1400
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> إيطاليا الأم الخيرة -> روما والبابوات
2- روما والبابوات
أصبحت عاصمة الدويلات البابوية وقصبة العالم الكاثوليكي الروماني
?
صفحة رقم : 9706
مدينة من مدن المرتبة الثانية، فيها من الأنفس 45.000 عام 1558، زادوا إلى 100.000 في عهد سيكستوس الخامس (1590). وحين وفد عليها مونتيني عام 1580 خيل غليه أنها أكثر من باريس اتساعا، ولكن بيوتها لا تعدو ثلث بيوت باريس؛ وبين السكان عدد غير قليل من المجرمين والبغايا (قبل سيكستوس الخامس)؛ وكان كثير من النبلاء يحتفظون بنفر دائم من الفتاك. أما الفقر فمنتشر ولكنه هين تكسر من حدته احسانات البابا، والاحتفالات الكنسية، والأحلام الدينية. وأما عشائر النبلاء العريقة-كأورسيني، وكولونا، وسافللي، وجيتاني، وكيجي-فقد تناقص دخلها وسلطانها وإن لم تفتر دعواها وكبرياؤها. وكانت الأسر الأحدث عهدا-كألدوبرانديني، وباربريني، وبورجيزي، وفارنيزي، وروسبليوزي-تتصدر غيرها ثراء ونفوذا، بفضل اتصالاتها بالبابوات عادة. وظفر اقرباء البابا بعهد جديد من المحاباة. فجني آل ألدوبرانديني المنافع من انتخاب كلمنت الثامن، وآل لودوفيزي من انتخاب جريجوريالخامس عشر، وآل باربريني من انتخاب أوربان الثامن، وآل بورجيزي من انتخاب بولس الخامس. ووضع الكردينال سكبيوني بورجيزي ابن أخي بولس خطة لبناء فيللا بورجيزي، وبنى الكازينو (1615)، إذا كان يتمتع بأكثر من دخل كنسي وبراتب قدره 150.000 سكودي في العام، ثم انشأ للكازينو مجموعته الفنية الغنية، ونال قسطا لا بأس به من الخلود في الرخام على يد محسوبه برنيني. وقد استخدم كثير من الكرادلة مالهم في تشجيع الآداب والفنون.
وأعان كنيسة روما على البقاء سلسلة من البابوات الأقوياء الشكيمة برغم فقدها ألمانيا والأراضي المنخفضة واسكندناوة وبريطانيا-وكلها سلختها منها حركة الاصلاح البروتستنتي. وكان مجمع ترنت قد أكد سيادة البابوية على المجامع وزاد منها، كذلك جمعية يسوع (اليسوعيون) الفنية القوية تدين بالولاء للبابوية وتخلص لها الحب. وفي عام 1566 ارتقى أنطونيو جيسلييري- الأخ الدومنيكي والرئيس الأعلى لمحكمة التفتيش-
?
صفحة رقم : 9707
عرش البابوية باسم بيوس الخامس وهو في الثانية والستين... وخيل إليه أن قداسة حياته الشخصية تنسجم تمام الانسجام مع الصرامة التي تعقب بها البدع الدينية. فسحب من كاثوليك بوهيميا الحق الذي منحوه من قبل، حق تناول الأسرار بالخمر كما يتناولها بالخبز. وحرم اليزابث ملكة إنجلترا واحل الكاثوليك الانجليز من الولاء لها. وحث شارل التاسع ملك فرنسا وكاترين مديتشي على مواصلة الحرب على الهيجونوت حتى يبادوا بغير رحمة(23). وامتدح الأساليب الفظة التي اتبعها ألبا في الأراضي المنخفضة(24). وجاهد بقواه المحتضرة لتجهيز الأرمادا الذي هزم الترك في ليبانتو. وما خفف في حياته حكما كنسيا(25)، بل شجع محكمة التفتيش على تنفيذ قواعدها وعقوباتها بالقوة.
على أنه عنف مثل هذا العنف في فرض الاصلاح الكنسي. فالأساقفة الذين يغفلون الاقامة في اسقفياتهم يشلحون، وعلى الرهبان والراهبات أن يعتزلوا الناس اعتزالا تاما، وكل اخلال بالوظائف الكنسية يجب أن يكشف أمره ويعاقب. وحين شكا بعض من طردوا من رجال الحاشية الزائدين عن الحاجة من أنهم سيموتون جوعا، أجاب بيوس بأنه خير للإنسان أن يموت جوعا من أن يخسر نفسه(26). وكانت الكفاية، لا المحسوبية ولا محاباة الأقرباء، رائدة في التعيينات والترشيحات. أما هو فكان دءوبا على العمل، يجلس الساعات الطوال يقضي في الدعاوي، لا يكاد يصيب من النوم أكثر من خمس ساعات في اليوم، ويضرب المثل لرجال الاكليروس بما أخذ به حياته الخاصة من بساطة وتقشف. فهو كثير الأصوام، لا يزال يلبس قميص الرهبان الصوفي الخشن تحت عباءته البابوية. ولقد افنى نفسه بهذا النسك الصارم، فكان في الثامنة والستين يبدو اكثر من عمره بعشر سنين-شيخا نحيل الجسد، أعجف الوجه، غائر العينين، قد اشتعل رأسه شيبا. وأصر وهو لا يكاد يقوى على المشي على أن يحج إلى باسليقات روما السبع، راجلا أكثر الرحلة. ولم تمض
?
صفحة رقم : 9708
على ذلك الحج تسعة أيام حتى مات بعد شهر من العذاب، مرتديا ثوب القديس دومنيك. كتب مؤرخ بروتستنتي كبير يقول »قليل من البابوات من تدين لهم الكاثوليكية بفضل اكثر من دينها لبيوس الخامس، حقا لقد قسا في اضطهاد البدع، ولكن ادراكه لضرورة الاصلاح، وعزمه الوطيد على تنفيذه، ردا إلى الكنيسة كثيرا من الاحترام الذي فقدته(27). وقد أدخلت الكنيسة بيوس في عداد القديسين عام 1712.
وواصل جريجوري الثالث عشر (1572-85) اصلاح الكنيسة بروح أكثر اعتدالا. ونحن نذكر فيه الرجل الذي أعطانا تقويمنا واحتفل بمذبحة القديس برتولومبو بقداس شكر لإله رحيم. على أنه كان رجلاً فاضلاً، عيوفاً، رقيق الخلق. وكان له ولد غير شرعي قبل أن يدخل في زمرة الكهنوت، ولكن أمثال هذه الزلة كان يغتفرها أهل روما الشهوانيون. كان سخياً في العطاء، دموياً في الادارة. وقد أثنى البروتستنت على اختياره لمن يلون مناصب الكنيسة(28). ورأى فيه مونتيني عام 1580 »شيخاً وسيماً«، ذا وجه يطفح هيبة، ولحية بيضاء طويلة، صحيح البدن موفور العافية مع أنه ينيف على الثامنة والسبعين... دمث الطبع قليل الارتباك بشئون الدنيا(29)«.
بيد أن مشاريعه الجريئة-كتمويل المدارس اليسوعية، وقمع الهيجونوت، وخلع اليزابث-كانت تحتاج إلى المال. ولكي يجمعه أمر بتطبيق القانون بحذافيره على ملاك الضياع الكائنة في الأملاك البابوية وعلى عقود التمليك. وهكذا صادر البابا كثيرا من الأملاك التي كان مآلها عقود التمليك. وهكذا صادر البابا كثيرا من الأملاك التي كان مآلها إلى البابوية لانقطاع خط الوراثة المباشر، أو لعدم أداء الضرائب المفروضة على الاقطاعات البابوية. على أن ضحايا هذا الأمر البابوي، الحاليين منهم أو المنتظرين، سلحوا أتباعهم، وقاوموا نزع ملكياتهم، واتخذوا قطع الطريق سبيلا للانتقام. فتزعم رجال من أسر نبيلة، كألفونسو بيكولوميني وروبرتو مالاتستا، عصابات من طريدي العدالة واستولوا على
?
صفحة رقم : 9709
المدن وسيطروا على الطرق. فاستحال بعد ذلك جمع الضرائب، وسد الطريق على الذهب المتدفق على روما، وما لبثت الفوضى أن عمت الادارة البابوية. هنا أوقف جريجوري مصادراته، واصطلح مع بيكولوميني، ثم مات في ذل الهزيمة وهوانها.
يقولون ان الضرورات صانعة الرجال، وقد صنعت هذه الضرورة من فليتشي بيريتي (سيكستوس الخامس 1585-90) رجلا من أعظم البابوات وأجلهم قدرا. رأت عيناه النور أول مرة في جروتامارين قرب أنكونا، في كوخ كان سقفه مهلهلا حتى لقد نفذت منه اشعة الشمس، قال وهو كبير على سبيل المزاج أنه »ولد في بيت منير(30). تعلم في دير فرانسسكاني بمونتالتو، وحصل على دكتوراه اللاهوت بدراسته في بولونيا وفيرارا، ثم أرتقى سريعا بفضل بلاغته واعظا وكفايته إداريا. فلما اختير لكرسي البابوية وهو في الرابعة والستين، كان الدافع لهذا الاختيار أن مجمع الكرادلة تبين فيه الشخصية الصلبة التي تتطلبها سلامة الدويلات البابوية وكفايتها المالية.
بيد أن اقاربه تزاحموا من حوله يمدون إليه أكفهم فلم يقو على ردهم، وهكذا عادت محاباة الأقرباء ترفع عقيرتها، ولكنه في غير ما يتصل بأسرته كان رجلا صلبا لا تلين له قناة. كان في مظهره ذاته ما يستوقف النظر: رجل قصير القامة، عريض المنكبين، متين البنية، واسع الجبين، أبيض اللحية كثها، كبير الأنف والأذنين، ضخم الحاجبين، له عينان نفاذتان قادرتان على إسكات المعارضة دون كلمة. وكان وجهه المتورد ينسجم مع عنف طبعه، ورأسه الكبير يوحي بارادة لا تنثني. على أنه مع كل صرامته كان يملك معينا من روح الفكاهة ومن النكتة الذكية النفاذة أحياناً كثيرة. وقد تنبأ بأن هنري الرابع سيهزم مايين، لأن هنري ينفق في الفراش وقتا أقل مما ينفقه مابين على موائد الطعام(31). أما هو نفسه فكان قليل النوم شديد العكوف على العمل.
?
صفحة رقم : 9710
عقد العزم أولا على الضرب على أيدي قطاع الطرق المنتصرين. فبدأ بتنفيذ حظر مفروض على حمل الأسلحة الفتاكة ولكنه كان مهملا إلى حد كبير. وفي اليوم السابق لتتويجه قبض على أربعة شبان لانتهاكهم هذا الحظر، وأمر سيكستوس بشنقهم فوراً. التمس أقرباؤهم العفو عنهم أو تأجيل التنفيذ، فأجاب، فأجاب »ما دمت على قيد الحياة فلابد أن يموت كل مجرم أثيم«؛ وما لبثت أن تدلت أجسادهم من مشنقة نصبت على مقربة من جسر سانتانجيلو، وسط احتفالات التتويج، فكان هذا بمثابة الخطاب الافتتاحي لسيكستوس والبيان لسياسته في أمر الجريمة.
وأمر البابا النبلاء بطرد فتاكم، ووعد كل قطع طريق يسلم إليه آخر حيا أو ميتا بالعفو عنه ومكافأته، أما المكافأة فتدفعها أسرة اللص الأسير أو موطنه. فذا أذاع لص منهم تحديه لأمر، أمر سيكستوس اسرته بأن يعثروا عليه ويأتوا به أو يلقوا الموت جزاء لهم. وقد ارضى دوق أوربينو البابا(32). بأن جمل بغالاً طعاماً مسموماً وأمر سائقيها بالمرور بمخبأ قاطع طريق منهم، وسرق اللصوص الحمل وأكلوا الطعام وماتوا. ولم يكن هناك أي اعتبار للمراتب الكهنوتية أو الاجتماعية، فالمذنبون من »الأسر الأولى« يعدمون دون راحة أو تأجيل، وكان بين المشنوقين قسيس خارج على القانون. وما لبث الريف أن انتشرت فوق ارجائه الجثث تتأرجح في الريح، وقال ظرفاء روما إن عدد الرءوس المقطوعة المعلقة على جسر سنتانجيلو يفوق عدد ثمار الشمام المعروضة في أكشاك السوق(33). ولغظ الناس بقسوة البابا الهمجية، ولكن السفراء أخبروه أنهم »أينما ساروا في دويلاته كانوا يجتازون بلدا رفرف عليه السلام والأمن(34)« وأمر الحبر الفخور بضرب عملة كتب عليها Noli me tangere »حذار أن تمسني«. وفي غضبة مضربة للفضيلة أمر يحرق قسيس وغلام جزاء ارتكابهما اللواط، وأكره شابة على أن تشهد شنق أمها التي باعتها للبغاء. أما كل جرائم الزنى التي يكشف أمرها فجزاؤها الموت الزؤام. وكان يقبض على الناس لجرائم
?
صفحة رقم : 9711
ترتد إلى تاريخ بعيد، حتى أن اعلانا جدارياً نقل عن القديس بطرس ارتعاده فرقا، مخافة أن يوجه سكستوس إليه التهمة لقطعه اذن مالخوس عند إلقاء القبض على المسيح.
على أنه في غمرة هذه المطاردة المجنونة وجد الوقت للحكم والاصلاح. فانهى حرب المصادرات التي خاضها جريجوري الثالث عشر مع الأشراف. ووفق بين عدوين قديمين هما آل أورسيني وآل كولونا غذ وحد بينهما بالزواج. ووزع الكرادلة على أحد عشر »جمهورا« جديدا من العابدين وأربعة من القدامى، وقسم بين هؤلاء وظائف الادارة البابوية. وأمر رجال الاكليروس باتباع جميع مراسيم الاصلاح الصادرة من مجمع ترنت، وطلب إلى الأساقفة نفقد الاديرة دوريا واصلاحها. وكانت عقوبة مضاجعة راهبة هي الموت للمذنبين جميعا. وقد نفخ الحياة في جامعة روما فنشطت بكامل قوتها. ورغبة في تدبير المكان الكافي للعدد المتعاظم من الكتب كلف دومنيكو فونتانا بتصميم بيت جديد فخم يضم مكتبة الفاتيكان. وأشرف بنفسه على طبعة منقحة من ترجمة جيروم اللاتينية للكتاب المقدس -وهي تضارع في روعتها الترجمة الانجليزية للكتاب في عهد الملك جيمس الأول.
بيد أنه لم يشارك اسلافه من بابوات النهضة شعور الاحترام لمخلفات الفن الوثني. فأتم هدم سبتزونيوم سيفيروس، ليوفر الأعمدة لكنيسة القديس بطرس. واقترح هدم مقبرة سسيليا ميتيللا. وهدد بهدم الكابيتول ذاته ان لم تنزع منه تماثيل جوبيتر تونانس، وأبوللو، ومنيرفا، ثم ابقى على منيرفا، ولكنه أطلق عليها اسما جديدا هو روما، واستبدل برمحها صليبا. وأخرج الشياطين مكن أعمدة تراجان وماركوس أوريليوس بان وضع فوق قمتها تماثيل للقديس بطرس أو القديس بولس واطلق اسميهما على الأعمدة. وامعانا في الرمز على خضوع الوثنية للمسيحية كلف دومنيكو فونتانا بأن ينقل إلى ميدان القديس بطرس المسلة التي جلبها كاليجولا
?
صفحة رقم : 9712
من هليوبوليس وأقامها نيرون في ملعب مكسيموس. وكانت هذه الكتلة الواحدة من الجرانيت الوردي تعلو ثلاثة وثمانين قدماً، وتزن أكثر من مليون رطل روماني. وكان أساطين المعمار، من أمثال أنطونيو دا سانجاللو وميكلانجلو، وقد افتوا بأن لا طاقة لمهندسي النهضة بنقلها. واستغرق انجاز هذه المهمة عاماً كاملا من دومنيكو وأخيه جوفاني (1585-86). وأنزلت الآلات الضخمة هذا الأثر ونقلته، وقام ثمانمائة من الرجال تشد أزرهم الاسرار المقدسة، و 140 حصانا، يجر أربعة واربعين حبلا سمك الواحد منها كذراع الرجل، ليقيموا المسلة فوق موقعها الجديد. وغدا دومنيكو بطل روما بعد نجاحه في المهمة، أما سيكستوس فصرب الميداليات التذكارية، وأعلن النبأ رسمياً للحكومات الأجنبية. واستعيض عن الكرة التي في قمة المسلة بصليب يحوي قطعه من »الصليب المقدس« الذي مات عليه المسيح. وأحس سيكستوس أن المسيحية استعادت سلطانها بعد أن عطلته النهضة حينا.
وجدد هذا البابا الذي لم يعرف الكلل عمارة روما غير الدينية خلال بابويته القصيرة التي لم تزد على خمس سنوات، فجلب لها كمية جديدة من الماء الصالح-تغذي سبعا وعشرين عيناً جديدة-وذلك بإعادة بناء أكوا السندريا، التي أطلق عليها اسمه »أكوا فيليتشي«. وطهر الهواء بتمويل تجفيف المستنقعات، وأمكنه تحقيق تقدم طيب في هذا الميدان واستصلح من الأراضي 9.600 فدان، ولكن المشروع هجر بعد موته. وتنفيذاً لأمره شق دومنيكو فونتانا شوارع فسيحة جديدة ووفق النظام الكلاسيكي، نظام الخطوط المستقيمة، ومد طريق سيستينا وغير أسمه إلى طريق فيليتشي،وأصبحت كنيسة سانتا ماريا مادجوري الرائعة مركزاً يتسوط عدة شوارع تتفرع منه، وبدأت روما تتخذ شكلها الحديث. ولكي يمول سيكستوس مشاريعه وخزائنه التي كانت خالية الوفاض عند بتنفيذها فرض الضرائب حتى على ضروريات الحياة، ومذق العملة، وباع المناصب، وأصدر
?
صفحة رقم : 9713
تأمينا بدخل سنوي يدفع مدى الحياة لقاء ما يقدم للخزانة البابوية من عطايا، وقد أدر ماليته بكفاية وعناية، وخلف خمسة ملايين كراون في خزانته عند موته.
أما شغله فكان السياسة الخارجية. فهو لم يطلق الأمل قط من إعادة إنجلترا وألمانيا إلى حظيرة الكاثوليكية وتوحيد كلمة العالم المسيحي ضد الإسلام. أعجبته كفاية اليزابيث في السياسة والحكم، ولكنه مد يد المعونة للمؤامرات التي استهدفت خلعها. ووعد بالمساهمة في نفقات الأرمادا الأسبانية، ولكنه ارتاب في تباطؤ فيليب، واشترط في دهاء أن تكون معونته رهناً بنزول الجيوش الإسبانية افترض أنهم ابيدوا عام 1572 كانوا يزحفون على باريس بقيادة هنري نافار الذي لا تقل له عزيمة. وكان فيليب الثاني يمول الخلف لينفذ فرنسا من براثن البروتستنتية ويحفظها للكاثوليكية-ولأسبانيا. وكان على سيكستوس أن يختار بين أمرين: فإما أن يترك فرنسا تنحرف إلى البروتستنتينية، وإما أن يعين فيليب على تحويل فرنسا إلى ولاية اسبانية. ولكن توازن القوى بين فرنسا وأسبانيا يدا أمراً لا غنى عنه للبابوية أن أرادت التحرر من سلطان القوى لدنيوية. وفي عام 1589 وعد سيكستوس بالاشتراك في حرب ضد هنري، ولكنه انسحب من هذه الخطة حين تعهد هنري باعتناق الكاثوليكية. وهدد فيليب بسلخ أسبانيا من واجب الطاعة للبابا، وندد يسوعي أسباني بالبابا لأنه يحرض على الهرطقة، ولكن سيكستوس لم يهتر، فاستقبل سفير هنري بالترحيب، وتبين آخر الأمر أنه على حق في ثقته بهنري، فقد استنقذت الكنيسة فرنسا؛ واستمرت فرنسا ميزان قوة ضد أسبانيا.
وكان هذا آخر انتصاراته، ولعل الجهد الذي بذله فيه أضناه. ولم يحزن على موته (1590) لا الكرادلة ولا الأشراف ولا الشعب، أما الكرادلة فقد أجفلتهم صرامته، واما الأشراف فقد أكرهوا على طاعة
?
صفحة رقم : 9714
القانون برغم ما ألفوا من عادات تقدست كثيراً بحكم القدم، وأما الشعب الذي فرض عليه اقصى ما يمكن فرضه من ضرائب وأدب ليلزم سلاماً لم يألفه، فقد حاول تحطيم التمثال الذي أقيم لسيكستوس في الكابيتول، ولكن بعد أن فقد الضربات التي كلها لذعتها، استطاع الخلف أن يوازنوا بين انجازاته وبين قسوته وكبريائه وولعه بالسلطة. وفي رأي »ليكي« المؤرخ العقلاني أنه »وإن لم يكن أعظم الرجال اللذين ولوا عرش البابوية، فهو إلى حد كبير أعظم رجل دولة بين البابوات(35)«.
ومن خلفائه في هذه الحقبة تفرد بالذكر رجلان. أما اولهما وهو كلمنت الثامن (1592-1605) فكان أقرب ما يكون إلى روح المسيحية. يقول صلى الهيجونوتي »كان بين جميع البابوات اللذين تربعوا منذ تلك الوداعة وذلك الحنو اللذين أوصي بهما الإنجيل(36)« بيد أنه رفض الرأفة على بياتريشي تشنشي (1599)، واذن لمحكمة التفتيش بحرق جوردانو برونو (1600). وأما الثاني فهو اوربان الثامن (1623-44)، الذي قدم المعونة أول الأمر لاسبانيا والنمسا في حرب الثلاثين سنة، ولكنه خشي أن تطوقاه حين حاولنا ابتلاع مانتوا، فاتحه بمناوراته الدبلوماسية إلى التعاون مع رشليو في استخدام جيوش جوستاف أدولف البروتستنتية لإضعاف قوة الهابسبورج. وقد سرت إليه العدوى من روح العصر العسكرية، فأخضع الشئون الدينية لمقتضيات التوسع شأن الملوك، واستولى على أوربينو وفرض عليها الضرائب الثقيلة-كما فرضها على دويلاته الأخرى-ليمول جيشاً بابوياً يعده لمحاربة دوق بارما. ولكن الجيش كان عاجزاً لا خير فيه، وخف موته المملكة البابوية »في حال من الانحلال والاعياء« كما يقول سفير بندق »بحيث يستحيل أن تقوم لها قائمة بعد اليوم(37). على أن السفير كان مخطئاً في حكمه، فقد ظهرت عناصر الانتعاش في كل مكان في الكنيسة، وشقت طريقها صعداً إلى البابوية. فالشعب الإيطالي البسيط،
?
صفحة رقم : 9715
هذا الشعب الذي كان يتعزى عن شقائه الطويل بالتمسك بأهداب الدين وبالورع الخصب الخيال، ظل أفراده يقدسون مزاراتهم كما كانوا يفعلون من قبل، ويمشون خاشعين في المواكب الدينية، ويتجاذبون حديث المعجزات الجديدة، ويصعدون »السلم المقدس« على ركبهم في وجد صوفي أليم. لقد كشف قديسون كفليب نيري، وفرنسيس سيلز، وفانسان دبول، عن قدرة الكنيسة العريقة على أن تلهم أتباعها اعمق مشاعر التقوى والولاء، وهكذا نرى يسوعياً مثل الويسيوس جونزاجا يموت غير متجاوز الثالثة والعشرين وهو يخدم ضحايا الطاعون في روما (1591). لقد تقهقر الفساد والحرص اللذان ابتليت بهما الإدارة البابوية أمام هجمات المصلحين البروتستنت، وحض القديسين، والقدوة الملهمة التي أتاحها للناس أحبار كالقديس شارل بوروميو الميلاني. فنمت، ولو في شيء من التعثر، حركة الاصلاح الذاتي من بابا إلى آخر. ونفخ من جديد في الطوائف الدينية القديمة واستكثر من الطوائف الجديدة-الأوراتوريون (1564)، ومنذورو القديس أمبروز (1578)، وصغار الكهنة النظاميون (1588)، والعازريون (1624)، واخوات البر (1633)، وكثير غير هؤلاء. وأنشئت الكليات اللاهوتية في أرجاء العالم المسيحي لإعداد طبقة متعلمة من اكليروس غير منسب إلى رهبنة. وانطلق المبعوثون الكاثوليك إلى كل بد غير مسيحي، يقابلون المكاره الأخطار،ويعنون بالمرضى، ويعملون الصغار، ويبشرون بالدين. أما اليسوعيون المدهشون، الذين لا تقل لهم عزيمة، فقد تحركوا في كل مكان، يصارعون البروتستنتية في ألمانيا، ويدبرون المؤامرات السياسية في فرنسا، ويموتون في سيبل عقيدتهم في إنجلترا، ويحملون الإيمان إلى »الوثنيين« في قارات الدنيا الخمس.
صفحة رقم : 9716
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق