة خفية بالمؤامرة. وتظاهر هذا بأن لديه نسخة من الاتفاق مع أسبانيا، فصدقه جاستون واعترف، ثم دل على شركائه كما هي العادة. وقبض على سانك - مارس، ودتو، وبويون. وأيد بويون اعتراف جاستون ثمناً للعفو عنه. وحوكم الشابان أمام محكمة في ليون، فدينا بالإجماع، وشرفا خيانتهما بموت رابط الجأش. وهرع الملك إلى باريس ليحمي قوته. أما ريشيلو، المريض مرضاً مميتاً، فقد حمل على محفة مخترقاً بلداً يموت من الانتصارات ويصرخ طلباً للسلام.


    صفحة رقم : 9966    

يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق