إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 1 مايو 2014

1393 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> ابتهاج غامر في إنجلت -> الثورة الكبرى -> شارل الأول يواجه الب 6- شارل الأول يواجه البرلمان 1625 - 1629





1393


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> ابتهاج غامر في إنجلت -> الثورة الكبرى -> شارل الأول يواجه الب

6- شارل الأول يواجه البرلمان


1625 - 1629


أي طراز من الرجال كان هذا الملك الذي كان على إنجلترا بأسرها أن تقاتل من أجله؟ وقبل أن تنتزع العاصفة كل آثار الرحمة والشفقة من قلبه، كان رجلاً فاضلاً إلى حد معقول-كان ابناً عطوفاً باراً، وزوجاً مخلصاً بشكل غير عادي، وصديقاً وفياً، وأباً يحبه أبناؤه حب العبادة، وكان قد بدأ صراعه في الحياة بعلة خلقية في جسمه، فلم يكن يستطيع المشي إلى أن بلغ السابعة من العمر، وتغلب على هذه العاهة بالدأب على ممارسة ألعاب قوية، حتى استطاع في سني الشباب والنضج أن يتقن ركوب الخيل والصيد على أحسن وجه. وعانى من عجز عن النطق، فكان حتى سن العاشرة لا يكاد يستطيع الإبانة في كلامه. وفكر أبوه في إجراء عملية له في لسانه، وتحسن شارل شيئاً فشيئاً، ولكن ظل حتى آخر لحظة في


?
    صفحة رقم : 9648    


حياته يتلعثم، وكان عليه أن يتغلب على هذه العقبة بالتزام البطء في الكلام(54). وعندما قضى أخوه هنري نحبه، وكان محبوباً لدى الشعب، وتركه الوريث الظاهر للعرش، حامت الشبهات حول اشتراك شارل في موته، وكان اتهاماً ظالماً، ولكنه أسهم في اكتئاب الأمير وسوء حالته النفسية. فآثر العزلة المملة على المرح الصاخب والإدمان على الخمر في بلاط والده. وبرع في الرياضيات والموسيقى واللاهوت، وتعلم شيئاً من اليونانية واللاتينية، وقليلاً من الأسبانية. وأحب الفن، فاحتفظ بمجموعة أخيه، وزاد عليها، فأصبح جامعاً للتحف مع التمييز بين الغث والثمين منها، وراعياً كريماً للفنانين والشعراء والموسيقيين. ودعا إلى بلاطه الرسام الإيطالي أورازيو جنتلسكي، ثم روبنز وفانديك وفرانس هالز، ورفض هالز، وجاء روبنز أساساً بوصفه سفيراً. ولكن العالم كله عرف شارل على أنه الملك المزهو الوسيم، مع فانديك بلحيته، وكم من لوحة للملك بريشة فانديك. واستمر وليم دوبسون، تلميذ فانديك يصور الأسرة المالكة.
وأسهمت أبوة شارل وزواجه في القضاء عليه. لقد ورث عن أبيه فكرته عن الحق المطلق للملك، وسلطته في سن القوانين وتنفيذها، والحكم بلا برلمان. وبدا أن هذه الفكرة تبررها السوابق، وكانت قضية مسلماً بها في فرنسا وأسبانيا، وكان يشجع شارل على اعتناقها، بكنجهام والحاشية والملكة جميعاً. نشأت هنريتا ماريا في البلاط الفرنسي في نفس الفترة التي كان فيها ريشيليو قد جعل من أخيها لويس الثالث عشر حاكماً مطلقاً مستبداً على فرنسا بأسرها، فيما عدا ريشيايو نفسه. وقدمت الملكة إلى إنجلترا، وهي تجهر بمذهبها الكاثوليكي، مصطحبة معها في ركب عرسها الكهنة الكاثوليك، وزاد من تشددها في التمسك بمذهبها ما رأت من العنت الذي يلاقيه الكاثوليك في إنجلترا. وتحلت الملكة بسحر الجمال والحيوية والذكاء، وبكل نزوع آل مديتشي إلى الاشتغال بالسياسة. ولم يكن بد من أن تحث زوجها المخلص على التخفيف من آلام الكاثوليك في إنجلترا، ولا ريب في أنها كانت تحلم بتحويل الملك نفسه إلى الكثلكة. وأنجبت له ستة أطفال. ولا بد أنه لقي عناء شديداً في مقاومة رغبتها في تنشئة


?
    صفحة رقم : 9649    


الأطفال على العقيدة الكاثوليكية. ولكنه كان قد انتهج نهجاً مخلصاً في التمسك بالعقيدة الأنجليكانية. وتحقق أن بلاده، إنجلترا، بروتستانتية إلى حد كبير، معادية للباباوية التي تنذر بالأخطار.
في 18 يونية 1625 اجتمع أول برلمان في عهد شارل: مائة من اللوردات- نبلاء وأساقفة- تمتعوا بعضوية مجلس اللوردات، وخمسمائة رجل ثلاثة أرباعهم من البيوريتانيين(55)، انتخبوا لمجلس العموم، بمختلف طرق الاحتيال المالي والسياسي(56)، ولم يزعم أحد بأنه كان ثمة ديمقراطية. ومن المحتمل أن مستوى الكفاية في هذا البرلمان أعلى مما كان يمكن أن يأتي به اقتراع البالغين، فقد ضم كوك وسلدن وبيم وسير جون اليوت وسير توماس ونتورث. وغيرهم، ممن خلد التاريخ ذكرهم. وزادت جملة ثروات أعضاء مجلس العموم على ثلاثة أمثال ثروات اللوردات(57). وتكشف نزعة مجلس العموم في مطالبته بتطبيق القوانين المعادية للكثلكة. وطلب الملك تخصيص أموال للنفقات الحكومية وللحرب مع أسبانيا، فاعتمد المجلس مبلغ ألف جنيه (7 ملايين دولار؟)، وتعمد أن يكون هذا المبلغ غير كاف، فإن الأسطول وحده كان يتطلب ضعف هذا المبلغ. وجرى العمل لمدة قرنين من الزمان، على منح الملوك الإنجليز طيلة مدة حكمهم، حق فرض رسوم على الصادرات والواردات، وكانت عادة شلنين أو ثلاثة شلنات عن كل برميل كبير Tun (وحدة سعة 252 جالوناً عادة) ومن ستة إلى إثنا عشر بنساً لكل باوند. ولكن القانون الذي سنه البرلمان آنذاك "Tonnage and Poundage" سمح للملك بممارسة هذا الحق لمدة عام واحد فقط. واحتج بأن الاعتمادات السابقة كانت حاشية الملك جيمس يبددها في إسراف وتبذير. كما شكا من أن الضرائب كانت تفرض دون موافقته، وتقرر منذ الآن أنه لا بد من دعوة البرلمان سنوياً ليفحص كل عام مصروفات الحكومة. واستاء شارل من هذه التدابير والنيات. ولما باتت لندن مهددة بالطاعون، اتخذ من ذلك ذريعة لحل البرلمان في 12 أغسطس 1625.


?
    صفحة رقم : 9650    

كان بكنجهام يقبض آنذاك على زمام الأمور في الحكومة، فإن شارل لم يرث عن أبيه الدوق اللطيف المستهتر فقط، بل أنه كان كذلك قد تربى في أحضانه، ورافقه في أسفاره، في صحبة كان من الصعب معها على الملك (شارل) أن يرى في صديقه مستشاراً غير حكيم يجر عليه الكوارث. وكان بكنجهام، بتأييد من البرلمان، قد دفع جيمس إلى الحرب مع أسبانيا، أما الآن فقد رفض البرلمان اعتماد الموال اللازمة للحرب. وجهز الدوق أسطولاً ضخماً ليقلع ويهاجم البضائع والثغور الأسبانية ويسلبها، ولكنه أخفق إخفاقاً تاماً، أما الجنود العائدون، الذين لم يتسلموا رواتبهم، والذين ساءت روحهم المعنوية، فقد أعملوا السلب والنهب ونشروا الروح الانهزامية في المدن الساحلية الإنجليزية.
ولما أشتد حاجة شارل إلى المال، راض نفسه على دعوة برلمانه الثاني، وقويت المعارضة باشتداد حاجة الملك. وحذره مجلس العموم من فرض الضرائب دون إقرار البرلمان لها. ووصم اليوت الدوق (وكانا يوماً صديقين) بأنه رجل فاسد عاجز ازداد ثراء كلما أخفقت استراتيجية البلد أو سياستها. وعين البرلمان لجنة لمساءلة بكنجهام. فأنبه الملك قائلاً: "أنا لا أسمح بأن يحقق المجلس مع خدمي، فما بالكم برجل قريب مني إلى هذا الحد." فأشار اليوت على المجلس بوقف أية اعتمادات حتى يسلم الملك بحق البرلمان في إسقاط أي وزير، وذكر شارل البرلمان غاضباً، بأن في مقدوره أن يفضه في أية لحظة، فرد المجلس على ذلك بمحاكمة بكنجهام رسمياً-متهمين إياه بالخيانة ومطالبين بعزله عن منصبه (8 مايو 1626 وأبلغ الملك بأنه لن يقر أية اعتمادات، حتى يتم ذلك. فحل الملك البرلمان في 15 يونية، وترك البت في موضوع المسئولية الوزارية للمستقبل.
وبات شارل مرة أخرى معوزاً في مسيس الحاجة إلى المال، وبيع مقدار كبير من الصحاف الملكية الفضية والذهبية. وطلب إلى البلاد بأسرها أن تبعث بالهبات والهدايا للملك، ولكن ما جمع منها كان يسيراً، فإن الثروات البريطانية كانت تناصر البرلمان، وأمر شارل أعوانه أن يجمعوا رسوم الصادرات والواردات سالفة الذكر، برغم عدم حصوله على موافقة البرلمان، وأن يستولوا على بضائع التجار


?
    صفحة رقم : 9651    

الذين يعجزون عن الدفع. وأمر الثغور بالإنفاق على الأسطول، وأمر وكلاءه بسوق الرجال إلى الخدمة العسكرية عنوة. وهزم رجال الإمبراطور القوات الإنجليزية الدنمركية التي كانت تقاتل من أجل البروتستانتية في ألمانيا شر هزيمة. فطالب الدنمركيون حلفاء إنجلترا بالمعونة التي كانت وعدتهم بها. وأمر شارل بعقد قرض إجباري-فكان على كل دافع ضرائب أن يقرض الحكومة 1% من قيمة أرضه و5% من ثمن ممتلكاته الشخصية. وأودع الخصوم الأثرياء السجون، وسيق المعارضون الفقراء إلى الجيش أو البحرية. وفي نفس الوقت حمل التجار البريطانيون المؤن والذخيرة إلى بوردو ولاروشيل للهيجونوت المشتبكين في حرب مع ريشيليو. فأعلنت فرنسا الحرب على إنجلترا (1627)، وقاد بكنجهام أسطولاً لمهاجمة الفرنسيين في لاروشيل، ولكن الحملة أخفقت. وسرعان ما نفد المبلغ الذي جمع من القرض وقدره 200 ألف جنيه. وبات شارل مرة أخرى على شفا الإفلاس، فدعا برلمانه الثالث.
اجتمع البرلمان في 17 مارس 1628، وأعيد كوك واليوت وونتورث وجون هامدن. وأرسلت مدينة هنتنجدون لأول مرة أحد ملاك الأرض الأقوياء الشكيمة ممثلاً عنها، هو أوليفر كرومويل. وفي خطاب العرش طالب شارل بالاعتمادات متجهماً، ثم قال في وقاحة وبغير اكتراث: "لا تأخذوا هذا على أنه تهديد، فإني احتقر أن أهدد إلا من هم أندد لي(58) واقترح البرلمان اعتماد مبلغ 350 ألف جنيه، ولكن قبل التصويت على ذلك، طلب موافقة الملك على "ملتمس الحقوق" (18 مايو 1628) الذي أصبح أحد المعالم التاريخية في الطريق إلى "سيادة البرلمان":
إلى صاحب الجلالة الملك العظيم

إننا في خشوع واحتشام نعرض على مليكنا وسيدنا... أنه

من حيث أنه أعلن وطبق بقانون.... من إدوارد

الأول، أنه لا ضريبة ولا معونة يمكن أن توضع أو تفرض،



?
    صفحة رقم : 9652    


بغير الإرادة الخالصة لرؤساء الأساقفة والأساقفة وكل ارل

وكل بارون وكل فارس، وممثلي المدن والجامعات والأحرار

من العامة. وورث رعاياك هذه الحرية، أي أنهم لا يجبرون

على الإسهام في أية ضريبة أو رسوم أو معونة أو أي

تكليف آخر من هذا القبيل، لا يكون قد وضع بموافقة

البرلمان موافقة عامة.

ومضى "الملتمس" يحتج على القروض الإجبارية، وإهدار الملك لحق الفرد في التحقيق في قانونية الاعتقال، وحق المحاكمة أمام المحلفين كما وردا في "العهد الأعظم 1215". وقال كوك: "إننا سنعرف عن طريق هذا الملتمس ما إذا كتب للبرلمان أن يحيا أو يندثر". ووافق شارل على الملتمس موافقة غامضة ملتوية، وطالب البرلمان برد أكثر صراحة ووضوحاً. وظل على موقفه من وقف الاعتمادات. فوافق الملك موافقة رسمية أو شكلية. وأحست لندن بأهمية هذا الاستسلام ومغزاه، وقرعت النواقيس بشكل لم يسمع له مثيل لعدة سنوات من قبل.
وخطا البرلمان خطوة أخرى، فطالب الملك بعزل بكنجهام ولكنه رفض، وفجأة روع الطرفان حين وجد أن هذه المشكلة خرجت من أيديهما. وذلك أن جون فلتون-وهو محارب قديم جريح أثقله الديون، غاضباً من أجل متأخرات معاشه، متأثراً أشد التأثر بالنشرات-اشترى سكين جزار، ومشى ستين ميلاً من لندن إلى بورتسموث، وغمس السكين في صدر بكجنهام، وسلم نفسه للسلطات (23 أغسطس 1628). وانهارت أمام الجثة زوجة بكنجهام التي كانت على وشك الوضع، واستولى الشعور بالندم على فلتون فأرسل إليها باعتذاراته وطلب منها الصفح، فأجابته إلى طلبه. ولكنه أعدم دون تعذيب.
وحذر البرلمان الملك بأن استمراره في تحصيل رسوم الصادرات والواردات إهدار لمتلمس الحقوق، فأجاب شارل بأن مثل هذه الرسوم لم يرد ذكرها في الوثيقة، فشجع البرلمان التجار على الامتناع عن دفعها(59) وتوكيداً لحق البرلمان


?
    صفحة رقم : 9653    


في سن التشريع الديني، برغم سيادة الملك الدينية، نادى بكلفنية صارمة، وبتفسير مضاد لآراء أرمينيوس للمواد التسع والثلاثين باعتبارها قانون إنجلترا، وأقترح، استناد إلى السلطة المخولة له، فرض الخضوع للكنيسة الإنجليزية على هذا الأساس، وفرض العقوبات على الكاثوليك والأرمينيين على حد سواء(60). فأمر الملك بفض البرلمان، وغادر رئيسه مقعد الرياسة امتثالاً لهذا الأمر، ولكن المجلس أبى أن يفض الاجتماع، وأرغم رئيسه على العودة إلى كرسيه. ونحن الآن في 2 مارس 1629 حيث قدم جون اليوت ثلاثة قرارات تنص على أن تكون جريمة كبرى عقوبتها الإعدام: إدخال المذاهب البابوية أو الأرمينية أو أية أفكار أخرى تخالف تعاليم الكنيسة القويمة الصحيحة، والإشارة أو الاشتراك بأي شكل من الأشكال في جمع رسوم الصادر والوارد التي لم يقرها البرلمان، ودفع مثل هذه الضرائب غير المعتمدة. ورفض رئيس المجلس أخذ الرأي على هذه الاقتراحات. فقام أحد الأعضاء بهذه العملية، وقابلها المجلس بالهتاف والتصفيق وأقرها. ومذ علم أعضاء المجلس بأن جنود الملك على وشك الدخول إلى قاعة المجلس وطردهم، فإنهم قرروا فض اجتماعهم، وانصرفوا.
وفي مارس أمر شارل بسجن اليوت وسلدن وسبعة من أعضاء آخرين بتهمة إثارة الفتنة. وسرعان ما أطلق سراح ستة منهم، وحكم على الثلاثة الباقين بغرامات فادحة وبالسجن لمدد طويلة، ومات اليوت في السجن وهو في سن الثامنة والثلاثين (1622).

    صفحة رقم : 9654    

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق