176
زاد المعاد في هدي خير العباد ( ابن قيم الجوزية ) الجزء الثاني
فصل
وللناس فى هذه العُمرة التى أتت بها عائشةُ من التنعيم أربعةُ مسالك .
أحدها : أنها كانت زيادة تطييباً لقلبها وجبراً لها ، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حَجِّها وعُمْرتها ، وكانت متمتعة ، ثم أدخلت الحَجَّ على العُمْرة ، فصارت قارِنة ، وهذا أصحُّ الأقوالِ ، والأحاديثُ لا تدل على غيره ، وهذا مسلك الشافعى وأحمد وغيرهما .
المسلك الثانى : أنها لما حاضت ، أمرها أن ترفُضَ عُمْرتَهَا ، وتنتقِلَ عنها إلى حَجٍّ مفرد ، فلما حلَّت من الحَج ، أمرها أن تعتمِر قضاءً لعُمْرتها التى أحرمت بها أولاً ، وهذا مسلكُ أبى حنيفة ومَن تبعه ، وعلى هذا القول ، فهذه العُمْرةُ كانت فى حقِّها واجبة ، ولا بُد منها ، وعلى القول الأول كانت جائزة ، وكل متمتعة حاضت ولم يمكنها الطوافُ قبل التعريف ، فهى على هذين القولين ، إما أن تُدْخِلَ الحَجَّ على العُمْرة ، وتصيرَ قارنة ، وإما أن تنتقلَ عن العُمْرة إلى الحَجِّ ، وتصيرَ مفرِدة ، وتقضى العُمْرة .
المسلك الثالث : أنها لما قرنت ، لم يكن بُدٌّ من أن تأتىَ بعُمْرة مفردة ، لأن عُمرة القارن لا تُجزئ عن عُمْرة الإسلام ، وهذا أحد الروايتين عن أحمد .
المسلك الرابع : أنها كانت مُفرِدة ، وإنما امتنعت من طوافِ القُدوم لأجل الحيض ، واستمرت على الإفراد حتى طهُرت ، وقضت الحَجَّ وهذه العُمْرةُ هى عُمْرة الإسلام ، وهذا مسلك القاضى إسماعيل بن إسحاق وغيره من المالكية، ولا يخفى ما فى هذا المسلك مِن الضعف ، بل هو أضعفُ المسالك فى الحديث.
وحديث عائشة هذا ، يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك :
أحدها : اكتفاء القارِن بطواف واحد وسعى واحد .
الثانى : سقوطُ طوافِ القدوم عن الحائض ، كما أن حديثَ صفيَّة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أصل فى سُقوط طواف الوداع عنها .
الثالث : أن إدخالَ الحجِّ على العُمْرة للحائض جائز ، كما يجوز للطاهر ، وأولى ، لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك .
الرابع : أن الحائضَ تفعل أفعال الحجِّ كلَّها ، إلا أنها لا تطوفُ بالبيت .
الخامس : أن التنعيم مِن الحِلِّ .
السادس : جوازُ عُمْرتين فى سنة واحدة ، بل فى شهر واحد .
السابع : أن المشروعَ فى حق المتمتِّع إذا لم يأمنِ الفوات أن يُدْخِلَ الحجَّ على العُمْرة ، وحديث عائشة أصل فيه .
الثامن : أنه أصل فى العُمْرة المكية ، وليس مع مَن يستحبُّها غيره ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعتمر هو ولا أحد ممن حَجَّ معه من مكة خارجاً منها إلا عائشةَ وحدها ، فجعل أصحابُ العُمْرة المكية قصة عائشة أصلاً لقولهم ، ولا دلالة لهم فيها ، فإن عُمْرتها إما أن تكون قضاءًَ للعُمْرة المرفوضة عند مَن يقول : إنها رفضتها ، فهى واجبة قضاءً لها ، أو تكون زيادة محضة ، وتطييباً لقلبها عند مَن يقول : إنها كانت قارِنة ، وأن طوافها وسعيها أجزأها عن حَجِّها وعُمْرتها . واللَّه أعلم .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق