1440
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> فرنسا إبان الحرب -> الأخلاق
الفصل السادس عشر
فرنسا إبان الحروب
1559 - 1643
1- الأخلاق
بدأ الدين، الذي اتخذت ألوانه ذرائع كاذبة لحروب كثيرة، يعاني من تسخيره في السياسة؛ وازداد المتشككون في قداسة عقائد تحاج بالمباراة في سفك الدماء؛ وبدأت في الطبقات العليا الشكوك حول الآداب المسيحية تختلط بالتشكك في العقيدة. وكان من علامات الزمن أن يبين قسيس تقي مثل بيير شارون جدارة الغريزة الجنسية وجهازها المضحك بالاحترام(1). أما الفلاحون فقد احتفظوا بإيمانهم، وقدسوا الناموس المسيحي حتى وهم ينتهكونه؛ فقد يقتلون بعضهم بعضاً في غضبة عابرة، وقد ينحرفون عن سنة الزواج بواحدة إذا واتتهم الفرصة ونامت أعين الرقباء، ولكنهم فيما عدا ذلك يحيون حياة مهذبة إلى حد محتمل. ويستمعون إلى القداس بانتظام، ويتناولون جسد المسيح ودمه مرة في العام على الأقل. وأما الطبقات الوسطى-سواء من الكاثوليك أو الهيجونوت-فقد ضربت خير مثال للفضيلة المسيحية. كان أفرادها يحتشمون بأعمالهم وأطفالهم، ويختلفون إلى الكنيسة، ويعطون الدولة كهنتها وأطباءها ومحاميها وقضائها واستقرارها. وكان هناك نساء مثاليات حتى في الطبقة الارستقراطية، وقد وصف شارل التاسع امرأته اليزابث النمسوية بأنها أكثر نساء العالم فضيلة؛ ولكن يمكن القول عموماً إن العلاقات الغرامية في الطبقات ذات الفراغ في العاصمة، وفي الصناع المهرة في المدن، أخذ زمامها يفلت. كان عصر حوافز
?
صفحة رقم : 9974
جسدية لا خفاء فيها. وقد بقي أثر من الحب الأفلاطوني، الذي تسلى به بيميو وكاستليوني في يوليا ومرجريت نافار في فرنسا، في ندوة مدام درامبوييه (وهي ذاتها إيطالية)، ولكنه كان في أكثره حيلة نسائية، ومقاومة في العمق لإضفاء المجد على القلعة.
كانت كاترين مديشي-على قدر علمنا-زوجة مخلصة وأماً شديدة الاهتمام بأبنائها، ولكن الشائعات اتهمتها بتدريب النساء الجميلات على إغراء أعدائها حتى يخضعوا(2)، وقد وصفت جان دلبيير (وفيها بعض خلق المحتشمات) بلاط كاترين بأنه »أفسد المجتمعات قاطبة وألعنها(3)«. وكان برانتوم مروجاً للفضائح، ولكن شهادته يجب أن تدخل الصورة: »أما نساؤنا الفرنسيات الجميلات... فقد تعلمن في السنين الخمسين الأخيرة قدراً كبيراً من اللطف والرقة، وكثيراً من الجاذبية والفتنة في ملبسهن، وفي نظراتهن الجميلة وأساليبهن الفاجرة... بحيث لا يستطيع أحد الآن أن ينكر تفوقهن على جميع النساء من كل وجه... ثم إن لغة الحب اللعوب هي في فرنسا أشد خلاعة وأكثر إثارة وأحلى منطقاً مما هي في اللغات الأخرى. وفوق هذا كله، فإن هذه الحرية الماكرة التي أتيحت لنا في فرنسا... تجعل نساءنا مرغوبات، ساحرات، لينات، طيعات أكثر من جميع النساء يضاف إلى هذا أن الزنى لا يلقي عموماً من العقاب ما يلقاه في أقطار أخرى... وباختصار فإن ممارسة العشق في فرنسا شيء لطيف(4)«.
وقد ضرب الملوك المثل في الخلق الفاشي في المجتمع. فقد مات فرنسيس الثاني قبل أوانه بسبب شهواته. وكان لشارل التاسع محظيته ماري توشيه. وانتقل هنري الثالث من الغانيات إلى المرد. أما هنري الرابع فثبت على عشق المرأة. ويبدو أنه لا هو ولا خليلته جابرييل دستريه اعترضا على تصويرها عارية حتى خصرها(5). ولما تزوجت ابنته هنريتا ماريا الفرنسية البالغة سبعة عشر ربيعاً، من تشارلز الأول، بلغت اتصالاتها الغرامية من
?
صفحة رقم : 9975
الكثرة مبلغاً حمل كاهن اعترافها على أن ينصحها بأن تتخذ المجدلية مثالاً لها، وإنجلترا كفارة عن ذنوبها(6).
ولكن حتى مع هذه الأوضاع كان لطف النساء ولين جانبهن متخلفاً عن نهم الرجال، وجهدت المومسات لإشباع الطلب المتزايد عليهن. وقد عرفت باريس منهن ثلاثة أنواع: »العنزة المصففة الشعر« للبلاط، و »الطير الصداح« للبورجوازية، و »الحجرية« التي تسد مطلب الفقراء وتسكن بدروماً من الحجر. كان هناك غانيات متعلمات لرجال الطبقة الارستقراطية، مثل ماريون ديلورم، التي اعترفت عشر مرات وهي تحتضر، لأنها بعد كل حل ذكرت نفسها بخطايا لا حصر لها(7). وقد أصدر شارل التاسع وهنري الثالث مراسيم بحظر المواخير، ونص أمر أصدره لويس الثالث عشر (1635) على أن كل بغي تضبط يجب أن »تضرب بالسوط ويجز شعرها وتنفى« وأن كل الرجال المشتركين في هذه التجارة يجب أن يرسلوا إلى سفن تشغيل المجرمين مدى الحياة(8). واحتج عدة رجال، ومنهم مونتيني وقسيس هيجونتي، على مثل هذه الإجراءات وطالبوا بإجازة المواخير صيانة للأخلاق العامة(9). وظلت هذه القوانين في السجلات القانونية حتى أواخر القرن الثامن عشر، ولكنها لم تكن تطبق إلا نادراً. وحاولت قوانين أخرى عبثاً أن تقضي على انحرافات الطبيعة ونزواتها ويروي مونتيني قصة فتاة تحولت رجلاً في الثانية والعشرين(10). ووجد الأدب الفاحش سوقاً رائجة، وعرضت نوافذ حوانيت المطابع صوراً فاجرة دون أن تلقى أي تدخل مما نعرفه اليوم.
وعانت الفضيلة الاجتماعية والسياسية من الحروب. وتوسع في بيع الوظائف العامة حتى أوشك أن يكون رشوة شاملة. وكانت الإدارة المالية قبل أن يطهرها صلى فاسدة إلى حد الفوضى(11). ولم تكن الحرب تدمر تدميراً أعمى كما أصبحت بعد قليل في عهد لويس الرابع عشر، ومع ذلك نسمع بجيوش، من الهيجونوت والكاثوليك على السواء تشتبك في جرائم بالجملة من قتل ونهب واغتصاب وتعليق المواطنين من أباهمهم أو إشعال
?
صفحة رقم : 9976
النار تحت أقدامهم لانتزاع الذهب الذي يخفونه. وزاد انتشار المبارزة في القرن السادس عشر، ربما لأن السيف أصبح جزءاً مألوفاً من ملبس الرجال. وقد حرمها شارل التاسع بحض ميشيل لوبيتال، ولكنها كادت تصبح وباءً متفشياً في عهد هنري الثالث، وكان ينتظر أن يشتبك الشاهدان كما يشتبك الخصمان الرئيسيان، يقول مونتيني إن المبارزات غدت الآن معارك. واختلف مرسوم ريشليو الذي حرم المبارزة عما سبقه في أنه نفذ تنفيذاً صارماً لا تحيز فيه. ولكن العادة انتعشت بعد موته.
وكانت الجريمة مألوفة. وكان أكثر باريس لا يضاء ليلاً، وأفرخت السرقة والقتل، وأشاعت المشاجرات العنيفة الفوضى في الشوارع، وكان السفر في الريف خطراً يهدد الحياة والأوصال. أما العقوبات فوحشية، ولسنا على ثقة من أنها كانت معوقات ناجعة للجريمة، ولكن لعل الجريمة كانت بدونها تستشري. وأما السجن فكان لطيفاً للسادة، ففي استطاعة النبلاء نزلاء الباستيل أن يدفعوا ثمناً لمساكن مريحة تفرش بأثاثهم وتنزلها نساؤهم. أما عامة المجرمين فقد يزج بهم في زنزانات خانقة أو يرحلون إلى المستعمرات أو يحكم بتشغيلهم في سفن العبيد والمجرمين. وترجع آثار هذه العقوبة إلى عام 1532، ولكن أول تشريع لها في القانون الفرنسي يرجع إلى عام 1561. وكان يحكم على نزلاء هذه السفن عادة بعشر سنين، وتدمغ ظهورهم بالحروف الثلاثة الأولى لمجرمي السفن »جال«. وكانوا في الشتاء يمكثون في سفنهم حبيسين أو يحشرون كالأنعام في السجون لاسيما في طولون أو مارسيليا. وفي أثناء الحروب الدينية حكم على كثير من الوحشية ما يحلو أمامه الموت. وتفجرت أوبئة الانتحار في تلك السنين المرة، وعلى الأخص بين نساء ليون ومارسيليا.
صفحة رقم : 9977
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق