إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 2 مايو 2014

1436 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> ريشيليو -> الكاردينال والهيجونو 3- الكردينال والهيجونوت




1436


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> بداية عصر العقل -> صراع العقائد على الس -> ريشيليو -> الكاردينال والهيجونو

3- الكردينال والهيجونوت


كيف يشق إنسان طريقه إلى القمة؟ في تلك الأيام كانت تعينه على ذلك عراقة أصله. وكانت أم أرمان جان دبليس دريشليو ابنة محام في برلمان باريس، أما أبوه فهو السنيور دريشليو، المدبر الأكبر لبيت الملك في عهد هنري الرابع وورثت أسرة بواتو العريقة الحق في أن توصي الملك باختيار من ترشح لأسقفية لوسون. وقد عين هنري أرمان بهذه الطريقة (1606) وكان يومها في الحادية والعشرين. وإذ كان أصغر من السن المشترطة للأسقفية بسنتين، فإنه سارع إلى روما، وكذب في أمر سنه، وألقى أمام بولس الخامس خطاباً لاتينياً جميلا حمل البابا على أن يسلم له الأسقفية أما وقد تحقق له »الأمر الواقع«، فقد اعترف ريشليو بكذبته، وطلب المغفرة. وامتثل البابا وهو يقول »إن هذا الفتى سيكون محتالاً كبيراً«(17).
وصف الأسقف الشاب أسقفيته بأنها »أفقر وأقذر« الأسقفيات في فرنسا، ولكن كانت الأسرة تملك بعض المال، فما لبث أن امتلك المركبة والآنية الفضية ولم يتخذ وظيفته منصباً شرفياً عاطلاً، بل فرغ لأداء واجباته في اجتهاد ومثابرة، ولكنه وجد الوقت لتملق كل صاحب ذو نفوذ ويسخر كل صاحب قوة. فلما اختار كهنة بواتو مندوباً لمجلس الطبقات (1614) كان أرمان رجلهم، وأعجب كل من كان بالمجلس، لا سيما ماري مديسي، بوجهه الرزين، وقوامه الفارع الممشوق، وقدرته القانونية


?
    صفحة رقم : 9951    

تقريباً على تفهم الموضوعات تفهماً واضحاً وعرضها عرضاً مقنعاً. وعين سكرتيراً للدولة بنفوذها ونفوذ كونشيني (1616). وبعد عام قتل كونشيني وفقد ريشليو وظيفته. وبعد أن خدم الملكة الأم المنفية في بلوا فترة قصيرة عاد إلى لوسون. وبيتت ماري الهروب؛ واشتبه في اشتراك ريشيليو في المؤامرة، فنفي إلى أفنيون (1618)، وبدا أن مجرى حياته السياسية قد انتهى. ولكن الجميع-حتى خصومه-اعترفوا بقدراته، ولما تدلت ماري ليلاً من إحدى نوافذ قلعتها في بلوا وانضمت إلى قوة من النبلاء المتمردين، استدعى لون الأسقف الشاب وعهد إليه أن يرد الملكة إلى رشدها ويصلح بينها وبين الملك. فأفلح في مهمته، وحصل له لويس على قلنسوة الكردينالية، وعينه في مجلس الدولة. وسرعان ما وضح للعيان تفوق ريشليو عقلاً وإرادة، فأصبح رئيساً للوزراء في أغسطس 1624 وهو في التاسعة والثلاثين.
وقد وجد الملك فيه بالضبط تلك الصفات التي افتقدها في نفسه: الذكاء الموضوعي، والهدف الواضح، وصلابة الغايات، ومرونة الوسائط، وكان للويس من الحصافة ما جعله يتقبل ارشاد الكردينال في المهمة الثلاثية -مهمة اخضاع الهيجونوت، والنبلاء، وأسبانيا، قال ريشليو في مذكراته مقدراً له هذه الخلة »إن قدرة الملك العظيم على أن يسمح بأن يخدم (أي بأن يفوض غيره بالسلطة) ليست من أقل صفات الملك العظيم شأناً(18)«. لم يكن لويس متفقاً مع وزيره في جميع الحالات، وكان أحياناً يوبخه، وكان دائماً يغار منه، وقد فكر بين الحين والحين في طرده. ولكن أبى له أن يرفض رجلاً مطلق السلطة في فرنسا وصاحب الكلمة العليا في أوربا، ويحصل له من الضرائب أكثر حتى مما كان صلى يجمعه؟
وتجلت روح الكردينال أول ما تجلت في موقفه من الدين. فلقد قبل في غير نقاش عقائد الكنيسة، وأضاف إليها بعض الخرافات التي يعجب المرء لأن عقلاً أوتي مثل هذه القوة آمن بها. ولكنه رفض ما ذهب


?
    صفحة رقم : 9952    

إليه حزب »مؤيدي سيادة البابا المطلقة« من أن للبابوات كامل السيادة على الملوك، وحافظ على »الحريات الغاليَّة« للكنيسة الفرنسية ضد روما، وأخضع الكنيسة للدولة في الأمور الزمنية بنفس المضاء الذي أخضعها به أي إنجليزي، ونفي الأب كوسان، الذي تدخل في السياسة بوصفه كاهن الاعتراف الملكي، ففي رأيه أن أي دين من الأديان يجب ألا يختلط بشئون الدولة. أما التحالفات التي أدخل فيها فرنسا فكانت مع الدول البروتستنتية والكاثوليكية على السواء.
وقد طبق مبادئه في حزم على الهيجونوت المشتغلين بالسياسة، ذلك انهم برغم صلح 1622 جعلوا لاروشيل مدينة صاحبة سيادة من الناحية الفعلية، يشرف عليها تجارها ووزراؤها وقوادها. ومن هذا الميناء الاستراتيجي أرسل التجار تجارتهم مع العالم، وأقلع القراصنة ليقتنصوا أية غنيمة أو مركب، حتى المراكب الفرنسية، وكان في استطاعة أي عدو لفرنسا أن يدخل البلاد من هذا الميناء إذا أذن له الهيجونوت. كذلك انتهك لويس ذاته المعاهدة، فقد وعد بهدم »حصن لويس« الذي كان خطراً دائماً على المدينة، ولكنه بدلاً من أن يهدمه زاده تحصيناً، وحشد أسطولاً صغيراً في ثغر لابلافيه القريب. فأسر بنيامين روهان (أخو هنري)، سيد سوبيز، الذي قاد أسطولاً هيجونوتياً، هذا الأسطول الملكي وقطره ظافراً إلى لاروشيل 01025) لذلك بنى روشيليو أسطولاً آخر، ونظم جيشاً، ورافق الملك في حصاره للقلعة الهيجونوتية.
وأقنع سوبيز دوق بكنجهام بأن يرسل أسطولاً ضخماً قوامه 120 سفينة لحماية المدينة. فحصر الأسطول، ولكنه عانى الويل من مدفعية الحصون الملكية القائمة على جزيرة ري. فاضطر إلى التسلل عوداً إلى إنجلترا وهو يجر أذيال الخزي والعار (1627). وكان ريشليو خلال ذلك قد استولى على جميع الطرق البرية المؤدية إلى لاروشيل (بوصفه قائداً لملكه المريض). ولم يبق إلا حصارها من البحر. فأمر مهندسيه


?
    صفحة رقم : 9953    


وجنده أن يقيموا تلاً من الحجر طوله 1700 ياردة بعرض مدخل الميناء، تاركين فتحة لحركة المد والجزر. وقد بلغ عنف هذه الحركة، التي ارتفعت فيها المياه وهبطت اثني عشر قدماً، مبلغاً جعل تنفيذ المشروع يبدو مستحيلاً، ففي كل يوم كان الماء يكتسح نصف الأحجار المبنية يومها. وملّ الملك هذه الحرب التي لم تسفك فيها دماء وانطلق إلى باريس، وتوقع كثير من رجال الحاشية أنه طارد ريشليو لعجزه عن أخذ المدينة عنوة. ولكن التل اكتمل بناؤه أخيراً وبدأ مهمته المرسومة. ومات نصف سكان لاروشيل جوعاً. ولم يستطع الحصول على القليل من اللحم غير أغنياء القوم، فكانوا يدفعون خمسة وأربعين جنيهاً ثمناً للقط، وألفي جنيه ثمناً للبقرة. أما جان جيتون عمدة المدينة فقد توعد كل من يجري على لسانه حديث الاستسلام بالقتل بخنجره. ولكن المدينة استسلمت في يأسها بعد ثلاثة عشر شهراً من المجاعة والمرض (30 أكتوبر 1628). ودخلها ريشليو ممتطياً جواده من خلفه الجند يوزعون الخبز رحمة بالناس.
وتصايح نصف فرنسا مطالباً باستئصال شأفة الهيجونوت. ولم يكن في وسعهم-بعد أن أضنتهم الحرب-إلا أن يتوسلوا. ولكن ريشليو فاجأهم بشروط صلح رأى فيها الكاثوليك تساهلاً شائناً. صحيح أن لاروشيل فقدت استقلال بلدتها، وحصونها، وأسوارها، ولكن أشخاص سكانها وأملاكهم لم تمس، وسمح لمن بقي من الجنود الهيجونوت بالرحيل بأسلحتهم، ومنحت حرية العبادة في المدينة للبروتستنت والكاثوليك على السواء، وتلقت مدن هيجونوتية أخرى مثل هذه الشروط بعد استسلامها. ووجب رد الأملاك الكاثوليكية التي انتزعها البروتستنت، ولكن القساوسة الهيجونوت الذين فقدوا مأواهم مؤقتاً عرضوا باعانة من الدولة بلغت 200.000 جنيه، واعفوا من فرضة الرؤوس (آلتاي) شأن الأكليروس الكاثوليك(19). ومنح عفو عام لجميع من شاركوا في التمرد. وثبت مرسوم نانت الذي أصدره هنري الرابع في كل نصوصه الجوهرية،



    صفحة رقم : 9954    


بمرسوم ريشليو المسمى »مرسوم العفو« (28 يونيو 1629) وفتحت وظائف الجيش والبحرية والحكومة أمام الجميع دون نظر للعقيدة. وأذهل أوربا أن ترى الكاثوليك الفرنسيين يتبعون ويبجلون قواداً من البروتستنت كتورين وشومبير وهنري روهان. قال ريشليو »منذ ذلك الحين لم تمنعني قط خلافات الدين عن أداء كل أنواع الخدمات للهيجونوت(20)«. وقد تبين الكردينال العظيم، في حكمة افتقدها لويس الرابع عشر فيما بعد افتقاداً مؤسفاً، قيمة الهيجونوت الاقتصادية الهائلة لفرنسا-كما سيتبينها كولبير. ومن ثم فقد أقلعوا عن الثورة، وانصرفوا في هدوء إلى التجارة والصناعة، وأصابوا من التوفيق والفلاح ما لم يصيبوه في أي وقت مضى.



    صفحة رقم : 9955    

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق