إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 6 نوفمبر 2014

557 حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة ذكر أمراء مصر من حين فتحت إلى أن ملكها بنو عبيد


557

حسْن المُحاضرة في تاريخ مصْر والقاهرَة

ذكر أمراء مصر من حين فتحت إلى أن ملكها بنو عبيد


مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس وتاركه؛ فأشاع بعض أهل الشام أن قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن، ويمالئهم على أهل العراق.
وروى ابن جرير أنه جاء من جهته كتاب مزور بمبايعته معاوية، فلما بلغ ذلك عليا اتهمه، وكتب إليه يغزو أهل خربتا الذين تخلفوا عن البيعة، فبعث يعتذر إليه بأنهم كثير عددهم، وهم وجوه الناس، وكتب إليه: إن كنت إنما أمرتني بهذا لتختبرني لأنك اتهمتني، فابعث على عملك بمصر غيري.
فولى على مصر محمد بن أبي بكر، وارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب إلى علي، واعتذر إليه، وشهد معه صفين، فلم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر، مهيبا بالديار المصري، حتى كانت وقعة صفين، وبلغ أهل مصر خبر معاوية ومن معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، وصاروا إلى التحكيم. فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر، واجترءوا عليه، وبارزوه بالعداوة، وندم علي بن أبي طالب على عزل قيس من مصر لأنه كان كفئا لمعاوية وعمرو. فلما فرغ علي من صفين، وبلغه أن أهل مصر استخفوا بمحمد بن أبي بكر لكونه شابا ابن ست وعشرين سنة أو نحو ذلك، عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد.
ثم إنه ولى عليها الأشتر النخعي، فلما بلغ معاوية تولية الأشتر ديار مصر، عظم ذلك عليه؛ لأنه كان طمع في استنزاعها من يد محمد بن أبي بكر، وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه وشجاعته. فلما سار الأشتر إليها وانتهى إلى القلزم، استقبله الجايسار -وهو مقدم على الخراج- فقدم إليه طعاما، وسقاه شرابا من عسل، فمات منه. فلما بلغ ذلك معاوية وأهل الشام قالوا: إن لله جندا من عسل. وقيل: إن معاوية كان تقدم إلى هذا

الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله ففعل ذلك، ذكره ابن جرير.
فلما بلغ عليا وفاة الأشتر تأسف عليه لشجاعته، وكتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره واستمراره بديار مصر، وكان ضعف جأشه مع ما فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا، وقد كانوا استفحل أمرهم؛ وكان أهل الشام حين انقضت الحكومة سلموا على معاوية بالخلافة، وقوي أمرهم جدا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه، واستشارهم في المسير إلى مصر، فاستجابوا له؛ وعين نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها، ففرح بذلك عمرو، فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد ومعاوية بن خديج -وهما رؤساء العثمانية ببلاد مصر- يخبرهم بقدوم الجيش إليهم سريعا، فأجابوه، فجهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، فسار إليها، واجتمعت عليه العثمانية وهم عشرة آلاف. فكتب عمرو إلى محمد بن أبي بكر: أن تنح عني بدمك، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظُفر، وإن الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك. فأغلظ محمد بن أبي بكر لعمرو في الجواب، وركب في ألفي فارس من المصريين، فأقبل عليه الشاميون، فأحاطوا به من كل جانب، وتفرق عنه المصريون، وهرب هو فاختفى في خربة، ودخل عمرو بن العاص فسطاط مصر، ثم دُلَّ على محمد بن أبي بكر، فجيء به؛ وقد كاد يموت عطشا، فقدمه معاوية بن حديج فقتله، ثم جعله في جيفة حمار، فأحرقه بالنار؛ وذلك في صفر سنة ثمان وثلاثين.
وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر، وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر، فأقام عمرو أميرا بمصر إلى أن مات بها ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين على المشهور، ودفن بالمقطم، من ناحية الفج؛ وكان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز، فأحب أن يدعو له من مر به؛ وهو أول أمير مات بمصر.
وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير:

ألم تر أن الدهر أخنت ريوبه ... على عمر السهمي تُجبى له مصر
فأضحى نبيذا بالعراء وضللت ... مكائده عنه وأمواله الدثر
ولم يغن عنه جمعه المال برهة (1) ... ولا كيده حتى أتيح له الدهر
فلما مات عمرو بن العاص ولى معاوية على ديار مصر ولده عبد الله بن عمرو.
قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين. وقال غيره: بل أشهرا. ثم عزله وولى عتبة بن أبي سفيان.
ثم عزله وولى عقبة بن عامر سنة أربع وأربعين، فأقام إلى سنة سبع وأربعين فعزله.
وولى معاوية بن حديج، فأقام إلى سنة خمسين، فعزله.
وولى مسلمة بن مخلد وجمعت له مصر والمغرب؛ وهو أول والٍ جمع له ذلك (2) .
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة عن بعض شيوخ أهل مصر، قال: أول كنيسة بنيت بفسطاط مصر الكنيسة التي خلف القنطرة أيام مسلمة بن مخلد، فأنكر ذلك الجند على مسلمة، وقالوا له: أتقر لهم أن يبنوا الكنائس! حتى كاد يقع بينهم وبينه شر، فاحتج عليهم مسلمة يومئذ، فقال: إنها ليست في قيروانكم، وإنما هي خارجة في أرضهم، فسكتوا عند ذلك.
فأقام مسلمة أميرا إلى سنة تسع وخمسين.
وكان عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي المشهور بابن أم الحكم -وأم الحكم هي أخت معاوية- أميرا على الكوفة، فأساء السيرة في أهلها، فأخرجوه من بين أظهرهم طريدا، فرجع إلى خاله معاوية، فقال: لأولينك مصر خيرا منها، فولاه مصر، فلما سار إليها تلقاه معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر، فقال: ارجع إلى خالك، فلعمري لا تسير فينا
_________
(1) ابن عبد الحكم: "جمعه واحتباله".
(2) ابن عبد الحكم 132.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق