إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 2 مايو 2014

1443 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> فرنسا إبان الحرب -> خالدون يوماً واحداً 4-خالدون يوماً واحداً


1443

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> فرنسا إبان الحرب -> خالدون يوماً واحداً

4-خالدون يوماً واحداً


بعد مونتيني اعتمد الأدب الفرنسي على مجذافيه جيلاً بأكمله. لقد أفلح تقريباً في النجاة من الحروب الدينية، فأخفى نفسه في نفسه حتى جاوزته الحروب. ولكن في غير مونتيني ابتلى الأدب في فرنسا بالحمى الحربية اللاهوتية، وبين مونتيني وكورني تخلفت فرنسا عن إنجلترا وإسبانيا في الأدب، تماماً كما تخلفت إنجلترا عن فرنسا بعد الحرب الأهلية. وعبرت سماء الأدب سلسلة من الشهب الغازية التي لم تخلف وراءها نجوماً ثابتة. وقد حاول ريشليو أن يغذو النبوغ بالرواتب، ولكنه عطله بالرقابة وأغراه بمديحه. فلما مات ألغى لويس الثالث عشر هذه الرواتب بجرة قلم، »لن يزعجنا هذا الأمر بعد اليوم«، وكان أكثر حفزاً للأدب تلك السهرات الأدبية في الأوتيل درامبوييه، وإنشاء ريشليو للأكاديمية الفرنسية.
بدأت الأكاديمية باجتماعات للأدباء المؤلفين في بيت خاص- هو بيت فالنتان كونرارا، وكان سكرتيراً للملك 01627)، وعرض ريشليو، وهو اليقظ للأدب يقظته للحرب، الغيور من أكاديميات إيطاليا وأدب اسبانيا، أن يؤسس الجماعة بوصفها هيئة عامة تعترف بها الدولة وعرض بعض الأعضاء الخطة باعتبارها رشوة للسنية، ولكن الشاعر شابلان (الذي كان يتمتع بمعاش من الكردينال) ذكرهم بأن »عليهم أن يتعاملوا مع رجل يمضي فيما يريد دون تردد(122)«. وانتصرت حيطة شابلان، وقررت الجماعة بالاجماع أن »تستجيب لمسرة نيافته«، وانشئت (1635) باسم »الأكاديمية الفرنسية« وقد أعلنت قوانينها ما يأتي:
»يبدو أنه لم يبقى لاكتمال سعادة المملكة إلا أن تحذف هذه اللغة التي تتكلمها من قائمة اللغات الهمجية... حتى يتسنى لها، وهي اليوم أكمل


?
    صفحة رقم : 10010    

من أي لغة حية، أن تخلف أخيراً اللاتينية كما خلفت اللاتينية اليونانية لو أتيح لها من العناية أكثر مما تلقى إلى اليوم؛ وإن وظيفة أعضاء الأكاديمية ينبغي أن تكون تنقية اللغة من الشوائب التي شابتها سواء في أفواه الناس أو في حشود المحاكم... أو بفعل عادات رجال الحاشية الجهلة«(123).
وعهد إلى أحد الأعضاء الثلاثين الأول، ويدعى كلود فوجلا، بتصنيف قاموس، وكان لابد أن ينقضي ستة وخمسون عاماً قبل أن ينشر لأول مرة (1694). ورفعت الأكاديمية أثناء ذلك مكانة الأدباء بشكل ملحوظ، فأصبح انتماء إنسان إلى »الخالدين« الأربعين (عددهم عام 1637) شرفاً يضارع شرف المناصب الحكومية العليا؛ ولم تكرم أمة الأدب كما كرمته فرنسا. صحيح أن الأكاديمية، واكثر أعضائها شيوخ، كثيراً ما كانت كابحاً محافظاً يعطل التطورات الأدبية أو النمو الدنيوي. وكانت بين الحين والحين توصد أبوابها في وجه العبقرية (موليير وروسو)؛ ولكنها رفعت رأسها فوق الأحزاب، وعلمت أعضائها أن يتسامحوا بأدب مع مختلف الأفكار؛ وقد كافأتها فرنسا باستقرار ثبت لصدمات التغير في الوقت الذي تهاوي فيه الكثير.
بعد أن جمع ريشليو الشعراء والأدباء وسيج من حولهم، نظر بعينه اليقظة إلى الصحفيين. ففي مايو 1631 بدأ تيوفراست رينودو، بمعونة من الكردينال، نشر أول صحيفة فرنسية سميت فيما بعد »غازيتة فرنسا«. وكانت تظهر أسبوعياً في هيئة فرخ يطوي ثماني صفحات، وتنشر من الأنباء الرسمية ما يسمح به ريشليو أو يمدها به، وأضافت بعض صفحات من »الأخبار العادية«. وكان لويس الثالث عشر من كتابها المألوفين. ورد فيها على ناقدي الحكومة ودافع عن نفيه أمه، وكان أحياناً يأخذ الفقرات التي يكتبها بشخصه ليشرف على صف حروفها، ولا عجب فالمرء -حتى إذا كان ملكاً-يستهويه أن يجد كلامه مطبوعاً. وكانت الصحافة الفرنسية منذ بدايتها أداة دعاية- وفي هذه الحالة وسيلة لشرح سياسات


?
    صفحة رقم : 10011    


الدولة للقلة القارئة. وسرعان ما فقد الناس ثقتهم في الغازيتة وفضلوا أن يشتروا الورقات البذيئة التي يبيعها في الطرق أجراء أعداء الكردينال.
أما أروج نتاج العصر الأدبي فقصة رومانسية. كانت روايات الفروسية آخذة في الزوال، لا لمجرد تهكم سرفانتس وغيره من الكتاب عليها، بل لأن الاقطاع الذي خضع الآن للملكية، كان يفقد المزيد من امتيازاته ومكانته. وحل محل قصص الفروسية أيام ازدهارها روايات رومانسية أليمة عن الرغبة المعوقة. وهكذا قرأ كل من ألم بالقراءة وملك الفراغ في عهد لويس الثالث عشر رواية »آستريه« (1610-19) التي ألفها أونوريه دورفيه. أما عبقرية المؤلف فانبعثت من جرح أصاب حبه. ذلك ان زوجته، التي سميت ديانا بحق، آثرت عشرة الصيد على عشرة الزواج، فكانت تؤكل كلابها على مائدتها وتشاركها فراشها. وكانت تجهض كل سنة(124). وأعتكف أونوريه في ضيعته وأخفى سيرته الحزينة وراء رواية رومانسية رعوية. وقد وجد دواء الكلام هذا ناجعاً، فزاد روايته إلى 5.500 صفحة في خمسة مجلدات صدرت على فترات من 1610 إلى 1627. وفي قصة غرام الراعي كيلادون بالراعية آستريه نسمع صدى لا نهاية له لقصة مونتماريو »ديانا العاشقة« وقصتي سانازارو وسدني »أركاديا«، ولكن الصدى كان هنا شجياً، وكان للرعاة والراعيات كل جمال البلاط الفرنسي وزينته، وحققت اللغة كل مطالب ندوة الأوتيل درامبوبيه، ونافست تجارب العشق المتنوعة تجارب هنري الرابع، وأبهجت عبادة المرأة ربات الصالون اللائي جعلن الكتاب دستور سلوك الحب الأفلاطوني. هنا ذلك الينبوع الفوار الذي جرت منه الرومانسيات العاطفية التي كتبتها الآنسة سكودري، والأبيه بريفوست (انطوان بريفوست دجسيل)، وصموئيل رتشاردسون، وجان جاك روسو-الذي صرح بأنه كان يقرأ الكتاب مرة كل عام طوال أكثر حياته. وظل سادة القصور الفرنسية


?
    صفحة رقم : 10012    


والألمانية والبولندية وسيداتها، قرابة قرن من الزمان، يتخذون أسماء »لاستريه« ويلعبون أدوارها، وكرس نصف النثر المكتوب في فرنسا نفسه للرومانس.
أما النصف الآخر فاشتمل على بعض النثر الجدير بالذكر. فكانت »رسائل« جان لوي جي دبالزاك (1614 وما بعدها) في حقيقتها مقالات، قصد بها أن تعجب »المتحذلقات«، وشاركت فوجيلا وماليرب في تنقية اللغة، وساعدت على إعطاء النثر الفرنسي شكل العصر الكلاسيكي ومنطقه... أما بيير دبوردبي دبرانتوم، الذي عاش حياة مرحة في الجيش والبلاط، فقد ترك عند موته (1614) حزمة من المذكرات تفصل في ذوق غراميات النساء الفرنسيات، وفضائل كاترين مديتشي، وجمال ماري ستيورات، وظرف مارجريت فالوا، ومن المؤسف أن أروع قصصه لا يمكن التحقق من صحة نسبتها إليه. وكان يرى »أنه لا يحسن بالمرء أن يشيخ وهو في ذات الجحر، وما من إنسان شجاع فعل هذا قط، وعلى المرء أن يغامر بجرأة في جميع النواحي، في الحب كما في الحرب«. وفي لحظة أكثر حكمة اعترف بأن »أعظم ما ينعم الله به علينا في زواجنا هو الذرية الصالحة لا التسري«... وأما جاك أوجست دتو، القاضي ومستشار الدولة أيام صديقه هنري الرابع فقد ساعد في صياغة مرسوم نانت والمفاوضة على إصداره، وكرس نصف حياته لكتابة »تاريخ عصره« (1604-8)، وهو كتاب يتميز بعمق الدرس، وبالحياد والشجاعة في دمغ مذبحة القديس برتلميو لأنها »تفجر للجنون لا نظير له في تاريخ أي أمة«... وألف الدوق صلى، في شيخوخته وبمساعدة سكرتيره، كتابه المشهور »مذكرات عن الاقتصاديات الداخلية والسياسية والحربية، الحكيمة، الملكية، لهنري الأكبر، الذي أهداه »إلى فرنسا«، وإلى جميع الجنود الطيبين، وإلى جميع الشعب الفرنسي«. وفي آخر سني لويس الثالث عشر بدأت جماعة من اليسوعيين الفلمنكيين يتزعمهم جان دبولان نشر كتاب »اكتا سانكتورم«


?
    صفحة رقم : 10013    


(أعمال القديسين) الذي أورد في نقد حذر سير القديسين حسب الترتيب الذي تخلهم به الكنيسة الكاثوليكية. وتابعت الجماعة هذا الجهد في حماسة على الرغم مما اعترى جمعية اليسوعيين من غير، حتى بلغت مجلدات الكتاب خمسة وستين عام 1910. وأحتج عليه بعض مروجي الأساطير، ولكن الكتاب مفخرة لعلم أعظم الطوائف الدينية تفقها. وأخيراً يجب أن ندرج في هذه القائمة للمرة الثانية ذلك الرجل المدهش كلي الوجود، ريشيلو، الذي غمس قلمه في كل ينبوع أدبي وترك لنا »مذكراته« - وفيها شيء من التحيز للكردينال، ولكن مكانها رفيع في ذلك الرتل الرائع من المذكرات الفرنسية التي لا ضريب لها في أي لغة اخرى.
ولم يكثر صغار الشعراء مثل هذه الكثرة من قبل. فما زال الفرنسيون الأوفياء يقرءون، ولو في المدارس، تيوفيل دفيو، وفنسان فواتور، و أونورا دبويل، مركيز راكان. وقد جعلت غراميات تيوفيل الإباحية وشكوكه الفاضحة منه »فيون« عصره، وقد حكم عليه بالحرق ثم خفف الحكم إلى النفي. أما ذكاء فواتور المرح فقد جعله أكبر ظرفاء الأوتيل درامبوييه (وقد أوشكنا أن نقول أكبر ساخريه). وحين وعظ بوسويه وهو بعد في الثانية عشرة من عمره ذلك الصالون في منتصف الليل، قال فواتور أنه لم يسمع في حياته عظة تلقى مبكرة متأخرة كهذه.
وشرف هذه العهود الملكية شاعران كبيران. أما فرانسوا ماليرب فقد شرح المبدأ القائل بأن واجب كل عصر أن يرفض الماضي ويعكسه لكي يستمتع بنفسه. وكان رونزار العظيم لا يزال يغني في شباب ماليرب، وكان هو وجماعة البليارد قد هذبوا الشعر الفرنسي بتوجيهه صوب المثل والموضوعات الكلاسيكية، ولكن خلفاءهما كانوا الآن يهدهدون فرنسا وخليلاتهم بسونيتات حافلة بالألفاظ الأثرية، والعبارات الخيالية، والشحطات الإيطالية، والتقديمات والتأخيرات السقيمة، والتلميحات الغامضة، والأساطير العويصة. واستقر رأي ماليرب على أن الشعر الفرنسي قد أتخم بهذا كله.


?
    صفحة رقم : 10014    


وقد درس هذا الشاعر، الذي ولد في كان (1555)، في بازل وهايدلبرج، وأنفق سنوات في الأسفار، وكان قد بلغ الخمسين حين وصل إلى البلاط الفرنسي. وقد شق طريقه اليه برغم وقاحاته وكفرياته، وأصبح الشاعر الأثير لدى هنري الاكبر، ولكن هذا على أي حال اعطاه »من التحيات أكثر مما أعطاه من المال(125)«. وعاش يبيع شعره لمن يدفع أغلى الاثمان، وروج لبضاعته بالإطاحة بمن سبقوه. فقد أعلن الحرب - كما أعلنتها متحذلقات صالون رامبوييه - على الألفاظ التي تشتم منها الحلافة الريفية أو عمليات البدن الأقل شاعرية، فحرم التقديمات والتأخيرات، والألفاظ الغامضة، والتعبيرات العامية، والكلمات الريفية والغسقونية (شق على هذا الملك) والحشو، وتنافر النغمات، واللحن، والدخيل واللاتيني والفني من الالفاظ، والجواز الشعري، والقوافي الناقصة. وقال إنه يجب أن يكون منذ الآن جلال في الافكار، وبساطة ووضوح في التعبير، وتوافق في الايقاع، واتساق في الاستعارات، وترتيب في العرض، ومنطق في العبارة، والكتابة الجيدة يجب تنشر عبيرها وأن ترتاح لها الأذن، والتقاء الحرفين الصوتيين جريمة سمعية، ومرض تنفسي. وكان ماليرب يجرب أشعاره على آذان خادمه(126).
فلنستنشق عبير إحدى قصائده - وهي »تعزية«، وجهها لصديق فجع بموت ابنته:
»ولكنها كانت ربيبة هذه الدنيا، حيث تنتهي أجمل الاشياء أتعس نهاية. وردة عاشت كما تعيش الورود، إشراقة صبح ... إن للموت أحكاماً لا شبيه لها، وعبثاً نتوسل إليه، فهذا القاسي يصم أذنيه ويتركنا نصرخ. يخضع لناموسنا الفقير في كوخه الحقير، ولا يقف الحارس الساهر على أبواب اللوفر سداً بينه وبين ملوكنا(127)«.
على أن تطبيق ماليرب كان أقل فاعلية من مبادئه؛ وعانت أشعاره برودة الصقيع من قواعده ولم يرجى دبالزاك في شعر ماليرب إلا نثرا


?
    صفحة رقم : 10015    


جيداً، وكان يحاول في ذلك الوقت إصلاح النثر. ولكن الأوتيل دارمبوييه احتضنه، واعتنقت الأكاديمية مبادئه. وورثها بوالو أساساً للأسلوب الكلاسيكي، وقد أصبحت مدى قرنين قميصاً مقدساً صارماً من شعر وزرد يلبسه شعراء فرنسا الغنائيون. وانتفخ ماليرب في شيخوخته حتى أصبح إماماً حقيقياً للشعر، وحجة يستفتى في مسائل اللغة والاسلوب؛ وحياه بعض المعجبين بوصفه »أبلغ إنسان في جميع العصور«. وقد وافق على أن »ما يكتبه ماليرب سيخلد إلى الابد(128)«. وحين كان على فراش الموت (1628) أيقظ نفسه من غيبوبته الاخيرة ليوبخ ممرضته على استعمالها فرنسية غير سليمة(129).
أما ماتوران رينييه فقد رأى فيه شاعراً مملاً، وتجاهل قواعده، وأطلق الشعر كما أطلقه فيون بخارا مندفعاً من حر المواخير. هذا الرجل الذي نذر للقسوسية ضيع نفسه في فينوسبرج حتى شاخ، وشاب قرناه وهو بعد في شرخ شبابه. ففي الحادية والثلاثين عجزه النقرس والزهري. وكان لا يزال يجد »كل امرأة تروقني«، ولكنهن كن أكثر منه تأنقاً في الاختيار. وقد كتب بعضاً من أقوى الشعر في اللغة، فيه حديث مستهتر عن الجنس، وهجو وحشي، ومباراة مع هوراس في الشكل ومع دوفينال في المرارة، وحركة تزخر بالأشخاص أو الأماكن بما يحس أو يرى. وقد هزأ بصفائية »المتحذلقات« اللغوية وصرامة ماليرب الكلاسيكية، وبدا له أن الحرارة المشبوبة من شعلة باطنة أهم للشعر من التمسك بأصول النحو والبلاغة والعروض. هنا في فجر العصر الكلاسيكي نشطت الرومانسية. حتى العلم والفلسفة نالا منه ما يستحقان من قصاص وتوبيخ على تبجحاتهما:
»أيها الفلاسفة الحالمون، تكلموا في استعلاء، وحلقوا في النجوم وأنتم لا تتحركون من الارض، واجعلوا السماوات كلها ترقص على لحنكم، وزنوا أحاديثكم في ميزانها ... واحملوا مصباحاً في زوايا الطبيعة ...واعرفوا من يعطي الزهور هذا اللون البديع ... وحلوا ألغاز الأرض


    صفحة رقم : 10016    


والسماء، إن عقلكم يخدعكم كما تخدعكم عيونكم(130)«.
وفي عام 1609 أصبح شاعر البلاط لهنري الرابع. وبعد أربع سنوات مات وقد أضناه فسقه المشجي، بعد أن كتب قبريته. »لقد عشت دون ما تفكير، تاركاً نفسي أسير في رفق ووفق قانون الطبيعة الطيب، ولا أدري لم يفكر الموت فيّ، وأنا الذي لم أتنازل إلى التفكير فيه(131)«.


    صفحة رقم : 10017    

يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق