584
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر أمراء مصر من حين ملكها بنو أيوب إلى أن اتخذها الخلفاء العباسيون دار الخلافة
ومن صنائع السلطان صلاح الدين أنه أسقط المكوس، والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم شيء كثير، ومن عجز عن أدائه حبس، فربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض أميرها ثمال إقطاعا بديار مصر، يحمل إليه منه في كل سنة ثمانية آلاف إردب غلة، لتكون عونًا له ولأتباعه، وقرر للمجاورين أيضا غلَّات تحمل إليهم وصلات، فرحمة الله عليه في سائر الأوقات، فلقد كان إمامًا عادلا، وسلطانا كاملا لم يل مصر بعد الصحابة مثله، لا قبله ولا بعده!
وقد كان الخليفة المستضيء أرسل إليه في سنة أربع وسبعين خلعًا سنية جدًّا، وزاد في ألقابه "معز أمير المؤمنين". ثم لما ولي الخليفة الناصر في سنة ست وسبعين أرسل إليه خلعة الاستمرار، ثم أرسل إليه في سنة اثنتين وثمانين يعاتبه في تلقيبه بالملك الناصر، مع أنه لقب أمير المؤمنين، فأرسل يعتذر إليه بأن ذلك كان من أيام الخليفة المستضيء، وأنه إن لقبه أمير المؤمنين بلقب، فهو لا يعدل عنه، وتأدب مع الخليفة غاية الأدب.
قال العماد: وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، فاتفق أن بعضهم أخذ صبيًّا رضيعًا من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجدًا شديدًا، واشتكت إلى ملوكهم؛ فقالوا لها: إن سلطان المسلمين رحيم القلب، فاذهبي إليه، فجاءت إلى السلطان صلاح الدين فبكت، وشكت أمر ولدها، فرق لها رقة شديدة، ودمعت عيناه، فأمر بإحضار ولدها، فإذا هو بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، ولم يزل واقفا حتى جيء بالغلام، فدفعه إلى أمه، وحملها على فرس إلى قومها مكرمة.
واستمر السلطان صلاح الدين على طريقته العظيمة؛ من مثابرة الجهاد للكفار، ونشر العدل، وإبطال المكوس والمظالم، وإجراء البر والمعروف إلى أن أصيب به
المسلمون، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى ليلة الأربعاء سادس عشري صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة، وعمل الشعراء فيه مرائي كثيرة، من ذلك قصيدة للعماد الكاتب، مائتان وثلاثون بيتا أولها:
شمل الهدى والملك عم شتاته ... والدهر ساء وأقلعت حسناته (1)
بالله أين الناصر الملك الذي ... لله خالصة صفت نياته
أين الذي ما زال سلطانًا لنا ... يرجى نداه وتتقى سطواته
أين الذي شرف الزمان بفضله ... وسمت على الفضلاء تشريفاته
أين الذي عنت الفرنج لبأسه ... ذلا ومنها أدركت ثاراته
أغلال أعناق العدا أسيافه ... أطواق أجياد الورى مناته
قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد صوريِّ وستة وثلاثين درهما، ولم يترك دارًا ولا عقارًا ولا مزرعة، ولا شيئًا من أنواع الأملاك، وترك سبعة عشر ولدا ذكرا وابنة واحدة.
وكان متدينًا في مأكله ومشربه ومركبه وملبسه، فلا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، وكان يواظب الصلاة في الجماعة، ويواظب سماع الحديث، حتى إنه سمع في بعض المصافات جزءًا وهو بين الصفين ويتبجح بذلك، وقال: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثًا.
وبالجملة فمناقبه الحميدة كثيرة لا تستقصى إلا في مجلدات، وقد أفرد سيرته بالتصنيف جماعة من العلماء والزهاد والأدباء، وكان به عرج في رجله، فقال فيه ابن عُنّين الشاعر:
سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب
_________
(1) النجوم الزاهرة 6: 60، وكتاب الروضتين 2: 215.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق