558
حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة
ذكر أمراء مصر من حين فتحت إلى أن ملكها بنو عبيد
سيرتك في أهل الكوفة، فرجع ابن أم الحكم ولحقه معاوية بن حديج وافدا على معاوية. فلما دخل عليه وجده عند أخته أم الحكم -وهي أم عبد الرحمن الذي طرده عن مصر- فلما رآه معاوية، قال: بخ بخ! هذا معاوية بن حديج؛ فقالت أم الحكم: لا مرحبا! تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فقال معاوية بن حديج: على رسلك يا أم الحكم، أما
والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت؛ أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا، فيسير فينا كما سار في أهل الكوفة، فما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل لضربنا ابنك ضربا يطأطئ منه -وإن كره هذا الجالس- فالتفت إليها معاوية، فقال: كفى، فاستمر مسلمة على إمرة مصر إلى أن مات في خلافة يزيد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين.
فولِيَ بعده سعيد بن يزيد بن علقمة الأزدي.
فلما ولي الزبير الخلافة بعد موت يزيد، وذلك في سنة أربع وستين، استناب على مصر عبد الرحمن بن قحزم القرشي الفهري، فقصد مروان مصر ومعه عمرو بن سعيد الأشدق فقاتل عبد الرحمن، فهزم عبد الرحمن وهرب.
ودخل مروان إلى مصر، فتملكها، وجعل عليها ولده عبد العزيز، وذلك في سنة خمس وستين، فلم يزل أميرا بها عشرين سنة. وكان أبوه جعل إليه عهد الخلافة بعد عبد الملك، فكتب إليه عبد الملك يستنزله عن العهد الذي من بعده لولده الوليد فأبى عليه. ثم إنه مات من عامه. قال ابن عبد الحكم: وقع الطاعون بالفسطاط، فخرج عبد العزيز إلى حلوان، وكان ابن حديج يرسل إليه في كل يوم بخبر ما يحدث في البلد من موت وغيره، فأرسل إليه ذات يوم رسولا فأتاه، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال: أبو طالب، فثقل ذلك على عبد العزيز وغاظه، فقال: أسألك عن اسمك فتقول: أبو طالب! ما اسمك؟ قال: مدرك فتفاءل عبد العزيز بذلك فمرض، فدخل نصيب الشاعر فأنشأ يقول:
ونزور سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد
لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارِفي وتلادِي
فأمر له بألف دينار، ثم مات عبد العزيز بحلوان، فحمل في البحر إلى الفسطاط، ودفن بمقبرتها (1) .
وكانت وفاته ليلة الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين. وكتب على قصره بحلوان:
أين رب القصر الذي شيد القصر، وأين العبيد والأجناد!
أين تلك الجموع والأمر والنهى وأعوانهم، وأين السواد!
وقال عمر بن أبي الجدير العجلاني يرثي عبد العزيز بن مروان وابنه أبا زبان:
أبعدك يا عبد العزيز لحجة ... وبعد أبي زبان يُستعتب الدهر
فلا صلحت مصر لحي سواكما ... ولا سقيت بالنيل بعدكما مصر
فأمر بعده عبد الملك، فأقام شهرا إلا ليلة، ثم صرف وولي بعده ابنه عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك. قال الليث بن سعد: وكان حدثا، وكان أهل مصر يسمونه نكيس، وهو أول من نقل الدواوين إلى العربية؛ وإنما كانت بالعجمية، وهو أول من نهى الناس عن لباس البرانس، فأقام إلى التسعين، فعزله أخوه الوليد.
وولَّى قرة بن شريك العبسي، فقدمها يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول، وفي ذلك يقول الشاعر:
عجبا ما عجبت حين أتانا ... أن قد أمرت قرة بن شريك (2)
وعزلت الفتى المبارك عنا ... ثم فيلت فيه رأي أبيك
وكان قرة ظلوما عسوفا، قيل: كان يدعو بالخمر والملاهي في جامع مصر؛ أخرج أبو
_________
(1) فتوح مصر 237.
(2) فتوح مصر 131.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق