191
موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
المجلد الأول: الإطـار النظــرى
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
الباب التاسع: العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف
ثالثاً: المجال الدولي:
أ) تبدأ هذه المرحلة بالاستعمار الاستيطاني ثم الإمبريالية العالمية (عصر استغلال الموارد الطبيعية والبشرية على المستوى العالمي بشكل مباشر ومن خلال الجيوش النظامية). وتتم هيمنة الاتحاد السوفيتي على الأحزاب الشيوعية وعلى الدول المجاورة باسم الأممية الاشتراكية، كما يتخذ الدفاع عن الاتحاد السوفيتي شعار الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة. أما الاستعمار الغربي فيتم تبريره باللجوء إلى شعارات مثل "عبء الرجل الأبيض" و"الرسـالة الحـضارية" و"القدر المحتوم" وتشهـد الفـترة حروباً عـالمية (أي غربية) وأخرى صغيرة في آسيا وأفريقيا. وبدأت تظهر ملامح ما يُسمَّى «جلوباليزيشن globalization» أي «العولمة» أو تحويل العالم إلى وحدات متجانسـة لا تتمـتع بأية خـصوصية (وهو الاتجــاه الذي أدى في نهاية الأمر إلى ظهور النظام العالمي الجديد). ومما سارع بهذا الاتجاه أن الاستعمار الغربي (والأمريكي بخاصة) اكتشف أن المواجهة مع الشعوب أمر مكلف جداً، وأن الحروب الاستعمارية لا تأتي بعائد كبير ولذا قرر التراجع عن الغزو العسكري المباشر والبحث عن أشكال أكثر مراوغة مثل الاستعمار الجديد. وثمة دولة غربية واحدة (إنجلترا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ثم الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر) هي المهيمنة على النظام العالمي وتنتهي الفترة بالحرب الباردة. وتبدأ عملية تصفية الجيوب الاستيطانية، ومع نهاية المرحلة لا يبقى سوى الجيب الاسـتيطاني في فلسـطين، يطل على أفريقيا وقناة السـويـس، والجيب الاسـتيطاني في جنوب أفريقيا في قاعدة القارة.
ب) تشهد هذه المرحلة بداية ظهور النظام العالمي الجديد ويمكن الحديث عن عولمة بعض القضايا مثل الطاقة النووية ـ التلوث البيئ ـ الإيدز ـ البريد الإلكترونى ـ ثورة المعلومات. هذا هو عصر استغلال الموارد الطبيعية والبشرية على المستوى العالمي بدون مواجهات عسكرية، ومن خلال تجنيد النخب المحلية الحاكمة لتنفيذ مخططات الدول الغربية، ومن خلال تَزايُد معدلات التدويل، بحيث يتحول الكون بأسره إلى شيء متجانس يتسم بالواحدية الدولية، لا خصوصيات له ولا ثنائيات ولا تَنوُّع. وبدلاً من استعمار الشعوب، يتم أمركتها وكوكلتها (نسبة إلى الكـوكاكولا) وتحل الكـوكاكولانية بدلاً من الكـولونيالية. ويتم الحـديث عن نهــاية التاريخ ونهاية الأيديولوجيا، لإشاعة الإحساس بأن ثمة نظاماً جديداً قد ظهر مبنياً على العدل وتَبادُل المصالح الاقتصادية. ومع هذا يُلاحَظ على مستوى الواقع أن 20% من سكان الأرض (شعوب الدول المتقدمة) يستهلكون 80% من موارد العالم الطبيعية. وقد تَزايد الاستقطاب على مستوى العالم لصالح الدول الثرية التي تزداد ثراء بينما تزداد الدول الفقيرة فقراً، من خلال عملية التبادل الاقتصادية "العادلة"! كما يُلاحَظ أن معدلات إنتاج الأسلحة (وبيعها) لم ينخفض كثيراً عن ذي قبل.
ولا يستخدم النظام العالمي الجديد الديباجات القديمة مثل عبء الرجل الأبيض وإنما يتحدث عن الدفاع (الانتقائي) عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق النساء وربطها بالدفاع عن حقوق الشواذ جنسياً وعن حقوق الحيوانات.
والنظام العالمي الجديد هو تصعيد لعمليات العلمنة، ومحاولة لإعادة صياغة العالم بأسره حتى يصبح جزءاً من الآلة التي ستستمر في الدوران إلى أن ترتطم بحائط كوني (مثل الإيدز وثقوب الأوزون والفشل الذريع في التخلص من النفايات النووية وغير النووية). ويمكننا الآن الحديث عن «الاستهلاكية العالمية» وعن «الإمبريالية النفسية» (أي الإمبريالية التي تعتبر النفس البشرية هي الحيز الذي تتحرك فيه وتهزمه وتحوسله) بدلاً من «الاشتراكية العالمية» أو «الرأسمالية العالمية» أو «الإمبريالية العالمية»، وخـصوصاً بعد سـقوط النظام الاشتراكي والنظرية الماركسية، والذي حدث هو التلاقي «كونفرجانس convergence» بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، وهو تلاق توقعه كثير من علماء الاجتماع منذ زمن. ويُلاحَظ أن الولايات المتحدة لم تَعُد المركز ولا القوة الوحيدة في العالم، إذ ظهرت قوى أخرى (النمور الآسيوية ـ تعاظم نفوذ أوربا).
وتاريخ الإمبريالية يشبه من بعض النواحي تاريخ الدولة القومية العلمانية. فالدولة المركزية القومية، في مرحلتها المطلقة (التقشفية التراكمية)، كانت تُرغم الشعوب على أن تكون مادة ومصدراً للطاقة. وقد تغيَّر الأمر في مرحلتها الديموقراطية حين ارتضت الشعوب الغربية أن تصبح منتجة ومستهلكة وحسب واستبطنت المنظومة المعرفية والأخلاقية التي كانت تقاومها. ويحاول النظام العالمي الجديد (هذا التعبير الجديد عن الظاهرة الاستعمارية الغربية أو النظام العالمي القديم) أن يجعل شعوب العالم تستبطن رؤيتها لذاتها كمستهلكين ومنتجين وحسب، أي مادة استعمالية، وتدخل القفص الحديدي راضية قانعة. ولذا فهو يلجأ للإغواء والقمع بدلاً من المواجهة الصريحة والقمع المباشر.
وقد قبلت كثير من نخب العالم الثالث هذا الإغواء وبدأت تثرثر هي الأخرى عن النظام العالمي الجديد (ولكن بدأت قطاعات أخرى تدرك تماماً خطورة هذا الاتجاه نحو العولمة). مصر وإسرائيل تُوقعان اتفاقية كامب ديفيد، والنخبة الحاكمة الفلسطينية وإسرائيل تُوقعان اتفاقية أوسلو، ومع هذا تتصاعد أشـكال مختلفة من المقاومة الفلسـطينية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق