630
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين
واطأ جماعة أن يقتلوه إذا لعب الأكرة، ويقوموا بنصرة الخليفة واستبداده بالأمر، وإن الخليفة ذكر أنه ما فوض إليه السلطنة إلا كرهًا، وأنه لم يسر في ملكه بالعدل. فاستدعى برقوق بالقضاة ليفتوه في الخليفة بشيء فامتنعوا، وقاموا عنه، فخلع هو الخليفة بقوته وسجنه بالقلعة. ثم طلب عمر بن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم، وبايعه بالخلافة ولقب الواثق بالله. ثم في ذي القعدة من السنة، أخرج المتوكل من السجن، وأقام بداره مكرمًا، واستمر الواثق في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء تاسع عشري شوال سنة ثمان وثمانين.
فكلم الناس برقوقًا في إعادة المتوكل، فأبى وأحضر أخا عمر زكريا الذي كان أينبك ولاه تلك الأيام اليسيرة، فبايعه ولقب المعتصم بالله، فاستمر إلى يوم الخميس ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين. فندم برقوق على ما صنع بالمتوكل، فخلع زكريا وأعاد المتوكل إلى الخلافة، وحلف القضاة كلا من الخليفة والسلطان للآخر على الموالاة والمناصحة. وأقام زكريا بداره إلى أن مات مخلوعا في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة. وقرئ تقليد المتوكل بالمشهد النفيسي في ثامن عشر الشهر بحضرة القضاة والأمراء، وقرر له السلطان دارًا بالقلعة يسكنها، ويركب إلى داره بالمدينة متى شاء.
واستمر المتوكل في خلافته هذه إلى أن مات ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثمانمائة.
قال المقريزي: وهو أول من أثرى من خلفاء مصر، وكثر ماله، ورزق أولادا كثيرة، يقال: إنه جاء له مائة ولد، ما بين مولود وسقط، ومات عن عدة أولاد
ذكور وإناث، ولي الخلافة منهم خمسة، ولا نظير لذلك؛ وأكثر إخوته ولوا الخلافة فيما تقدم، أربعة. واتفق للمتوكل هذا أنه عاد إلى الخلافة بعد خلعه مرتين، ولم يقع ذلك لأحد فيما تقدم إلا للمقتدر فقط.
ورأيت في تاريخ عالم حلب المحب أبي الوليد بن الشحنة أنه في سنة سبع وتسعين وسبعمائة، أرسل أبو يزيد بن عثمان إلى الخليفة المتوكل بهدايا، وتحف في طلب تشريف منه بأن يكون سلطان الروم؛ فجهز له ذلك.
وذكر الحافظ ابن حجر في أبناء الغمر، أن مولد المتوكل هذا في سنة نيف وأربعين وسبعمائة، وأنه لما تسلطن برقوق المرة الأولى حسن له جماعة من أهل الدولة وغيرهم طلب الملك؛ فكاتب الأمراء والعربان مصرا وشاما وعراقا، وبث الدعاة في الآفاق. فبلغ ذلك برقوقًا، فخلعه وسجنه، فخرج يلبغا الناصري على برقوق بسبب ذلك، فأفرج عنه برقوق، وأعاده إلى الخلافة، وفرح الناس به فرحًا كثيرا. فلما انتصر الناصري، وزالت دولة برقوق قال الناصري للخليفة بمحضر من الأمراء: يا مولانا أمير المؤمنين، ما ضربت بسيفي هذا إلَّا في نصرتك؛ وبالغ في تعظيمه وتبجيله، فتبرم المتوكل من الدخول في الملك، وأشار بإعادة حاجي بن شعبان.
وكان المتوكل عهد الخلافة لولده أحمد، ولقبه المعتمد على الله، ثم خلعه وعهد إلى ابنه أبي الفضل العباسي؛ فاستقر في الخلافة بعده، ولقب المستعين بالله، فأقام إلى أن خرج شيخ علي ناصر فرج، وذلك في المحرم سنة خمس عشرة وثمانمائة، فأشهد على الخليفة بخلع الناصر من الملك، لما ثبت عليه من الكفريات والانحلال والزندقة، وحكم ناصر الدين بن العديم بسفك دمه.
واتفق رأي الأمراء على سلطنة الخليفة واستقلاله بالأمر، فلم يوافقهم الخليفة إلا بعد شدة وتوثق منهم بالإيمان، فبايعه الأمراء كلهم، وحلفوا له على الوفاء، ولم يغير لقبه، وجلس على كرسي الملك، وقام الكل بين يديه؛ وذلك بالشام، وقرر بكتمر جلق في نيابة الشام وقرقماس في نيابة حلب، وسودون الجلب في نيابة طرابلس، وشيخ ونوروز في ركابه، يدبران الأمر، ونادى منادي الخليفة: ألا إن فرج بن برقوق
قد خلع من السلطنة، ومن حضر إلى أمير المؤمنين وابن عم سيد
المرسلين فهو آمن. فتسلل الناس من الناصر. وكتب المستعين إلى القاهرة باجتماع الكلمة له. وعزل الجلال البلقيني عن قضاة الشافعية، وولى بدله شهاب الدين الباعوني، فحقدها عليه البلقيني، حتى فعل معه بعد ذلك ما فعل.
ثم أرسل المستعين كتابًا ثانيًا إلى من بالقاهرة من الأعيان، فأرسل إلى الجامع الطولوني، فقرأه خطيبه ابن النقاش على المنبر، ثم أرسل إلى الجامع الأزهر، فقرأه خطيبه الحافظ ابن حجر على المنبر، ثم فر الناصر إلى حلب، فقام ناس على الأسواق، فنادوا: نصر الله أمير المؤمنين، فلما سمع الرماة ذلك تخوفوا على أنفسهم ولم يغيثوه، ثم قبض على الناصر وقتل بحكم ابن العديم.
ثم إن المستعين صرف بكتمر جلق عن نيابة الشام وقرر فيها نوروز، وقرر بكتمر أميرا كبيرا بالقاهرة، وصدرت الكتب من المستعين إلى أمراء التركمان والعربان والعشير. ومفتتحها: من عبد الله ووليه الإمام المستعين بالله أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين المفترضة طاعته على الخلق أجمعين، أعز الله ببقائه الدين، إلى فلان. ثم توجه هو والعسكر إلى القاهرة، فدخلوا في يوم الثلاثاء ثاني ربيع الآخر بعد أن تلقاهم الناس إلى قطيا وإلى الصالحية وإلى بلبيس، وحصل للناس من الفرح بذلك ما لا مزيد عليه، ونادى في الناس برفع المظالم والمكوس.
وعمل الحافظ أبو الفضل بن حجر في المستعين قصيدته المشهورة، وهي:
الملك أصبح ثابت الأساس ... بالمستعين العادل العباسي (1)
رجعت مكانة آل عم المصطفى ... لمحلها من بعد طول تناس
_________
(1) نقلها السيوطي في تاريخ الخلفاء 506-508، وفيه: "الملك فينا ثابت الأساس".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق