إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 9 نوفمبر 2014

629 حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين


629

حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة

ذكر من قام بمصر من الخلفاء العباسيين


أحمده على نعمه التي هي على عبده منهاله، وأشكره شكرًا أستزيد به نعمه وإفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة امرئ أخلص بها نيته ومقاله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المخصوص بعموم الرسالة، والمبعوث بأوضح حجة ودلالة، والصادق الأمين الذي أخلص لله أقواله وأفعاله؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي الصدر والأصالة، والمفاخرة الباهرة والجلالة، وسلم تسليما كثيرًا. ورضي الله عن أول الخلفاء بعد نبينا محمد المصطفى الذي صحبه بوفاء شيخ الوقار، ومعدن الجود والافتخار، وأنيس سيد المرسلين في الغار، ذي الكرم العريق، والرأي الوثيق، والإخلاص والتصديق. السابق للنبوة، والرسالة بالتصديق، المكنى بعتيق؛ هو الإمام أبو بكر الصديق. وعن عمي نبيه حمزة والعباس، المطهرين من الدنس والأرجاس.
وبعد، فالخلافة أشرف ملابس أهل الديانة، وأزهى حلل الصيانة، وهي أصل كل سيادة يتوصل إليها، ورياسة جل الاعتماد عليها؛ إذ هي أجل المناصب وأنماها، وأشرفها وأربعها وأسناها، وانفسها وأعلاها وأغلاها، ومن لوازمها ألا
يؤتى تقليدها إلا من اتصف بصفاتها المرضية، وتحلى بحلالها المرعية، ورقى بجميل سيرته إلى مراتبها العلية. ولما كان من يأتي اسمه في هذا المكتوب ممن هو حقيق بها لا محالة، وجدير بأن يبلغه حسن الظن منها آماله؛ إذ كان متصفا بصفاتها الحميدة، متقيدًا بآرائها السديدة؛ وقد لاحت عليه أثار الخلافة وظهرت، وذاعت محامده واشتهرت، وقامت الأدلة بأهليته لتقليدها، وأنه كفء لتناول طريفها وتليدها؛ استخار الله سيدنا ومولانا الإمام المعتضد بالله، المستمسك بتقواه، المراقب له في سره ونجواه، أمير المؤمنين، خليفة رب العالمين، ابن عم سيد المرسلين أبو الفتح أبو بكر بن سيدنا ومولانا المستكفي بالله أبي الربيع سليمان أمير المؤمنين، أعز الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين، واشهد على نفسه الكريمة، وأسبغ الله عليه نعمه العميمة، إنه عهد إلى ولده لصلبه الإمام

المتوكل على الله أبي عبد الله محمد نصر الله به الإسلام وأيده، ونفع به نفعا مستمرًّا مؤبده وجعله ولي عهده، ورضيه خليفة على الرعية من بعده؛ لما علم من ديانته وعدالته وكفالته وكفايته ومروءته وحسن قصده، عهدا صحيحا شرعيًّا، تامًّا معتبرا مرضيا، وفوض إليه أمر الخلافة تفويضًا صريحا، وعقد له ولاية العهد على الرعية عقدًا صحيحًا وقبل ذلك قبولا شرعيًّا، جعله الله لشريعة نبيه محمد ناصرًا مؤيدًا، وجمع به كلمة الإسلام.
وصدر الإشهاد بذلك في اليوم المبارك يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
فاستمر إلى أن قتل الأشرف شعبان وأقيم ولد المنصور علي، وكان أينبك البدري مدبر دولته، وقد حقد على المتوكل أمورًا، فطلب نجم الدين زكريا بن إبراهيم بن ولي العهد المستمسك بن الخليفة يوم الاثنين رابع ربيع الأول سنة تسع وسبعين، فخلع عليه، واستقر خليفة بغير مبايعة ولا إجماع، ولقب المعتصم بالله. ثم في العشرين من الشهر كلم الأمراء أينبك فيما فعله مع المتوكل، ورغبوه في إعادته إلى الخلافة، فأعاده وخلع زكريا، فكانت خلافته خمسة عشر يوما. ثم لم يتم الشهر على أينبك حتى اتفق العساكر على خلافه والخروج عليه، فهرب ثم ظفر به في تاسع ربيع الآخر، فقيد وسجن بالإسكندرية، وكان آخر العهد به.
وقال فيه الأديب شهاب الدين بن العطار:
من بعد عز أذل أينبكا ... وانحط بعد السمو من فتكا (1)
وراح يبكي الدماء منفردًا ... والناس لا يعرفون أين بكى
واستمر المتوكل في الخلافة إلى رجب سنة خمس وثمانين. فبلغ الظاهر برقوقًا أنه
_________
(1) النجوم الزاهرة 11: 158.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق